من التجربة التركية إلى سوريا: لماذا نحتاج برنامجاً وطنياً للموارد البشرية في القطاعات الاستراتيجية؟ ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
من التجربة التركية إلى سوريا: لماذا نحتاج برنامجاً وطنياً للموارد البشرية في القطاعات الاستراتيجية؟

غزوان مصري - ترك برس

إعادة إعمار سوريا لا تبدأ بالإسمنت والحديد، بل بالإنسان القادر على تشغيل المصنع، وإدارة الطاقة، وتطوير التكنولوجيا، وبناء المؤسسات التي تصنع الاقتصاد.

    أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً «برنامج تركيا للموارد البشرية في التكنولوجيا الاستراتيجية»، في خطوة تستحق أن تتوقف عندها الدول التي تفكر في مستقبلها الاقتصادي، وفي مقدمتها سوريا التي تواجه اليوم تحدياً مزدوجاً: إعادة بناء ما تضرر خلال سنوات طويلة، وفي الوقت نفسه عدم التخلف عن الثورة التكنولوجية التي تغير شكل الاقتصاد العالمي بسرعة غير مسبوقة.

    البرنامج التركي ينطلق من فكرة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية: التكنولوجيا لا تُشترى فقط، بل تُبنى بالعقول التي تمتلكها.

    في المرحلة الأولى، ستختار تركيا 550 طالب دكتوراه عبر امتحان مركزي، ليتم تأهيلهم في 20 جامعة بحثية في مجالات استراتيجية، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتقنيات الرقائق وأشباه الموصلات، وأنظمة الحوسبة المتقدمة. والهدف خلال خمس سنوات هو رفد المنظومة العلمية والتكنولوجية التركية بنحو 3 آلاف باحث شاب.

    ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام باعتبارها مجرد برنامج جامعي جديد، وإنما باعتبارها جزءاً من رؤية اقتصادية وصناعية أوسع.

    فتركيا تسأل اليوم: ما التقنيات التي سيحتاج إليها اقتصادنا بعد خمس أو عشر سنوات؟ وما عدد العلماء والمهندسين الذين نحتاج إليهم؟ وفي أي جامعات ومراكز بحثية ينبغي إعدادهم؟ وكيف نحول المعرفة التي ينتجونها إلى صناعة واستثمار ومنتجات ذات قيمة مضافة وقدرة على المنافسة والتصدير؟

    هذه الرؤية تتكامل مع استراتيجية تركيا الصناعية والتكنولوجية حتى عام 2030، التي تضع تطوير رأس المال البشري والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني ضمن أولويات بناء اقتصاد أكثر استقلالاً وقدرة على المنافسة.

    وهنا تحديداً يمكن لسوريا أن تستفيد من التجربة.

    فسوريا تحتاج إلى إعادة إعمار الطرق والمنازل والمصانع ومحطات الكهرباء وشبكات المياه، لكنها تحتاج قبل ذلك وبالتوازي معه إلى إعادة إعمار رأس مالها البشري.

    ومن هنا أقترح إطلاق مشروع وطني تحت عنوان:

    «البرنامج الوطني السوري للموارد البشرية في القطاعات الاستراتيجية 2027–2031»

    لسنا بحاجة إلى نسخ البرنامج التركي حرفياً، لأن احتياجات سوريا تختلف عن احتياجات الاقتصاد التركي. المطلوب هو الاستفادة من فلسفته وتكييفها مع الأولويات السورية.

    فبينما تستطيع تركيا إعطاء أولوية كبيرة للرقائق والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، تحتاج سوريا في مرحلتها الحالية إلى بناء كفاءاتها بالتوازي في نحو عشرة قطاعات استراتيجية: الطاقة والكهرباء، المياه، الزراعة الحديثة، الصناعات الغذائية، الصناعات الدوائية، الهندسة والصناعات التحويلية، تقنيات البناء وإعادة الإعمار، النقل واللوجستيات، الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والأمن السيبراني.

    ويمكن أن يبدأ المشروع باختيار 500 شاب وباحث ومهندس سوري سنوياً لمدة خمس سنوات، أي إعداد ما لا يقل عن 2,500 كفاءة استراتيجية، مع إمكانية الوصول تدريجياً إلى ثلاثة آلاف متخصص.

    لكن النجاح يتطلب ألا يتحول المشروع إلى برنامج ابتعاث تقليدي أو مجرد زيادة في أعداد الشهادات الجامعية.

    ينبغي أن تسبق اختيار المشاركين خريطة وطنية لاحتياجات الموارد البشرية: كم مهندس طاقة تحتاج سوريا خلال خمس سنوات؟ وكم متخصصاً في إدارة المياه؟ وكم خبيراً في الصناعات الدوائية؟ وكم مهندساً في الأتمتة الصناعية؟ وكم متخصصاً في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني؟

    عندها يصبح لكل مقعد دراسي أو بحثي هدف اقتصادي وتنموي محدد.

    ويمكن لتركيا أن تكون شريكاً مهماً في المرحلة الأولى لهذا المشروع، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي وتنامي العلاقات الاقتصادية، وإنما لامتلاكها جامعات ومراكز بحثية ومناطق تكنولوجية وقاعدة صناعية كبيرة، يمكن للباحث والمتدرب السوري من خلالها الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التطبيقية.

    ويمكن بناء تعاون مؤسسي بين الجامعات السورية ونظيراتها التركية يسمح ببرامج الدكتوراه المشتركة، وتبادل الباحثين والأساتذة، والتدريب داخل المصانع ومراكز التكنولوجيا التركية، وإنشاء مختبرات بحثية مشتركة، وربط الباحثين السوريين بالشركات العاملة في القطاعات ذات الأولوية لإعادة الإعمار.

    وهنا نكون أمام انتقال نوعي في العلاقات الاقتصادية السورية–التركية: من تجارة السلع إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء الإنسان.

    وهناك مورد سوري ضخم لا يجوز تجاهله: الكفاءات السورية المنتشرة حول العالم.

    خلال السنوات الماضية، استقر آلاف المهندسين والأطباء والباحثين وأساتذة الجامعات ورواد الأعمال السوريين في تركيا وأوروبا والخليج وأمريكا وغيرها. هؤلاء يجب ألا يُنظر إليهم باعتبارهم خسارة نهائية، بل باعتبارهم رأس مال بشرياً سورياً موزعاً عالمياً.

    لذلك أقترح أن يتضمن البرنامج إنشاء «السجل الوطني للكفاءات السورية في الخارج»، لتحديد تخصصاتهم وخبراتهم ومواقعهم وإمكانية مساهمتهم في عملية إعادة البناء.

    ولا يشترط أن يعود الجميع بصورة دائمة إلى سوريا. يمكن للأستاذ الجامعي أن يشرف على باحثين سوريين من الخارج، وللمهندس أن يشارك في مشروع لعدة أشهر، ولرجل الأعمال أن يمول مختبراً أو برنامجاً تدريبياً، وللباحث أن ينقل تقنية أو يشارك في تأسيس شركة ناشئة.

    إنها فلسفة «تدوير العقول» بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن «استعادة العقول».

    والبرنامج نفسه يجب ألا يكون مشروعاً حكومياً مغلقاً. نجاحه يتطلب نموذجاً تشاركياً يجمع الدولة والجامعات والقطاع الخاص والكفاءات السورية في الخارج، مع إمكانية إشراك المؤسسات التنموية والصناديق الاستثمارية في التمويل.

    كما ينبغي إشراك القطاع الخاص منذ البداية في تحديد احتياجاته المستقبلية من المهندسين والفنيين والمتخصصين، والمساهمة في تمويل جزء من المنح والتدريب والأبحاث، مقابل حصول الاقتصاد لاحقاً على موارد بشرية مؤهلة يحتاج إليها فعلاً.

    اقتصادياً، الاستثمار في الإنسان قد يكون أكثر جدوى من الاستثمار في منشآت ضخمة لا تجد من يديرها بكفاءة. فالمصنع يمكن شراؤه، والآلة يمكن استيرادها، وحتى التكنولوجيا يمكن الحصول على ترخيص لاستخدامها، لكن الدولة التي لا تمتلك المعرفة ستظل تدفع ثمنها للآخرين.

    وهذا أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة التركية.

    فتركيا لم تعد تنظر إلى الموارد البشرية بمعزل عن سياستها الصناعية، بل تربط التعليم والبحث العلمي بالصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والاستقلال الاقتصادي. وفي مجال الذكاء الاصطناعي وحده، وضعت أهدافاً لإعداد 10 آلاف متخصص متقدم و100 ألف محترف في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توسيع الثقافة الرقمية والتكنولوجية في المجتمع.

    وسوريا اليوم أمام فرصة مهمة للاستفادة من هذه الخبرة وهي تعيد بناء مؤسساتها واقتصادها.

    لذلك يمكن أن يتحول «البرنامج الوطني السوري للموارد البشرية في القطاعات الاستراتيجية 2027–2031» إلى أحد المشاريع النوعية للتعاون بين دمشق وأنقرة؛ تحدد سوريا احتياجاتها وأولوياتها الوطنية، وتقدم تركيا جزءاً من الخبرة والبنية الجامعية والتكنولوجية والتدريب الصناعي، بينما يشارك القطاع الخاص في تحويل هذه المعرفة إلى استثمارات ومشاريع وفرص عمل وإنتاج.

    ويمكن بعد خمس سنوات قياس نجاح البرنامج بأرقام واضحة: عدد الباحثين والمتخصصين الذين تم تأهيلهم، ونسبة من عاد منهم أو ارتبط بالمؤسسات السورية، وعدد الأبحاث التي تحولت إلى تطبيقات، وعدد الشركات الناشئة التي خرجت من البرنامج، وحجم الوظائف التي أوجدها، والتكنولوجيا التي تم توطينها، والواردات التي أمكن استبدالها بإنتاج محلي، والصادرات الجديدة التي أنتجتها القطاعات المستفيدة.

    بعد خمس سنوات، لا ينبغي أن نقيس نجاح إعادة إعمار سوريا فقط بعدد الأبنية التي شُيدت، والطرق التي عُبدت، ومحطات الكهرباء التي أُنشئت، والمصانع التي افتُتحت.

    هناك سؤال أكثر أهمية:

    كم عالماً وباحثاً ومهندساً وفنياً ومديراً سورياً جديداً صنعنا خلال تلك السنوات؟

    فالطرق والمصانع والمدن يمكن أن تُبنى بالمال، أما الاقتصاد الذي يستطيع الاستمرار والإنتاج والمنافسة، فلا يبنيه إلا الإنسان.

    ومن يريد لسوريا أن تمتلك اقتصادها غداً، فعليه أن يبدأ اليوم ببناء الإنسان الذي يمتلك المعرفة لإدارته.

    مشاهدة من التجربة التركية إلى سوريا لماذا نحتاج برنامجا وطنيا للموارد البشرية في

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من التجربة التركية إلى سوريا لماذا نحتاج برنامجا وطنيا للموارد البشرية في القطاعات الاستراتيجية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من التجربة التركية إلى سوريا: لماذا نحتاج برنامجاً وطنياً للموارد البشرية في القطاعات الاستراتيجية؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار