من يطأ أرض مدينة “ابن طيب” بإقليم الدريوش، لا يمكنه إلا أن يقف مشدوها أمام مفارقة عمرانية ونفسية صارخة. ففي هذه الرقعة الجغرافية الهادئة من الريف، تتناسل قصور إسمنتية شاهقة وفيلات فارهة بتصاميم تنافس حواضر أوروبا، لكنها، ويا للمفارقة، تغط في سبات عميق وتوصد نوافذها لأحد عشر شهرا في السنة. إن قراءة هذا المشهد العمراني لا تستقيم بعين الهندسة أو الاقتصاد فحسب، بل تتطلب تفكيكا سيكولوجيا لظاهرة “معمار الغربة”؛ حيث تتحول الجدران إلى لغة صامتة تروي حكايات النجاح، وتعوض ألم الهجرة، وتؤسس لمدينة تعيش على إيقاع “الانتظار”.
المنزل كـ “امتداد نرجسي” وتعويض عن شقاء المهجر
لماذا يستثمر المهاجر المغربي كل مدخراته، وربما يقترض، ليبني قصرا في مسقط رأسه وهو يعلم يقينا أنه لن يسكنه إلا أسابيع معدودة؟ في التحليل النفسي، لا يمثل هذا البناء مجرد بحث عن المأوى، بل هو “امتداد نرجسي” (Extension narcissique) للذات المهاجرة. إن الشاب الذي كابد شقاء الغربة، وعانى من برودة الاندماج أو قسوة العمل في مصانع ومزارع أوروبا، يجد في هذا البناء الضخم تعويضا نفسيا (Compensation) عن كل تلك التضحيات.
هذا القصر الإسمنتي المغلق ليس مجرد جدران، بل هو “نصب تذكاري” يشيده المهاجر ليقول لمجتمعه المحلي: “أنا هنا، لقد نجحت، وهذا حجم تضحياتي”. إنه صرخة إثبات للذات في وجه قسوة الغياب؛ حيث يتحول الإسمنت إلى أداة لانتزاع “الاعتراف” الاجتماعي، وفرض الهيبة في الذاكرة المحلية حتى والجسد غائب وراء البحار.
بالموازاة مع ذلك، يترك هذا “المعمار الصامت” أثرا سيكولوجيا عميقا على الساكنة المحلية التي لم تهاجر. إن التجول في أحياء “ابن طيب” خلال فصلي الخريف والشتاء يشبه السير في “مدينة أشباح” فارهة. هذا التجاور اليومي مع منازل ضخمة ومظلمة يخلق لدى الشاب المحلي حالة من “الصقيع النفسي”؛ فهو يشعر بالتقزم أمام نجاحات مادية استعراضية لأشخاص غائبين.
هذه البيئة العمرانية المفرغة من دفء الحياة اليومية، تعمق إحساس الساكنة بـ “الانتظار”. تصبح المدينة وكأنها مجرد “صالة ترقب” كبيرة؛ لا حياة فيها إلا حين تفتح تلك النوافذ صيفا. هذا الارتهان النفسي لموسم عودة المهاجرين يجعل من التنمية المحلية والمبادرة الذاتية أمرا بالغ الصعوبة، لأن اللاوعي الجمعي تبرمج على أن “الحياة تأتي من الخارج”.
الصيف.. “إنعاش سيكولوجي” عابر
حين يحل فصل الصيف، وتعود قوافل المهاجرين، تخضع مدينة “ابن طيب” لعملية “إنعاش سيكولوجي” مكثف وسريع. تدب الحياة في القصور، تضاء النوافذ، وتزدحم المقاهي والشوارع. لكنه انتعاش عابر يشبه جرعة “دوبامين” مؤقتة، سرعان ما يتلاشى مع نهاية غشت، لتعود المدينة إلى غيبوبتها العمرانية، وتغلق الأبواب من جديد، تاركة وراءها فراغا عاطفيا ومجتمعيا أشد وطأة من سابقه.
ختاما، إن الجدران، مهما بلغت فخامتها، لا تبني وطنا ولا تؤسس لمدينة حية ما لم تسكنها الأرواح. إن أبناء “ابن طيب” في المهجر يحملون حبا دفينا لأرضهم، وهذا الحب هو ما يدفعهم لهذا البناء، لكن المرحلة تتطلب وعيا جديدا يوجه هذا الرأسمال المادي والرمزي نحو بناء “مشاريع حياة” (مدارس، مكتبات، مصانع صغرى، فضاءات حية) بدل الاكتفاء بـ “نصب تذكارية” إسمنتية. فالمدينة الحقيقية هي تلك التي تتنفس طوال العام، وتحتضن أبناءها الحاضرين، لتهيئ حضنا دافئا وحيا للعائدين، لا مجرد جدران باردة تنتظر من يزيل عنها غبار الغياب.
معمار الغربة في "ابن طيب" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة معمار الغربة في ابن طيب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ معمار الغربة في ابن طيب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، معمار الغربة في "ابن طيب".
في الموقع ايضا :
- ماتش الزمالك لايف بث مباشر لمباراة الزمالك والاتحاد السكندري في الدوري المصري
- زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا.. مقاتلة رافال F4 ونظام الدفاع الجوي SAMP/T NG وفرقاطات FREMM على طاولة الشراكة الدفاعية؟
- انفجار مستودع ذخيرة يهز مدينة مصراتة الليبية.. لمن يتبع؟