في غضون أسابيع قليلة، انتقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي من لغة الوعد والانبهار إلى لغة أقرب إلى القلق المحسوب. لم يعد السؤال المطروح في أروقة المال هو “متى سيغيّر الذكاء الاصطناعي كل شيء؟”، بل صار: “من الذي سيتحمل كلفة هذا التغيير إن تأخرت عوائده؟”. هذا التحول في نبرة النقاش، أكثر من أي رقم بمفرده، هو ما يستحق التوقف عنده.
تشير تقديرات حديثة لبنك “غولدمان ساكس” إلى أن الإنفاق العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يقترب من تريليون دولار خلال هذا العام، بما يعادل ما يقارب 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي وحده. رقم من هذا الحجم لم يعد مجرد مؤشر على حماس تكنولوجي، بل بات متغيرا اقتصاديا كليا قادرا على التأثير في مسار النمو، وأسعار الفائدة، وحتى استقرار سلاسل التوريد الصناعية المرتبطة بالطاقة والرقائق ومراكز البيانات. المشكلة ليست في حجم الإنفاق بذاته، فالثورات التكنولوجية الكبرى -من السكك الحديدية إلى الإنترنت- مرّت جميعها بموجات استثمار ضخمة سبقت نضج نماذجها الاقتصادية. المشكلة تكمن في بنية هذا الإنفاق وفي الأسئلة التي بدأت مؤسسات مالية كبرى، لا مجرد محللين متشائمين، تطرحها علنا.
أكثر ما يثير القلق في تقارير هذا الصيف هو تصاعد ما يُعرف بـ”التمويل الدائري”: شركات تصنيع الرقائق أو مشغلو مراكز البيانات يستحوذون على حصص في شركات الذكاء الاصطناعي، بينما تلتزم هذه الأخيرة بشراء رقائق أو قدرات حوسبية بعقود طويلة الأجل من الجهة نفسها التي تمولها أو تستثمر فيها. بنك التسويات الدولية أشار بوضوح إلى أن هذه الهياكل المعقدة، رغم أنها ليست مشكلة في ذاتها، تعاني من “محدودية الإفصاح” التي تجعل تقييم المخاطر الحقيقية أمرا بالغ الصعوبة على المستثمر العادي وحتى على الجهات الرقابية. وقد أضافت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني -وهي ليست جهة معروفة بالمبالغة- تحذيرا هو الأوضح حتى الآن من نوعه: فقاعة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التوترات التجارية الأمريكية، باتت تهدد الاستقرار الائتماني العالمي. حين تتحدث وكالات التصنيف بهذه اللغة، فإن الإشارة موجهة إلى المقرضين ومديري صناديق التقاعد قبل أن تكون موجهة إلى صغار المتداولين.
المفارقة اللافتة أن قلق الأسواق لم يعد فقط من ندرة القدرة الحاسوبية، بل بدأ يتحول إلى قلق من فائض فيها. تحذيرات صادرة عن شركات كبرى في القطاع نفسه أشارت إلى مخاطر الإفراط في بناء مراكز البيانات، وضعف معدلات استغلال هذه القدرات، وتعاقد بعض العملاء المثقلين بالديون على طاقة حوسبية تفوق قدرتهم الفعلية على السداد. بعبارة أخرى: جزء من الطلب الذي بُنيت عليه توقعات النمو الهائلة قد يكون طلبا مموَّلا بالدين أكثر منه طلبا مدعوما بإيرادات حقيقية ومستدامة. في الوقت نفسه، فإن دخول منافسين جدد -وعلى رأسهم نماذج صينية مفتوحة الأوزان تقترب أداءً من نظيراتها الأمريكية بكلفة تطوير أقل بكثير- يضرب فرضية أساسية كانت تبرر التقييمات المرتفعة لشركات الرقائق: أن التفوق التقني الأمريكي سيبقى حاجزا دفاعيا صعب الاختراق. حين يهتز هذا الحاجز، ولو جزئيا، فإن السوق يعيد تسعير المخاطر بسرعة أكبر من سرعة تكيّف الشركات مع واقع تنافسي جديد.
المقارنة مع فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية مغرية، لكنها تحتاج إلى تدقيق. الفارق الجوهري أن الشركات الكبرى القائدة اليوم في سباق الذكاء الاصطناعي تملك تدفقات نقدية تشغيلية ضخمة وأرباحا فعلية، على عكس كثير من شركات الدوت كوم التي كانت تُقيَّم على أساس الوعد وحده. هذا يجعل احتمال انهيار مفاجئ وشامل أقل ترجيحا من احتمال تصحيح انتقائي: تراجع حاد في تقييمات الشركات الأكثر اعتمادا على التمويل الدائري والديون قصيرة الأجل، مقابل صمود نسبي لدى الفاعلين الأكثر تنوعا في مصادر إيراداتهم. لكن هذا لا ينفي وجود مخاطر نظامية حقيقية. حين تتضخم استثمارات قطاع واحد إلى هذا الحجم من الناتج المحلي الإجمالي، فإن أي خيبة أمل في وتيرة العوائد -ولو كانت خيبة نسبية لا انهيارا كاملا- كافية لإحداث موجة تصحيح تنتقل من أسواق الأسهم إلى أسواق السندات، ثم إلى قرارات الإنفاق الرأسمالي في قطاعات أخرى بعيدة كل البعد عن التكنولوجيا.
لعل السؤال الأهم بالنسبة لنا، من موقعنا في اقتصادات ناشئة كالمغرب والمنطقة العربية، ليس فقط “هل ستنفجر الفقاعة؟”، بل “من سيتحمل كلفة تصحيحها إن حدث؟”. فحين تتراجع تقييمات عمالقة التكنولوجيا في وول ستريت، فإن الأثر لا يبقى محصورا في ناسداك؛ إذ ينعكس عبر قنوات متعددة: تشديد شروط الإقراض العالمي، وتراجع شهية المستثمرين لمخاطر الأسواق الناشئة، وربما تباطؤ في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الموجهة لمشاريع الرقمنة في اقتصادات لا تزال في مرحلة بناء بنيتها التحتية الرقمية. بهذا المعنى، فإن اقتصادات مثل اقتصادنا معنية بمتابعة هذا الملف لا كمتفرج على أخبار وول ستريت، بل كطرف مكشوف على تداعياته: عبر تكلفة الاقتراض السيادي، وعبر مصير برامج الشراكة التكنولوجية التي تُبنى عليها استراتيجيات مثل “المغرب الرقمي 2030″، وعبر أثر أي تباطؤ عالمي في الاستثمار الرقمي على فرص الشغل التي راهنّا عليها كثيرا لاستيعاب طاقات شبابنا.
الذكاء الاصطناعي لن يختفي، وقيمته الاقتصادية الحقيقية لن تتبخر بين عشية وضحاها. لكن السوق التي تُقيّم المستقبل بمنطق اليقين، حين يتبين أن جزءا من هذا اليقين مبني على تمويل دائري وإفصاح منقوص وطلب مدعوم بالدين، لا بد أن تمر بلحظة مراجعة مؤلمة. السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم في المؤسسات المالية العربية وغرف صناعة القرار الاقتصادي ليس “هل نستثمر في الذكاء الاصطناعي؟”، بل “كيف نحصّن أنفسنا من تقلبات فقاعة لسنا نحن من صنعها، لكننا سنكون من أوائل من يشعر بارتداداتها؟”.
– باحث في سلك الدكتوراه وكاتب متخصص في الذكاء الاصطناعي والأسواق المالية
تريليون دولار على حافة الشك Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة تريليون دولار على حافة الشك
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تريليون دولار على حافة الشك قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تريليون دولار على حافة الشك.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة إبسويتش تاون وسندرلاند في الجولة الأولى بالدوري الإنجليزي
- بث مباشر.. شاهد مباراة مانشستر يونايتد ضد هال سيتي في الدوري الإنجليزي
- «التعليم» تتيح للمعلمين مرافقة أطفالهم في الأيام الأولى للدراسة