كيف يعيد البيت الأبيض ترتيب أولويات التفوق العسكري بين أعماق البحار والفضاء والذكاء الاصطناعي (الهرم التقني الأمريكي الجديد) ...لبنان

بتوقيت بيروت_ beiruttime - اخبار عربية
كيف يعيد البيت الأبيض ترتيب أولويات التفوق العسكري بين أعماق البحار والفضاء والذكاء الاصطناعي (الهرم التقني الأمريكي الجديد)

أ.د. غادة محمد عامرأستاذ هندسة القوى الكهربائية -كلية الهندسة – جامعة بنهازميل والأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

في 18 من أغسطس 2026، قدّم البيت الأبيض شيئًا لم تشهده واشنطن منذ أكثر من ثلاثة عقود، استراتيجية مستقلة للعلوم والتكنولوجيا موجّهة حصرًا لخدمة الأمن القومي، إذ صدرت آخر وثيقة من هذا النوع في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1995، حين كان الإنترنت لا يزال في مهده والحرب الباردة قد انتهت للتو. أما اليوم، فإن استراتيجية الأمن القومي للعلوم والتكنولوجيا (NSSTS)، الواقعة في 24 صفحة، تأتي في سياق مختلف تمامًا، حيث تقدم عالم يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل موازين القوة، وتتنافس فيه القوى الكبرى على قاع المحيطات كما تتنافس على مدارات الفضاء. وما يجعل هذه الوثيقة جديرة بالتوقف عندها ليس فقط توقيتها، بل بنيتها الفكرية المحكمة؛ فهي لا تكتفي بسرد قائمة من التقنيات “الواعدة” كما تفعل كثير من الوثائق الحكومية، بل تبني هرمًا واضح المعالم من الأولويات، يبدأ من القمة بما هو “حاسم وعاجل”، وينتهي عند القاعدة بتقنيات “قيد المراقبة” لأنها قد تُغيّر قواعد اللعبة كليًا إذا تحقق فيها اختراق غير متوقع.

    سياق الوثيقة: امتداد لاستراتيجية أوسع

    لا تُقرأ استراتيجية العلوم والتكنولوجيا بمعزل عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر 2025، وهي وثيقة أشمل وأقل تركيزًا على التفاصيل التقنية، أشارت بالفعل إلى المجالات الثلاثة ذاتها وهم تحت سطح البحر، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، لكن ضمن قائمة أطول ضمّت الطاقة النووية وغيرها، دون منحها الأولوية الحاسمة التي تمنحها إياها الوثيقة الجديدة. بهذا المعنى، تعمل NSSTS كأداة تفعيل وتفصيل تقني للرؤية الاستراتيجية العامة، وتحديدًا في لحظة يسعى فيها البنتاغون لإعادة التوازن بين برامج التسلح الضخمة التقليدية وموجة الابتكار السريع ومنخفض التكلفة.

    هرم من أربعة مستويات: من العاجل إلى الغامض

    تنظّم الاستراتيجية أولوياتها التقنية في أربعة مستويات متدرجة، تشبه هرمًا تُحدَّد فيه القاعدة بعرض الاحتمالات، وتُحدَّد القمة بضيق العاجل والحاسم. في قمة هذا الهرم تقف ثلاث مجالات وصفتها الوثيقة بأنها “ذات الأولوية لهيمنة الولايات المتحدة على ساحة المعركة وإبراز قوتها”:

    التفوق تحت سطح البحر، عبر الغواصات وقدرات الحرب المضادة للغواصات، وهو مجال تطلب فيه الاستراتيجية تفوقًا تكنولوجيًا واضحًا لا مجرد ميزة نسبية. الفضاء، بمعناه الموسّع الذي يتجاوز “الاكتشاف” إلى “المواجهة”، من المدار الأرضي المنخفض وصولًا إلى الفضاء حول القمر، وهو أيضًا مجال تُطالب فيه الوثيقة بتفوق تكنولوجي واضح. الذكاء الاصطناعي والاستقلالية، الذي تصفه الوثيقة بأنه “مجال سريع التطور” دون تعريف حدوده بدقة كما فعلت مع المجالين الآخرين، واكتفت فيه بوضع جملة ميزة تنافسية بدلًا من التفوق الحاسم، في فارق دلالي يعكس صعوبة الحسم في سباق تقني شديد التسارع.

    يليها في المستوى الثاني ثلاث مجالات حيوية وهم القوة الجوية المدعومة بالتخفي والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي، والضربات بعيدة المدى القادرة على اختراق الدفاعات المتعمقة بسرعة ودقة، ومنظومة C5ISR (القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والفضاء الإلكتروني والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع)، بمعنى عيون وآذان وعقل وجهاز عصبي القوات المسلحة. وتتشابك هذه المجالات الثلاثة عمليًا، فالضربات بعيدة المدى تُنفَّذ غالبًا بمنصات جوية، وتُدار جميعها عبر شبكات C5ISR.

    أما المستوى الثالث فيضم التقنيات التمكينية الرئيسية التي تُشكّل الأساس المادي لكل ما سبق، من التصنيع المتقدم كالطباعة ثلاثية الأبعاد إلى فرط الصوت والطاقة النووية وأشباه الموصلات. وتسرد الوثيقة اثنتي عشرة تقنية في متنها، فيما يمتد ملحقها وهو تحديث لقائمة التقنيات الحرجة والناشئة الرسمية على ثلاث صفحات.

    وفي القاعدة، يأتي المستوى الرابع والأكثر إثارة للجدل تقنيات ناشئة ذات إمكانات تحويلية، قادرة على قلب موازين القوة إذا حدث اختراق مفاجئ لم تكن واشنطن مستعدة له. وتقول الاستراتيجية إن الولايات المتحدة “ستبني مرونة تكنولوجية طويلة الأمد من خلال الريادة في التقنيات الناشئة التي يُحتمل أن تُحدث تحولًا جذريًا”.

    استراتيجية العلوم والتكنولوجيا كإطار حاكم

    يكتسب إطار NSSTS أهميته من كونه أول محاولة أمريكية منذ جيل كامل لتنظيم سباق التفوق التقني ضمن هرمية أولويات واضحة، لا تركه لمنطق السوق أو ضغط اللحظة السياسية. وتقوم الوثيقة على أربع ركائز أساسية وهم المنافسة التقنية، والاستراتيجية للحفاظ على التفوق الأمريكي في المجالات ذات الأولوية، والمرونة التكنولوجية لمنع الخصوم من الوصول إلى الأنظمة الحساسة وسلاسل التوريد الحرجة، وتسريع الابتكار عبر إزالة العوائق التنظيمية وإصلاح التعاقد الدفاعي، وحماية منظومة العلوم والتكنولوجيا القومية عبر تشديد الرقابة على الاستثمارات والكيانات والأفراد الأجانب المرتبطين بالبحث والتطوير، وفي مقدمتهم الصين التي تحضر بوصفها المنافس المركزي عبر متن الوثيقة.

    وماذا يعني هذا للوطن العربي؟

    بعيدًا عن كونها شأنًا أمريكيًا داخليًا، تحمل استراتيجية NSSTS دلالات تستحق تأملًا جادًا من صانعي القرار والباحثين في الوطن العربي. فالوثيقة تُقدّم نموذجًا منهجيًا لبناء سياسة تقنية وطنية مرتبطة بالأمن القومي، تحديد أولويات واضحة بدلًا من تشتيت الموارد على كل تقنية واعدة، والتمييز بين “الحاسم والعاجل” و”قيد المراقبة طويلة الأجل”، وربط الاستثمار في التكنولوجيا المدنية من الحوسبة الكمومية إلى التكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات، بمنظومة الأمن الشامل للدولة. وهذا النموذج يستحق الدراسة في سياقات عربية تسعى بالفعل لبناء استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، كما في دول الخليج ومصر والمغرب، حيث لا تزال الحاجة قائمة لأطر تربط الطموحات التقنية بالأولويات الأمنية والاقتصادية الوطنية.

    كذلك تكشف الوثيقة حجم الفجوة التقنية المتنامية بين القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين تحديدًا وبقية دول العالم، بما فيها الدول العربية، في مجالات كالحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي التوليدي والاستقلالية العسكرية. ومع تسارع هذا السباق، تصبح خيارات التموضع أكثر إلحاحًا، إما الاستثمار في بناء قدرات بحثية وصناعية محلية في مسارات ذات ميزة نسبية، أو الدخول في شراكات تقنية متوازنة تحفظ قدرًا من السيادة الرقمية والأمنية، أو القبول بالتبعية التكنولوجية الكاملة لأحد المعسكرين المتنافسين. كما تُذكّر الوثيقة، عبر تركيزها على أمن ما تحت سطح البحر والفضاء، بأن هذين المجالين يحملان أهمية مباشرة للأمن الإقليمي العربي، من زاوية أمن الممرات المائية الحيوية كباب المندب ومضيق هرمز وقناة السويس، ومن زاوية الاعتماد المتنامي على الأقمار الصناعية في الاتصالات والمراقبة والملاحة. وأخيرًا، فإن التحذير من التقنيات التحويلية غير المؤكدة كالذكاء الاصطناعي العام والتكنولوجيا الحيوية المتقدمة ينطبق بالقدر ذاته على المنطقة العربية، التي تحتاج إلى قدرات استشرافية ومؤسسية لرصد هذه التحولات بدلًا من مفاجأتها بها حين تصبح أمرًا واقعًا.

    (function(d, s, id){ var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)(0); if (d.getElementById(id)) return; js = d.createElement(s); js.id = id; js.src = “//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v2.9”; fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs); }(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

    المصدر الأصلي: defensearabia.com

    تاريخ النشر لدى المصدر: 2026-08-21 16:06:00

    كاتب المصدر: Sami Orfali

    نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.

    مشاهدة كيف يعيد البيت الأبيض ترتيب أولويات التفوق العسكري بين أعماق البحار والفضاء

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ كيف يعيد البيت الأبيض ترتيب أولويات التفوق العسكري بين أعماق البحار والفضاء والذكاء الاصطناعي الهرم التقني الأمريكي الجديد قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، كيف يعيد البيت الأبيض ترتيب أولويات التفوق العسكري بين أعماق البحار والفضاء والذكاء الاصطناعي (الهرم التقني الأمريكي الجديد).

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار