حضرموت.. وماذا بعد؟ ...اليمن

الاول _ من قلب الحدث - اخبار عربية

ليست أزمة حضرموت اليوم في غموض قضيتها، ولا في نقص حجتها، ولا في عجزها عن تعريف نفسها. قضية حضرموت واضحة وضوح الشمس؛ لكن محاميها فاشل.وهذه، في تقديري، هي المعضلة الكبرى.فالأرض تعرف نفسها، والتاريخ يعرفها، والإنسان الحضرمي يعرف خصوصيته، والجغرافيا ترسم مجالها، والثروة تمنحها أسباب القوة، وموقعها يجعلها رقماً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة قادمة للمنطقة. ومع ذلك، ظل الصوت السياسي الذي يتحدث باسمها في كثير من المراحل أصغر من القضية، وأضعف من اللحظة، وأحياناً أسيراً لمصالح لا علاقة لها بمستقبل حضرموت.وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:حضرموت… وماذا بعد؟أولاً: المشكلة ليست في القضية… بل فيمن حملهاأخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة أن يحملها من لا يساوي عدالتها.وحضرموت دفعت ثمناً باهظاً لأنها كثيراً ما وجدت نفسها بين ثلاثة أصناف: من يتاجر باسمها، ومن يخاف من رفع سقف مطالبها، ومن يريد استخدامها جسراً لمشروع أكبر منها ثم يطلب من أهلها أن يسموا ذلك “تمثيلاً”.فتبدلت الشعارات، وتكاثرت المجالس والواجهات، بينما بقي السؤال الجوهري بلا جواب:من يملك القرار الحضرمي فعلاً؟ليس من يرفع علم حضرموت بالضرورة حضرمياً في مشروعه السياسي، وليس كل من يتحدث بلهجتها مؤتمناً على مستقبلها، وليس كل من يزعم تمثيلها مستعداً لدفع ثمن استقلال قرارها.فالخيانة السياسية ليست دائماً تسليم الأرض بالسلاح؛ قد تكون اختطاف الإرادة، وتخفيض سقف الحقوق، وتحويل قضية شعب إلى وظيفة أو مخصص أو مقعد أو امتياز.ثانياً: أخطر خصوم حضرموت قد يكونون من أبنائهاينبغي أن نقولها بلا مواربة:حضرموت لن تستطيع بناء مستقبلها قبل أن تنفض عن كتفيها كل من جعلها سلماً لمصلحته؛ سواء كان من أبنائها أو من خارجها.فالانتماء بالاسم لا يمنح صاحبه صكاً أبدياً لتمثيل الناس.من قدّم مصلحته على مصلحة حضرموت يجب أن يُحاسب سياسياً. ومن رهن قرارها لغير أهلها يجب أن يُكشف. ومن جعل من القضية سوقاً للمناصب والمخصصات يجب أن تنتهي صلاحيته في الوعي الشعبي قبل أن تنتهي في المؤسسات.حضرموت لا تحتاج إلى زعيم يملكها؛ بل إلى رجال دولة يخدمونها.وهناك فرق هائل بين الاثنين.مرحلة الأشخاص يجب أن تنتهي، لتبدأ مرحلة المؤسسات. ومرحلة الولاءات الصغيرة يجب أن تنتهي، لتبدأ مرحلة المصلحة الحضرمية العليا.ثالثاً: من سؤال “من يحكم حضرموت؟” إلى سؤال “كيف تُبنى حضرموت؟”وهذه هي النقلة الفكرية التي أراها ضرورية.فالقضية لا ينبغي أن تبقى محصورة في الصراع على السلطة والنفوذ. السؤال الأكبر هو:ماذا نريد لحضرموت بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟هل نريدها مجرد مساحة جغرافية غنية بالنفط؟أم نريدها مركزاً اقتصادياً ولوجستياً وأمنياً وإنسانياً يربط الجزيرة العربية ببحر العرب والمحيط الهندي وشرق أفريقيا وآسيا؟هنا تبدأ الرؤية الحقيقية.حضرموت تملك مساحة شاسعة، وساحلاً طويلاً، وموانئ، ومطارات، وثروات طبيعية، وموقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، ورأسمالاً بشرياً، وفوق ذلك كله امتداداً حضرمياً عالمياً تشكل عبر قرون في الخليج وشرق أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا.هذه العناصر إذا اجتمعت تحت إدارة رشيدة، وأمن مستقر، ومؤسسات قوية، ورؤية اقتصادية بعيدة المدى فإننا لن نكون أمام إقليم يبحث عمن يعيله؛ بل أمام مركز قوة قادر على المساهمة في إعادة تشكيل اقتصاد جنوب الجزيرة العربية وبحر العرب.ولهذا أقول:حضرموت ليست عبئاً على المستقبل… حضرموت أحد مفاتيحه.رابعاً: الثروة ليست النفط وحدهأحد أكبر الأخطاء اختزال قيمة حضرموت في آبار النفط.قيمة حضرموت الحقيقية أكبر بكثير.موقعها نفسه ثروة.ساحلها ثروة.موانئها ثروة.مساحتها ثروة.طاقة الشمس والرياح فيها ثروة.ثروتها السمكية ثروة.تراثها وثقافتها ثروة.والإنسان الحضرمي المنتشر في العالم ثروة ربما تفوق النفط نفسه.تخيلوا لو تحولت حضرموت إلى بيئة استثمار مستقرة، ترتبط فيها الموانئ بالمناطق اللوجستية، والمطارات بالتجارة والسياحة، والطاقة بالصناعة، والثروة السمكية بسلاسل التصدير، والمهجر الحضرمي بصناديق استثمار وتنمية تعيد جزءاً من خبراته ورؤوس أمواله إلى أرض الأجداد.عندها سيتغير السؤال من:من سيمول حضرموت؟إلى:كيف ستشارك حضرموت في تمويل نهضة المنطقة؟خامساً: حضارم المهجر… القوة التي لم تدخل المعادلة بعدوهذا ملف أراه بالغ الأهمية.لدى حضرموت امتداد بشري واقتصادي استثنائي خارج أرضها. أجيال من الحضارم بنت حضوراً مؤثراً في السعودية والخليج وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وشرق أفريقيا وغيرها.هذه ليست مجرد جاليات.إنها شبكة حضرمية عالمية يمكن، إذا أُحسن تنظيم العلاقة معها، أن تتحول إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية ومعرفية ضخمة.مستقبل حضرموت لا ينبغي أن يُبنى فقط بأموال النفط، وإنما بعقول الحضارم وخبراتهم ورؤوس أموالهم وعلاقاتهم الدولية.وهنا أيضاً فشل “محامي القضية”.فبدلاً من تقديم حضرموت للعالم باعتبارها مشروع استقرار وتنمية واستثمار، استُنزفت صورتها في صراعات محلية ضيقة لا تليق بتاريخها ولا بإمكاناتها.سادساً: دار الحزم والعزم… والامتداد الطبيعيولا يمكن الحديث عن مستقبل حضرموت بمعزل عن محيطها العربي والخليجي، وفي القلب منه المملكة العربية السعودية.فالجغرافيا لا تجامل، والأمن لا يعرف الشعارات، والاقتصاد لا يبنى بالأوهام.السعودية هي الثقل الأكبر في الجزيرة العربية، وحضرموت تمثل عمقاً مهماً على بحر العرب، واستقرارها وتنميتها وازدهارها يصب في بناء حزام أوسع من الأمن والازدهار في المنطقة.ومن هنا فإنني أرى أن العلاقة مع دار الحزم والعزم يجب ألا تُفهم باعتبارها علاقة ظرفية أو تكتيكية، وإنما في إطار أوسع من المصالح والاستقرار والامتداد الطبيعي.لكن هذه العلاقة لكي تكون راسخة يجب أن تقوم على حضرموت قوية، لا حضرموت مستضعفة؛ وعلى شراكة تنموية وأمنية واقتصادية طويلة المدى، تحفظ لأهل حضرموت حقوقهم وإرادتهم ومصالحهم.حضرموت القوية ليست خطراً على السعودية؛ بل يمكن أن تكون ركيزة إضافية لأمن الجزيرة العربية واستقرار بحر العرب.وهذه معادلة ينبغي التفكير فيها بعقل المستقبل، لا بعقل الصراعات القديمة.سابعاً: لن تضيع الحقوققد يظن البعض أن طول الانتظار يعني ضياع الحق.وهذا خطأ.فالحقوق التاريخية والسياسية لا تسقط لمجرد أن أصحابها مروا بمرحلة ضعف، ولا تتحول الوقائع المفروضة إلى حق أبدي لمجرد مرور الزمن.لكن الحقوق أيضاً لا تنتصر بالأماني.الحق يحتاج إلى ذاكرة، ووثيقة، ومؤسسة، وخطاب سياسي، ونخبة مؤهلة، وإرادة شعبية واعية.ولذلك فإن المعركة القادمة لحضرموت ينبغي أن تكون معركة بناء بقدر ما هي معركة استعادة حقوق.بناء مركز للدراسات والوثائق.بناء مرجعية سياسية محترمة.بناء نخبة قانونية ودبلوماسية.بناء رؤية اقتصادية.بناء إعلام محترف.بناء جسور مع حضارم المهجر.وبناء جيل جديد لا يرث الخصومات، وإنما يرث المشروع.حينها فقط يصبح للقضية محامٍ يليق بها.ثامناً: لا نريد استبدال وصاية بوصايةوهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.ليس الهدف أن نخرج حضرموت من هيمنة مشروع لتدخل في هيمنة مشروع آخر، ولا أن نستبدل مجموعة من المنتفعين بمجموعة جديدة ترفع شعارات حضرمية.المشروع الحقيقي هو تحرير القرار الحضرمي نفسه.أن تصبح مصلحة حضرموت هي معيار الموقف.وأن تكون ثروتها لأمنها وتنميتها وأجيالها.وأن يكون أبناؤها شركاء حقيقيين في صناعة مستقبلهم.وأن تبنى مؤسساتها على الكفاءة والنزاهة لا على القبيلة أو المحسوبية أو الولاء لهذا الطرف أو ذاك.لأن حضرموت إذا تخلصت من خصوم الخارج ولم تتخلص من فساد الداخل، فإنها لم تتحرر بعد.تاسعاً: ماذا بعد؟بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال: هل لحضرموت قضية؟هذا السؤال تجاوزه الزمن.السؤال هو:هل يستطيع الحضارم تحويل قضيتهم إلى مشروع؟مشروع سياسي واضح.مشروع اقتصادي قابل للتنفيذ.مشروع أمني يحمي الأرض ولا يستعبدها.مشروع اجتماعي يجمع الساحل والوادي والصحراء والمهجر.ومشروع استراتيجي يعرف أين يريد أن تكون حضرموت عام 2040 و2050.فالأمم لا تنهض لأنها كانت مظلومة.الأمم تنهض عندما تحول مظلوميتها إلى وعي، ووعيها إلى إرادة، وإرادتها إلى مؤسسات، ومؤسساتها إلى قوة.حضرموت القادمةأنا لا أنظر إلى حضرموت باعتبارها قضية على هامش المنطقة.بل أراها إحدى المساحات التي سيعاد عندها رسم مفهوم الأمن والاقتصاد والاستقرار في جنوب الجزيرة العربية وبحر العرب.وإذا أُحسن استثمار موقعها وثروتها وإنسانها وعلاقتها بعمقها الطبيعي، فإن حضرموت القادمة يمكن أن تكون ركيزة استقرار، ومركز تجارة، وبوابة استثمار، وجسراً بين الجزيرة العربية والمحيط الهندي.لكن قبل ذلك كله، عليها أن تستعيد نفسها.أن تنفض عنها المرتزق ولو كان من أبنائها.وأن تتجاوز المشرد الذي يتعامل مع أرضها باعتبارها غنيمة سياسية.وأن تقول لمن اعتاد المتاجرة باسمها:انتهى زمن الوكالة المفتوحة.حضرموت ليست تركة سياسية يتقاسمها المتصارعون، ولا خزينة يديرها المنتفعون، ولا رقعة على خريطة ينتظر أهلها أن يقرر الآخرون مصيرها.حضرموت أرض وإنسان وتاريخ ومستقبل.وما حفظها عبر كل هذه التحولات قادر ـ بإذن الله ـ أن يحفظها فيما هو آت.بعد إرادة الله الحافظة لها، وبعد وعي أبنائها وإرادتهم، فإن امتدادها الطبيعي وشراكتها مع دار الحزم والعزم يمكن أن يشكلا أساساً لمرحلة جديدة؛ مرحلة لا تبحث فيها حضرموت عن مكان لها في مستقبل المنطقة، بل تصبح هي إحدى ركائز ذلك المستقبل ومفاتيحه.ولذلك، فإن السؤال الذي بدأت به المقالة:حضرموت… وماذا بعد؟أجيب عنه بسؤال أكبر:ماذا بعد أن تستعيد حضرموت قرارها؟عندها فقط سنكتشف أن كل ما مضى لم يكن نهاية القصة…بل كان مقدمتها.

    مشاهدة حضرموت وماذا بعد

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حضرموت وماذا بعد قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حضرموت.. وماذا بعد؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار