لا جدال في أن المجاز الذي استُعمل لوصف موقع المغرب الجغرافي كشجرة تستمد جذورها من عمق العوالم الإفريقية، يتوجه جدعها إلى الشرق، وتتمدد فروعها في اتجاه أوروبا يمتلك دلالات بالغة القوة. فالمغرب شكَّل، وما يزال، نقطة عبور للأجساد، والثقافات، والبضائع، والجيوش، والرساميل، والقيم. جرت على جغرافيته وتجرى تجارب تمازج إنساني وثقافي في منتهى الغنى والتنوع، يجعل ممن ما يزال يدعي البحث عن “أصل نقي” في خِصام مبدئي مع الوقائع وتحول العلاقات، وسجين عمى إيديولوجي جديد لا يعي خطورته على الذات وعلى الآخرين. الأمر نفسه ينطبق على إسبانيا بتمظهرات مختلفة؛ حيث يمثل مضيق جبل طارق شاهدا على انتقال الأفكار والصور، وعلى حدوث تفاعلات، واقتباسات، وتأثيرات، وتبادلات وأشكال اختلاط لا حصر لها بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية.
جاحد من يُنكر كون المغرب يشكل جزء من الذاكرة واللغات والتاريخ الإسباني؛ كما سيكون ناكرا للواقع من لا يقر بالتأثير الكبير لأنماط عيش، ولغات، ومعمار، وفنون الأندلس وإسبانيا على المتخيل المغربي. ثمة أكثر من أربعة آلاف كلمة في اللغة الإسبانية ذات أصل عربي، حسب علماء اللسانيات، وامتدادات مغربية بشرية وثقافية تكشف عن ذاتها بشتى الوسائل وأشكال التعبير عن استعادة الوعي بهذا التمازج. كما أن لإسبانيا حضور دائم في التاريخ المغربي الحديث والمعاصر، سواء من خلال وجودها الاستعماري الاحتلالي، أو بواسطة التفاعل الكبير للمغاربة مع ثقافات هذا البلد، ولو على صعيد المواكبة الشغوفة لفرق كرة القدم الإسبانية، وانجذابهم إليه بفضل السياحة في العقود الأخيرة.
وعلى الرغم من ذلك، لاحظ الكاتب الكبير خوان غويتيسولو، وبكثير من المرارة، كيف أن نظرة إسبانيا للمغرب يستولي عليها شعور بالتفوق، المُعلَن والمتستر، إزاء جارها “الفقير”؛ إذ ثمة تاريخ مشترك بين البلدين على الرغم من ثقل الماضي والنزاعات على الجغرافيا. يقرُّ الجميع بذلك، وكل طرف يدبر هذا التاريخ ويكتب مصيره بطريقته الخاصة.
صُور المغاربة عن الإسبان
لقد كان المغرب والمغاربة، منذ قرون، موضوع اهتمامات الإسبان من رجال الدين، والعسكر، والفنانين، والباحثين، سواء كخصم ديني وعسكري أو كموضوع للتفكير من طرف المستشرقين وما كانوا يسمون بالأفريقانيين، والمؤرخين، والكتاب، والسياسيين. غالبا ما كان المغاربة موضوعا للانتقاص، والسخرية، ومحاولات نزع الإنسانية عنهم، كما يظهر ذلك في الإنتاج البصري الغزير في شكل رسوم، وكاريكاتور، وصور فوتوغرافية، وأفلام سينمائية، وغيرها. وهو المادة التي اشتغل عليها المؤرخ إلوو مارتين كوراليس E.Martin Corrales في كتابه الضخم بعنوان “صورة المغربي في إسبانيا؛ منظور تاريخي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين” الذي نشر سنة 2002.
وعند الاطلاع على الكتاب حين صدوره، ومعرفة مضامينه والجهد الذي بذله صاحبه لإبراز صور المغربي كما تشكلت طيلة قرون أربعة، وبعد معاينة الغياب شبه التام للدراسات حول صور الإسباني في الإدراك المغربي في مجال البحث والكتابة، قررنا سنة 2004، بمعية الأستاذ ادريس الكراوي إنجاز مؤلف عن هذا الموضوع لا يكتفي بالعودة إلى التاريخ، وإنما بتعزيز ما توفر من نصوص مكتوبة ببحث وطني يشمل جميع جهات المملكة لاستقصاء تصورات ومواقف المغاربة من الإسبان والإسبانيين من طرف عيِّنة تمثيلية. وهو الكتاب الذي صدر بالفرنسية سنة 2005 بعنوان: “صورة إسبانيا في المغرب”، ثم تُرجم إلى الإسبانية سنة 2006؛ وذلك بدعم من مؤسسة سيدوب – Cidob ببرشلونة، وهي مؤسسة تهتم بالعلاقات الدولية والقضايا المرتبطة بالبحر الأبيض المتوسط، وموضوعات دولية متعددة، وكانت تشرف على إصدار التقرير السنوي لوزارة الخارجية الإسبانية، وكان السيد نرسيس سيرا Narcis Serra يرأس مجلس إدارتها في ذلك الوقت. ومعروف أن هذا السياسي الإسباني كان إطارا كبيرا في الحزب الاشتراكي العمالي، سبق له أن كان وزيرا للدفاع سنة 1982، ثم نائبا لرئيس الوزراء فيليب غونزاليس سنة 1991. وقد لبى سيرا دعوتنا لحضور تقديم الكتاب الذي تم بمقر وكالة المغرب العربي للأنباء حين صدور الطبعة الفرنسية سنة 2005.
وتبيَّن لنا، في سياق التحضير للبحث، أنه باستثناء بعض التقارير السفارية التي حررها بعض مبعوثي السلاطين في إطار مهام سياسية ودبلوماسية، أو بعض المذكرات التي تؤرخ لحروب تَواجَه فيها الجيشان المغربي والإسباني، وبعض الكتابات الانطباعية الشخصية عن إسبانيا، فإن المرء يُفاجئ بالنقص المهول في إرادة معرفة المغاربة بهذا البلد الجار، وبندرة الوثائق التي يمكن الاستناد إليها لإبراز صُور الإسباني في المتخيَّل المغربي. يعثر الباحث على بعض الأعمال التأريخية التي ترصد بعض المعارك من منظور “الجهاد”، ولكن أن يجد بيبليوغرافيا من تأليف مغاربة تتخذ من إسبانيا ومن المجتمع الإسباني، وهيئاته، ومكوناته الثقافية، وسلوكاته موضوعا للتفكير فذلك ما كان يصعب إيجادها في ذلك الوقت. واجهنا نقص كبير في مجال البحث عن صورة إسبانيا والإسباني في إدراك المغاربة اعتمادا على معطيات، ووثائق، وصور، وكتابات وافرة؛ على عكس المادة الغزيرة التي اشتغل عليها المؤرخ مارتين كوراليس، مع الوعي بالفارق بحجم ومدى المشروع الذي انخرط فيه؛ علما أن المغرب صار موضوع بحوث دائمة في الجامعات والمؤسسات البحثية الإسبانية. لا شك أن ثمة باحثين مغاربة في التاريخ والأدب اهتموا في العقدين الأخيرين بما أنتجه الإسبان حول الموروس وحول المغربي، لكن عملية جعل الإسباني موضوع تفكير واستقصاء من طرف المغاربة، فهي مبادرة لم تبدأ إلا مؤخرا في بعض الأوساط الجامعية، خصوصا من طرف من يشتغل فيهم بالأدب المقارن وعلم الصور، وأدب الرحلات.
لقد بيَّن مارتين كوراليس كيف أن صور الموروس، والإفريقي، والعربي، والمسلم، والمغربي متجذرة في المتخيل الجماعي الإسباني. لها تاريخ ووثائق عمِلت الكنيسة على حراستها منذ قرون، تستنفرها قوى داخل المجتمع والسياسة كلما اشتعل خلاف مع المغرب، حيث تتحول إلى أحكام جاهزة لها مفعول قوي يعاد إنتاج مكوناتها حسب السياقات، وحرارة المنافسات داخل إسبانيا، وشروط النزاع مع المغرب وخلفياته.
أما نظرة المغربي إلى الإسباني في القرون الأربعة الماضية إلى حدود بدايات القرن العشرين، فقد تَميزت باعتباره يشخص اختلافا دينيًا، وأصدر حكمه عليه انطلاقا من وعيه كمسلم يتصور العالم ينقسم إلى “دار الإسلام”، و”دار الحرب”. ومهما كانت المعاينات التي قد تبدو للمبعوث والسفير، أو لِمن يُحرر تقريره، إيجابية في حياة المجتمع الأوروبي ومظاهره فإنه، مع ذلك، نجده يستعمل صيغا لا تخلو من شتيمة ورغبة في الإلغاء، من مثل صيغة “الإفرنج لعَنهم الله”، و”دمَّرهم الله”، كما كتب ذلك أحمد ابن قاسم الحجري (أفوقاي) في رحلته “ناصر الدين على القوم الكافرين”، وهو من أصول موريسكية، أو محمد ابن عثمان المكناسي في رحلته “الإكسير في فكاك الأسير”، وغيرها من الرحلات السفارية التي كانت إسبانيا وجهتها.
أما صور الإسباني طيلة القرن العشرين فقد أضحت حاضرة، وبقوة، وغدت عنصرا موجودا في المجال الحياتي للمغاربة في الشمال كما في الجنوب، وفي العديد من مدن الوسط. هنا نجد أحكاما من قبيل الإسباني الغازي، المُستعمِر، والمُنافس، المُنهزِم (في حالة معركة أنوال)، الجار المُستفِز، المتغطرس. وعلى العكس من ذلك نعثر على توصيفات من نوع الإسباني المُعدَم، البائس، الفقير (خصوصا لمَّا كان الإسبان، القادمين من أقاليم الأندلس في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، يأتون إلى المغرب جماعات يتجولون في قرى وأحياء المغرب لبيع الثوب وبضائع خفيفة مختلفة)؛ ولكن هذا الإسباني يبقى في نظر المغاربة حتى تلك الفترة إنسانا ودودا، ولطيفا، في الغالب الأعم.
هكذا سعى كتاب “صورة إسبانيا في المغرب” إلى فهم الإدراك المغربي للإسباني في التاريخ الحديث مستندا إلى عدد من الرحلات السفارية، وبعض الكتابات المتفرقة حول الموضوع، ولكننا اعتبرنا أن بحثا استقصائيا كان مطلوبا لاستجماع رؤى، وأحكام تساعد على إبراز طبيعة الحضور الإسباني في الفهم والمجال الهوياتي المغربي.
وقد أظهرت الدراسة أن ثمة فارقًا لافتًا في طبيعة الأحكام المسبقة السلبية وحمولتها وقوتها التي حملها وما يزال يحملها الإسبان عن المغاربة عبر التاريخ المشترك الطويل الذي يجمعهما ويفرقهما؛ بل وجدنا أنفسنا أمام مُفاضلة صعبة تقضي بمعاينة أن إسبانيا، وإن حققت نجاحا في “الانتقال الديمقراطي”، وانخرطت في مسلسل تحديث شامل في الاقتصاد والمجتمع والثقافة، فإن النظرة التي تتحكم في نُخبها وفي شرائح واسعة من مجتمعها ما تزال رهينة نظرات “عتيقة” تستمد مضامينها وأحكامها من القاموس الذي وضعته “حروب الاسترداد” وملابسات المواجهات التي تلتها عن الموروس والمغربي؛ في حين أن نظرة هذا الأخير لإسبانيا وللإسباني، ومن وحي مجموعة كتابات ومن نتائج البحث الميداني، تتميز ب”انفتاح” واضح على الإسباني، واستعداد إيجابي للتفاعل معه ومحاورته، على الرغم من أسباب النزاع القائمة حول مدينتي سبتة ومليلية والجزر المحتلة والصحراء المغربية، ومهما كانت لحظات الانسداد التي تشهدها العلاقات بين البلدين. أنجزت إسبانيا برنامج انضمامها إلى نادي الديمقراطية، وإن اندرجت ضمن الديمقراطيات غير المكتملة، واستدمجت منطق الحداثة في المؤسسات، والاقتصاد، والمعمار، وتنظيم المدينة، والثقافة. في حين أن المغرب ما يزال يتأرجح في تحويل “الاختيار الديمقراطي” إلى مسار عادي، مُحصَّن بتداول سياسي مسترسل، وعلى تراكم مؤسسي إيجابي، وضمن محاسبة موضوعية؛ كما لم يتمكن من إنجاز تجربة تنموية منصفة تقوم على استثمار منتج للشغل والقيمة، كفيلة بإخراج فئات واسعة في المجتمع من الفقر والأمية والحاجة والإحساس بالاستبعاد.
ليس الأمر قضية أحكام وصور مُتخيَّلة فقط
لا تسعف تعبيرات المتخيل الإسباني عن الإفريقي، والعربي، والمسلم، والمغربي على تكوين صور “صحية وواقعية” عن المغرب. ويعود الأمر، في ظني، إلى كون الإسبان ما يزالون لم يحسموا، في العمق، قضية تصورهم الجماعي ل”الأمة الإسبانية”، سواء في فهمهم للماضي بين “إسبانيا المسلمة”، و”إسبانيا المسيحية”، أو في معالجتهم لقضايا الحاضر وما تشكله النزعات الانفصالية من تحدٍّ، وبعنف أحيانا، بخصوص مطالب الاستقلال في كاطالونيا، والباسك، واستمرار المغرب في المطالبة باسترجاع مدنه وثغوره المحتلة.
ولا جدال في أنه سيكون من المبالغة حصر ما حصل في سبتة ومليلية في أواخر يوليوز، وما يحصل من مواجهات وتعبيرات “سوء التفاهم” بين إسبانيا والمغرب في اعتبارات “ثقافية”، أو الاقتصار على تبريره بمخزونات المتخيل الجمعي “العدائي” الإسباني؛ أو الاكتفاء بتفسيره بكون نظرة المغاربة لإسبانيا والإسبانيين ذات طبيعة “براغماتية”. ثمة بالتأكيد اعتبارات من طبيعة ثقافية وسيكولوجية يستلزم استدعاؤها للاقتراب من فهم ما يحدث، والوعي بالخلفيات التي تُحرك خيوط الخلاف وطرق تدبيره؛ لكن ومهما كانت قوة المتخيل ودور المشاعر في إدارة السياسة والنزاع، فإنها تتجاوزها لتشمل التحفظات، بله التضايق الشديد التي يسكن العديد من الأوساط السياسية والاقتصادية الإسبانية على التوجه المتوسطي للمغرب في العقدين الأخيرين، ابتداء من إقرار ميناء طنجة المتوسطي، وإنجاز ميناء الناضور، والمنصات الصناعية للسيارات، والمشاريع المتنوعة القطاعات في هذه المنطقة. فلم يكن النزاع على “جزيرة المعدنوس” سنة 2002 خلافا عاديا أو نزاعا حول صخرة مهجورة ترعى فيها الماعز، وإنما فصل من فصول الانزعاج الإسباني، ذي الخلفية الكولونيالية الممتدة في الزمن، من أي تطلع مغربي إلى الارتقاء بواجهته المتوسطية التي تعرضت للعقوبة والإهمال طيلة عقود من طرف الدولة المغربية ذاتها، وتتعرض للحصار والتضييق من طرف الإسبان باستمرار.
عن نظرة المغاربة للإسبان.. تصور براغماتي في مواجهة مُتخيَّل استبعادي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة عن نظرة المغاربة للإسبان تصور براغماتي في مواجهة م تخي ل استبعادي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عن نظرة المغاربة للإسبان تصور براغماتي في مواجهة م تخي ل استبعادي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عن نظرة المغاربة للإسبان.. تصور براغماتي في مواجهة مُتخيَّل استبعادي.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة الريان ولوسيل في دوري نجوم قطر
- بث مباشر.. شاهد مباراة طرابزون سبور وفيرينكفاروسي وظهور محمد صلاح في الدوري الأوروبي
- بث مباشر.. شاهد مباراة سيون وأياكس في دوري المؤتمر الأوروبي
