في زمن أصبحت الصورة أسرع من الخبر وأقوى أحيانا من التحليل لم تعد المعركة الإعلامية تدور فقط حول نقل ما حدث، وإنما حول الطريقة التي سيُفهم بها. فالوقائع لا تصل إلى الجمهور عارية من المعنى؛ هناك دائما صورة تُختار، وعنوان يُنتقى، وتوقيت للنشر، ثم شبكة من المنابر تعيد إنتاجها حتى تتحول الواقعة إلى سردية.
من هذه الزاوية تستحق الصورة التي ظهرت قبيل موجة الهجرة إلى سبتة، لفتاتين مغربيتين قيل إنهما وصلتا إلى المدينة سباحة، قراءة تتجاوز مجرد تداولها باعتبارها صورة إنسانية لافتة؛ فقد ظهرت إحداهما، التي عُرفت باسم «فرح»، بملابس رياضية ووجه مشرق وابتسامة واسعة، وهي تخرج من البحر وترفع إشارة النصر. ثم انتشرت الصورة على نطاق واسع، قبل أن تتحول سبتة إلى بؤرة اهتمام إعلامي بسبب موجة الهجرة التي عرفتها.
لا يتعلق الأمر هنا بالحكم على حقيقة الصورة أو نفي الواقعة التي توثقها؛ فذلك يحتاج إلى تحقيق ووثائق. المسألة الأهم هي كيف تحولت صورة واحدة إلى رمز، ولماذا اكتسبت هذه القوة في ذلك التوقيت بالذات؟.
الصورة قد تكون حقيقية تماما، لكن طريقة اختيارها وتقديمها وإعادة نشرها تمنحها معنى يتجاوز لحظة التقاطها. وفي حالة «فرح» أصبحت فتاة واحدة تختصر في الوعي البصري قصة أوسع: العبور، الشباب، الوصول إلى الضفة الأخرى، وربما الإيحاء بأن الطريق إلى سبتة مفتوح وممكن. ثم جاءت موجة الهجرة فأصبحت الصورة، بحكم ترتيب الأحداث، جزءا من مقدمة رمزية للمشهد الذي أعقبها.
ليس ضروريا أن تكون هناك جهة رتبت كل ذلك حتى تتشكل سردية. لكن من السذاجة أيضا الاعتقاد بأن السرديات تولد من تلقاء نفسها. هناك من يختار الصورة، ومن يمنحها السبق، ومن يضعها في سياق معين، ثم تأتي وسائل إعلام أكبر فتمنحها انتشارا واسعا. وهكذا يمكن لصورة محلية أن تتحول إلى جزء من رواية دولية.
وهنا تبرز مسؤولية «El Faro»، باعتبارها المنبر الذي خرجت منه الصورة. فمن الصعب اعتبار الصحيفة محايدة في مقاربتها للمغرب، فخطها التحريري خلال السنوات الماضية تضمن عناوين ومواد تقدم المغرب باعتباره طرفا ضاغطا على إسبانيا أو مستخدما للهجرة والحدود في علاقته بها؛ كما اهتمت بأعمال وكتابات ذات خطاب شديد السلبية تجاه المغرب، من بينها ما ارتبط بأسماء مثل سونيا مورينو وخافيير أوتازو ونيكولاس سامبريرو.
هذه ليست ملاحظة هامشية، فالمنبر الإعلامي لا يعمل في فراغ، بل يحمل معه تاريخه التحريري وصورته عن الأطراف التي يغطيها؛ ولذلك فإن التعامل مع كل مادة صادرة عنه باعتبارها نقلا محايدا للواقع أمر غير مقنع. وفي القضايا المرتبطة بالمغرب وسبتة يبدو أن «El Faro» لا تكتفي بنقل الحدث، وإنما تساهم في تشكيل الرواية التي يُقرأ من خلالها الحدث.
ومن هنا يصبح السؤال حول صورة «فرح» أوسع من حقيقة الصورة نفسها: ما الوظيفة التي أدتها داخل هذه الرواية؟ ولماذا أصبحت هي إحدى الصور التي اختزلت بها قصة الهجرة؟.
إنها مسألة تتعلق بطبيعة الإعلام الحديث: قد لا يصنع الإعلام الحدث، لكنه يستطيع أن يصنع صورته الذهنية. وقد لا يكون هو الذي خلق أزمة الهجرة، لكنه يستطيع أن يحدد كيف يراها الجمهور، ومن المسؤول عنها، وما المعنى الذي يمنحها.
وهنا تبرز أيضا مسألة البيئة الاقتصادية للمؤسسة الإعلامية، بما في ذلك العقود التي تحصل عليها من المؤسسات العمومية في سبتة. وجود هذه العقود لا يثبت في حد ذاته شراء المواقف أو توجيه الخط التحريري، لكن الشفافية في مصادر تمويل الإعلام تظل ضرورية، خصوصا عندما تكون المؤسسة حاضرة بقوة في تغطية قضايا سياسية وحدودية حساسة.
لكن القضية في النهاية ليست «El Faro» وحدها، إنها قضية صناعة السردية؛ فالحدث في ذاته شيء، والرواية التي تقدم عنه شيء آخر. وقد تكون الوقائع صحيحة، لكن اختيار بعضها وإبرازها وتهميش بعضها الآخر يمكن أن ينتج صورة ناقصة عن الحقيقة.
وموجة الهجرة إلى سبتة ليست قصة فتاة خرجت من البحر، وراءها آلاف الشباب وأسباب اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية معقدة؛ ولذلك فإن اختزالها في صورة جذابة، أو في مواجهة إعلامية بين المغرب وإسبانيا، لا يساعد بالضرورة على فهمها.
وهنا ينبغي طرح السؤال على هذا النوع من المعالجة الإعلامية: هل تساعد فعلا على فهم ظاهرة الهجرة والبحث عن حلول لها، أم أنها تكتفي بإنتاج صور مثيرة وسرديات تزيد من الاستقطاب؟.
فالصحافة لا ينبغي أن تكون مجرد آلة لإنتاج المشاهد الأكثر انتشارا، وظيفتها الأعمق أن تفسر، وأن تضع الأحداث في سياقها، وأن تساعد المجتمعات على فهم أزماتها.
لذلك فإن قضية «فرح» ليست في النهاية قضية فتاة ولا حتى قضية صورة؛ إنها مثال على القوة التي أصبحت تمتلكها الصورة في صناعة الوعي. وقد تكون الصورة صادقة، لكن ذلك لا يمنع أن تُستخدم داخل سردية أكبر منها.
فمن يصنع الصورة لا يصنع بالضرورة الحدث، لكنه قد يساهم في صناعة المعنى الذي سيبقى منه. ومن يملك صناعة المعنى يملك جزءا من معركة الوعي.
وفي سبتة، كما في غيرها من القضايا التي تمس المغرب، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟ بل ينبغي أيضا أن نسأل: كيف صيغت رواية ما حدث، ومن يملك أدوات صياغتها، ولأية غاية؟.
فالإعلام الجيد لا يكتفي بأن يجعل الحدث مرئيا، بل يساعدنا على فهمه. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين صناعة الخبر وصناعة الوعي.
مدينة سبتة المحتلة بين حقيقة الصورة وقوة السردية.. من يصنع المعنى؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة مدينة سبتة المحتلة بين حقيقة الصورة وقوة السردية من يصنع المعنى
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مدينة سبتة المحتلة بين حقيقة الصورة وقوة السردية من يصنع المعنى قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مدينة سبتة المحتلة بين حقيقة الصورة وقوة السردية.. من يصنع المعنى؟.
في الموقع ايضا :
- وزارة العدل تعلن حرصها على العمل مع هيئات المحامين لتوفير شروط تطبيق قانون المهنة بعد دخوله حيز التنفيذ
- وزارة العدل تعلن دخول قانون مهنة المحاماة حيز التنفيذ باستثناء 3 مقتضيات
- بحضور وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية.. “المشتري الرئيس” توقّع أربع اتفاقيات لمشروعات تخزين الطاقة بتقنية البطاريات بسعة إجمالية 2000 ميجاواط لمدة 4 ساعات