الإدارة التونسية: من «حزب الإدارة» إلى خطر تسييس الدولة في زمن الشعبوية ..اخبار محلية

أنباء تونس - اخبار محلية
الإدارة التونسية: من «حزب الإدارة» إلى خطر تسييس الدولة في زمن الشعبوية

بقلم فاهم بوكدوستُستعمل في تونس منذ سنوات عبارة «حزب الإدارة» لوصف الإدارة التونسية باعتبارها كتلة متماسكة تقاوم التغيير وتحافظ على مصالحها وتعرقل إرادة السلطة أو المجتمع،وللعبارة ما يفسر حضورها في الوعي الشعبي، خصوصاً في بلد عانى طويلاً من البيروقراطية والتعقيدات الإدارية، ومن تداخل الإدارة بالسلطة السياسية، ومن المحسوبية وسوء التصرف في بعض المواقع.

لكننا نحتاج اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، إلى التمييز بين نقد الإدارة وشيطنتها، خصوصاً في سياق سياسي أصبحت فيه الشعبوية جزء أساسياً من طريقة بناء الخطاب السياسي.

    ما المقصود بالإدارة التونسية؟

    ان الإدارة ليست حزباً، ولا تملك برنامجاً سياسياً موحداً، انها الجهاز الذي تعمل من خلاله الدولة يومياً: الموظف في البلدية، والأستاذ في المدرسة العمومية، والطبيب والإطار الإداري في المستشفى، وعون الجباية، والمهندس في وزارة التجهيز، والموظف في القباضة المالية، والعامل في المؤسسة العمومية….قد تكون الإدارة بطيئة، وقد تكون بعض إجراءاتها غير معقولة، وقد يكون بعض مسؤوليها فاسدين أو متنفذين أو متمسكين بمواقعهم، ومن حق المواطن أن يغضب من إدارة تجعله يتنقل بين أكثر من مصلحة للحصول على وثيقة كان يمكن الحصول عليها إلكترونياً في دقائق،لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الغضب المشروع من نقد أداء الإدارة إلى اتهام الإدارة ككل،فالإدارة، في النهاية، ليست مجرد مجموعة موظفين. إنها إحدى أدوات استمرار الدولة، فالحكومات تتغير، والوزراء يتغيرون، والسياسات تتغير، لكن المدرسة والمستشفى والبلدية والقباضة ومؤسسات النقل والخدمات العمومية يجب أن تستمر.

    «حزب الإدارة»: ماذا يخفي المصطلح؟

    يمكن تاريخيا فهم عبارة «حزب الإدارة» في سياق تونسي عرف تداخلاً بين الإدارة والسلطة، واستعمالاً لأجهزة الدولة لخدمة النظام السياسي، فضلاً عن وجود شبكات مصالح وبيروقراطية متجذرة،لكن من الخطأ تحويل هذا التوصيف إلى حقيقة سياسية مفادها أن الإدارة كلها تشكل حزباً موحداً.إذا كان المقصود بـ«حزب الإدارة» وجود بيروقراطية تعرقل الإصلاح، أو مسؤولين يستعملون مواقعهم لحماية مصالحهم، أو شبكات محسوبية، أو توظيف سياسي لبعض أجهزة الدولة، فهذه ظواهر يمكن تحديدها ومحاسبة أصحابها،أما تحويل مئات الآلاف من الموظفين والأعوان إلى كتلة سياسية واحدة، فهو تبسيط لا يساعد على إصلاح شيء.بل قد يصبح خطيراً عندما يتحول إلى خطاب دائم يضع الإدارة في موقع «الخصم».

    من نقد الإدارة إلى شيطنتها:

    هناك فرق كبير بين أن نقول إن إجراءً إدارياً غير معقول، وبين أن نقول إن الموظفين جميعاً جزء من «منظومة» تعرقل مصالح الناس.لنفترض مثلاً أن مواطناً يريد استخراج وثيقة ويتطلب الأمر منه التنقل بين ثلاث إدارات. من حقه أن يسأل: لماذا لا تكون العملية إلكترونية؟ ولماذا يحتاج إلى كل هذه الوثائق؟لكن الحل ليس مهاجمة الموظف الذي يطبق الإجراء،فإذا كان الإجراء مفروضاً بنص قانوني أو ترتيبي، فالمشكلة في القاعدة نفسها، والحل هو تغييرها. أما الضغط على الموظف حتى يخالفها، فليس إصلاحاً للإدارة.ينكبق الأمر نفسه على الاستثمار، فإذا كان المستثمر ينتظر أشهراً بسبب تعقيدات إدارية غير ضرورية، فمن حقه المطالبة بإلغاء هذه التعقيدات ومحاسبة المسؤول عن التأخير غير المبرر،لكن إذا كانت هناك شروط قانونية أو بيئية أو عمرانية يجب احترامها، فإن تجاوزها بدعوى «محاربة البيروقراطية» ليس إصلاحاً فالإصلاح يغير القواعد؛ أما الضغط السياسي فيغير سلوك الأشخاص.

    عندما تصبح شيطنة الإدارة وسيلة للضغط عليها:

    هنا تكمن المفارقة الأهم،فالهجوم على الإدارة قد يبدأ باعتباره دفاعاً عن المواطن، لكنه يمكن أن يتحول إلى أداة للضغط على الإدارة وإخضاعها للسلطة السياسية،فعندما يقال باستمرار إن «الإدارة تعرقل»، وإن «الموظفين يقاومون التغيير»، وإن «البيروقراطية تقف ضد إرادة الشعب»، يصبح من السهل تبرير التدخل السياسي في التعيينات والقرارات والمسارات الإدارية.وقد يصبح المسؤول الذي يطبق القانون بحذافيره «معطلاً»، بينما يصبح المسؤول الذي يجد الطرق لتجاوز الإجراءات «كفؤاً ومتجاوباً».وهنا نكون أمام مفارقة خطيرة:بدل أن نحارب توظيف الإدارة لخدمة السلطة، قد ينتهي بنا الأمر إلى إعادة تشكيل الإدارة على أساس مدى استعدادها لخدمة السلطة،أي أننا لا نلغي «حزب الإدارة»، وإنما نستبدله بإدارة أكثر تبعية.

    لماذا يرتبط ذلك بالشعبوية؟

    تحتاج الشعبوية ، في الغالب، إلى صورة واضحة للصراع: الشعب في مواجهة «المنظومة»،وفي هذا النوع من الخطاب تصبح المؤسسات والوسائط والقواعد والإجراءات قابلة للتقديم باعتبارها عوائق أمام الإرادة الشعبية.وهنا يمكن أن تدخل الإدارة بسهولة في خانة «المنظومة»،فهي حاضرة في حياة المواطن اليومية، وهي التي تطبق الإجراءات التي تزعجه، وهي أيضاً جهاز ضخم ومعقد يصعب عليه الدفاع عن نفسه سياسياً،لكن الخطر يبدأ عندما تصبح كل مقاومة إدارية، وكل تنبيه قانوني، وكل تحفظ تقني، وكل مطالبة باحترام إجراء، دليلاً على أن الإدارة «ضد الشعب».فالموظف الذي يقول إن إجراءً معيناً مخالف للقانون لا يعارض الشعب،والمسؤول الذي يطلب احترام قواعد الصفقات العمومية لا يدافع بالضرورة عن «المنظومة»،والإطار الذي يحذر من آثار قرار مالي أو اقتصادي لا يمارس بالضرورة «التخريب»فقد يكون ببساطة يؤدي وظيفته.

    السياسة تقرر والإدارة تنفذ:

    في الدولة الديمقراطية، السلطة التنفيذية تضع السياسات العامة، والإدارة تنفذها،وإذا قررت الحكومة تسريع الاستثمار، فعليها أن تطلب من الإدارة تبسيط الإجراءات وتسريع دراسة الملفات،وإذا قررت إصلاح التعليم، فعلى الإدارة تنفيذ السياسة الجديدة،وإذا قررت تغيير نظام الدعم أو الجباية، فعليها تحويل القرار السياسي إلى قوانين وتراتيب قابلة للتطبيق،لكن الإدارة ليست مطالبة بتنفيذ رغبة سياسية تتعارض مع القانون،فإذا طلب مسؤول سياسي منح امتياز لشخص لا يستحقه قانوناً، فإن رفض الموظف ليس تمرداً،وإذا رفضت إدارة رخصة لأن الشروط القانونية غير متوفرة، فهذا ليس بالضرورة «تعطيلاً»،فالسياسي يحدد الاتجاه، والإداري يطبق القانون، وهذا الفصل ليس عائقاً أمام الدولة؛ بل هو أحد شروط الدولة الحديثة.

    لماذا تحتاج الديمقراطية إلى إدارة تستطيع أن تقول «لا»؟

    قد يبدو الأمر مفارقا، لكن الديمقراطية تحتاج إلى إدارة تستطيع أحياناً أن تقول «لا»،ليس «لا» للسياسة، وإنما «لا» عندما يكون المطلوب مخالفاً للقانون،لأن الموظف الذي لا يستطيع رفض التعليمات غير القانونية يصبح مجرد أداة في يد السلطة،والمسؤول الذي يخشى أن يفقد موقعه إذا لم يستجب لرغبة سياسية لن يستطيع دائماً حماية المال العام أو تطبيق القانون أو ضمان المساواة بين المواطنين،فالإدارة المهنية ليست إدارة معادية للسلطة،بل هي إدارة لا تتغير قواعدها بتغير الأشخاص.لكن هل يعني الدفاع عن الإدارة إعفاءها من المحاسبة؟بالتأكيد لا،فالدفاع عن الإدارة لا يعني الدفاع عن البيروقراطية أو الفساد أو الموظف المقصر،فإذا عطلت إدارة حقاً للمواطن دون مبرر، يجب أن يحاسب المسؤول،وإذا أُهدرت الأموال العمومية، يجب التدقيق والمحاسبة،وإذا استعمل موظف سلطته للابتزاز أو المحاباة، يجب أن يتحمل مسؤوليته،وإذا ارتكب مسؤول مخالفة، يجب أن تكون هناك آليات لمعاقبته،لكن المساءلة الديمقراطية تختلف عن الضغط السياسي.انه يمكن للبرلمان أن يراقب، والقضاء الإداري أن يلغي القرار غير القانوني، وأجهزة الرقابة والتفقد أن تحقق، والصحافة أن تكشف الاختلالات، والمواطن أن يطعن في القرارات التي تمس حقوقه،وهكذا تتحول المحاسبة إلى مؤسسة، بدل أن تصبح حملة ضد مجموعة من الموظفين.

    الخطر ليس في «حزب الإدارة» وحده:

    إذا كان «حزب الإدارة» يعني البيروقراطية، فلنحارب البيروقراطية، وإذا كان يعني الفساد، فلنحارب الفساد،وإذا كان يعني المحسوبية، فلنحارب المحسوبية،وإذا كان يعني توظيف الإدارة لخدمة السلطة، فلنحارب هذا التوظيف،لكن لا نحول الإدارة كلها إلى خصم سياسي،لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نبدأ بمحاربة «حزب الإدارة» وننتهي ببناء إدارة تخاف من السلطة أكثر مما تخاف من مخالفة القانون،وهنا نكون قد انتقلنا من مشكلة البيروقراطية إلى مشكلة أخطر: تسييس الدولة.

    المطلوب: إصلاح الإدارة لا إخضاعها:

    تحتاج تونس فعلاً إلى إصلاح عميق للإدارة: تبسيط الإجراءات، والرقمنة، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات، وتطوير الكفاءات، وتقييم الأداء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس حق المواطن في النفاذ إلى المعلومة والطعن في القرارات الإدارية،لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى حماية الإدارة من التسييس،لأن الإدارة القوية ليست الإدارة التي تقول دائماً «نعم» للسلطة، وإنما الإدارة التي تنفذ السياسة العامة عندما تكون قانونية، وتقول «لا» عندما يكون المطلوب مخالفاً للقانون،وهنا ربما يجب أن نعيد صياغة السؤال.بدلاً من أن نسأل: كيف نقضي على «حزب الإدارة»؟علينا أن نسأل:كيف نبني إدارة لا تكون حزباً، ولا تتحول إلى خصم للسلطة، ولا تصبح أداة في يدها، وإنما تكون مهنية ومحايدة وخاضعة للقانون وقابلة للمساءلة؟فالمعركة الحقيقية ليست بين الشعب والإدارة، وإنما بين دولة القانون ودولة الولاء.وتونس لا تحتاج إلى إدارة تحكم الشعب، ولا إلى إدارة تحكمها السلطة:إنها تحتاج إلى إدارة تحكمها القواعد، وتخدم المواطن، وتنفذ السياسة العامة، وتحاسب عندما تخطئ، وتحتمي بالقانون عندما تتعرض للضغط،وهذا هو التحدي الحقيقي في السياق الشعبوي الذي نعيشه اليوم: إصلاح الإدارة ضرورة، لكن حماية الإدارة من التسييس ضرورة لا تقل أهمية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث باسم محاربة «حزب الإدارة» هو أن ننتقل، دون أن ننتبه، من إدارة تعاني من البيروقراطية إلى إدارة تخضع للسلطة؛ ومن مشكلة في أداء الدولة إلى مشكلة في طبيعة الدولة نفسها.

    فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

    ظهرت المقالة الإدارة التونسية: من «حزب الإدارة» إلى خطر تسييس الدولة في زمن الشعبوية أولاً على أنباء تونس.

    مشاهدة الإدارة التونسية من laquo حزب الإدارة raquo إلى خطر تسييس الدولة في زمن

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الإدارة التونسية من حزب الإدارة إلى خطر تسييس الدولة في زمن الشعبوية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الإدارة التونسية: من «حزب الإدارة» إلى خطر تسييس الدولة في زمن الشعبوية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار