غرفة سرية و"معتقلات الموت".. نتف من سيرة لحبيب باللوك المنسية ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

عاش المناضل الاتحادي لحبيب باللوك قرابة عام مختبئاً في غرفة سرية بناها بمعونة زوجته في بيته بكلميمة، بعد أحداث مولاي بوعزة في مارس 1973، حين لاحقته السلطات بتهمة المساهمة فيها، وصدر في حقه حكم بالإعدام غيابياً. كانت الغرفة الجديدة تفصل بين عالمين: في الخارج دولة تبحث عنه، وفي الداخل أسرة تحاول أن تتصرف كما لو أن الغائب غائب حقاً، مع أنه قريب إلى حدّ سماع أنفاسه. ولم يكن أحد يدري أن هذه الغرفة الضيقة ستقوده إلى واحد من أكثر القرارات الإنسانية إيلاماً ونبلاً في تاريخ الاعتقال السياسي بالمغرب.

كان أصعب ما في هذا الاختباء أن تضيق الغرفة ويتّسع العالم خارجها من دونك. أن تسمع وقع الأقدام خلف الجدار، فلا تعرف أهي خطوات حميمة ومألوفة أم مقدمة اقتحام لرجال الدرك أو البوليس السري.. هكذا كانت تمرّ الأيام من ثقب صغير على لحبيب باللوك، فيما اسمه يُتداول في الخارج كرجل خطير مطارد ومحكوم بالإعدام.

    ، هناك حيث تبدو الصحراء امتحاناً يومياً للصبر. تعلم الناس منذ الصغر أن الماء والسراب صنوان، فقط أحدهما يطفئ العطش والآخر يشعله، وأن الطريق سر، وأن الكلمة التي يمنحها الرجل للآخرين قد تكون أثقل من وثيقة مكتوبة. لم يكن لحبيب زعيماً معروفاً، ولا خطيباً تصفق له الحشود. لم يترك مؤلفات تنظّر للحرية والخيار الثوري، ولم تكن صورته معلقة في المقرات الحزبية والنقابية. كان تاجراً بسيطاً يقود شاحنته بين كلميمة والمناطق المجاورة، ناقلاً الخضر والسلع. عرف خشونة المقود، وغبار الطرق، وازدحام الأسواق، وتلك العلاقات الصغيرة التي تنشأ بين الناس حين يتقاسمون عناء العيش.

    كان واحداً من أولئك الذين يعبرون الحياة بعيداً عن الضوء، لكنهم يحملون، في صمتهم، صورة مجتمع يعيش على هامش الهامش، ثم اقتحمت السياسة حياته. وجد نفسه وهو المناضل الاتحادي في قلب حركة 3 مارس 1973، إلى جانب باقي أعضاء مجموعة بنونة “أبطالاً بلا مجد”، فأصبح مطارداً يقيس الليل بما يفصله عن المداهمة. اختفت الشاحنة، وغابت الطرق، وانكمش العالم كله داخل غرفة بناها لحبيب بمعونة زوجته داخل بيته، بحيث لا يشعر كل من دخل المنزل بوجود ساكن آخر غير الزوجة والأبناء الصغار.

    كانت ساعات النهار تمرّ ثقيلة، يصمت كيلا تفضحه نأمة أو حركة. وحين يهبط الليل وتخفت العيون، يستعيد شيئاً يسيراً من وجوده: يخرج من مخبئه، يرى زوجته، ويلمس الأشياء التي كانت، قبل المطاردة، عادية إلى درجة أنه لم يكن ينتبه إلى نعمتها. لكن الحياة، حتى وهي محاصرة، وجدت طريقها إلى ذلك البيت.

    حملت زوجته.

    القرار الذي لا تتسع له السياسة

    كان الحمل خبراً حميماً يخص زوجين، لكنه في شروط الاختفاء السري لرجل مطارد من طرف كل أنواع أجهزة الدرك والبوليس السري، صار خطراً يهدد الزوجة وحدها. فالرجل، في أعين الناس، غائب منذ زمن بسبب مشاركته في أحداث مولاي بوعزة وخنيفرة، والمرأة سيظهر حملها، ولن يصدق أحد أن الغائب كان مختبئاً على بعد خطوات منها.

    في مجتمع شديد المحافظة، كان جسد الزوجة مهدداً بأن يتحول إلى موضوع للريبة والإفك، وأن تصبح أمومتها دليلاً ضدها. والحكم الاجتماعي قد يكون أقسى من حكم المحكمة، لأنه لا يحتاج إلى بيّنة ولا يمنح ضحيته حق الدفاع عن نفسها. هنا وجد لحبيب باللوك نفسه أمام اختيارين أحلاهما مر: أن يبقى في مخبئه ويحمي حياته، ويترك للزمن مهمة كشف الحقيقة أو دفنها. وكان يعرف أن خروجه لا يعني سجناً عادياً، فقد كان محكوماً بالإعدام، وفي انتظاره جهاز لا يتورع عن التعذيب والإخفاء. لكنه لم يقبل أن تكون زوجته خط الدفاع الأخير عن نجاته.

    خرج من مخبئه وسلّم نفسه، كيلا تتحمل امرأة أحبها عاراً لم ترتكبه، وكيلا يبدأ طفل حياته محاطاً بسؤال جارح عن نسبه، وكيلا يشتري الأب سلامته من كرامة أسرته. اضطر الرجل إلى وضع حياته في كفة الموت، لهذا سمّاه رفاقه في الزنزانة من مجموعة بنو هاشم “مختطف الشرف”.

    اقتيد لحبيب باللوك إلى المعتقل السري المعروف بـ«الكومبليكس» في الرباط. هناك بدأت عملية محو الإنسان: لا اسم، لا محاكمة، لا أخبار عن الأسرة، ولا يقين بأن الخارج ما زال موجوداً.. أمضى أكثر من سنتين قبل أن يلحق به رفاق آخرون. وخلال تلك المدة، تعرّض لصنوف من التعذيب الجسدي والنفسي. كانوا يربطونه إلى عمود، يعصبون عينيه، ثم يوهمونه بأن لحظة إعدامه قد حانت.

    كان يعيش من خلال هذا الإعدام الوهمي قتلاً يُعاد مرات من دون أن يمنح الضحية راحة الموت. يسمع المعتقل باللوك الحركة من حوله، يتوقع الرصاصة القاتلة، يودّع في لحظات خاطفة كل ما ومن أحب، ثم لا يحدث شيء. يبقى حياً كي يُقتل بالخوف مرة أخرى.

    في كل مرة، لا بد أنه رأى كلميمة من وراء العصابة: الطريق التي كان يعبرها بشاحنته، باب البيت، وجه زوجته، والطفل الذي خرج من مخبئه بسببه ولم يعرف هل وُلد، ولا كيف وُلد، ولا ماذا قيل لأمه.

    كان الجلادون يهددونه بالموت، لكنهم لم يدركوا أن الرجل سبق أن صالح الموت يوم سلّم نفسه. ما كان يعذبه حقاً هو عجزه عن معرفة ما جرى لمن تركهم أحياء خلفه.

    أكدز: مكان يتعفن فيه الأحياء

    في 5 غشت 1977، نُقل لحبيب باللوك رفقة مجموعة بنو هاشم التي تضم شباباً اعتُقلوا عام 1976 وهم صغار في السن (أعمار أغلبهم لا تتجاوز 16 سنة) بشبهة الانتماء إلى منظمات طلابية وتلاميذية يسارية راديكالية “إلى الأمام”. ومن أبرز أفرادها: محمد الرحوي (مؤلف كتاب “مدافن: وقائع اختفاء قسري”)، عبد الرحمان قنسي، مولاي إدريس الحريزي، محمد النضراني الرسام والسينمائي، والإعلامي عبد الناصر بنو هاشم، وثلاثة من عناصر القوات المساعدة وميلود العبدلاوي إلى معتقل أكدز السري. لم يكن أكدز سجناً بالمعنى المألوف، كان مكاناً صُمّم كي تتوقف فيه الحياة من دون أن يقع الموت سريعاً. سوء تغذية، انعدام الشروط الصحية، قسوة الطبيعة بسبب المناخ الصحراوي، أمراض بلا علاج، وعنف لا يحتاج إلى سبب. كان التعذيب فيه نظاماً يومياً لإدارة الأجساد.

    كان لحبيب قد تجاوز الخمسين، وهي سن لا يدخل فيها الجسد معركة الجوع والبرد والمرض بالشراسة نفسها التي يملكها جسد شاب. أخذت العلل تتكاثر داخله، وظل يتحملها بصبر يبدو، من بعيد، بطولة، لكنه في حقيقته كان عذاباً بلا حدود.

    وفي إحدى مفارقات الجغرافيا القاسية، وُضع في نفس الجناح الذي سبق أن احتُجز فيه رفاق من بلدته كلميمة. كان المكان يحتفظ، على نحو ما، بأنفاس الذين مروا منه. سبعة من مجموعة تاكونيت خرجوا أحياء، وسبعة آخرون لم يخرجوا، من بينهم فاظمة أوحرفو وبلقاسم وزان.

    لا بد أن أسماءهم كانت معلقة في هواء جناح السجن. فالمعتقل السري لا يملك قبوراً ظاهرة، لأنه يتحول كله إلى قبر واسع، في الجدران أثر من ماتوا، وفي صمت الأحياء خوف من الالتحاق بهم.

    وسط ذلك الجحيم، كان أنين لحبيب ينتهي بكلمتين: “أولادي… أولادي”! كان المرض في جسده، لكن الألم الحقيقي كان في مكان آخر. لم يكن يعرف ماذا حل بزوجته، ولا بالحمل الذي سلّم نفسه من أجله، ولا بمن يتولى رعاية أبنائه. لقد ضحّى بحريته ليحمي أسرته من الشبهة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن حمايتها من اليتم والفقر والغياب.

    كان أباً حُرم حتى من حق القلق بصورة طبيعية. لا يستطيع إرسال رسالة، أو سماع جواب، أو الاطمئنان إلى أن أبناءه يأكلون وينامون ويذهبون إلى المدرسة. كل ما كان يملكه هو أن يكرر نداءه، كأن الكلمتين تستطيعان اختراق الجدران وعبور الصحراء والوصول إلى البيت: أولادي… أولادي.

    هذه العبارة التي وردت في شهادات رفاقه، كانت المفتاح الأعمق لشخصيته. فالانتماء السياسي يفسر لماذا طورد، لكنه لا يفسر وحده كيف صمد. في قلب المناضل كان هناك أب، وفي قلب الأب بيت بعيد يحاول أن يبقى قائماً. كانت الأسرة نقطة ضعفه، لكنها كانت أيضاً المعنى الذي حماه من التحول إلى رقم في سجل المختفين.

    في 22 أكتوبر 1981، نُقل لحبيب ورفاقه من مجموعة بنو هاشم إلى معتقل قلعة مكونة. كُبّلت أيديهم إلى أرجلهم خلف ظهورهم، وعُصبت أعينهم، وأُلقي بهم على الأرضية المعدنية الباردة لشاحنة عسكرية، في ليلة قارسة، فيما كان الحراس يوزعون الشتائم والركلات.

    ثمة صورة تختصر زمناً كاملاً: رجال مقيّدون، معصوبو العيون، مطروحون فوق معدن بارد، تنقلهم بلادهم من مكان سري إلى آخر. كان لحبيب واحداً منهم، لكنه كان يحمل مفارقة أشد مرارة. فقد خرج ذات يوم من مخبئه دفاعاً عن اسم أسرته، فإذا بالدولة تمحو اسمه من الوجود. أراد أن يعلن أمام المجتمع أنه حاضر، فدفنته السلطة حياً في معتقل هاديسي. سلّم نفسه كي يشهد على حقيقة طفل، فصار هو نفسه حقيقة ممنوعة من الظهور.

    أحد عشر عاماً قضاها معتقلاً خارج القانون، لأن الزمن كان يمر في جسده وحده. كان أبناؤه يكبرون في مكان آخر، بينما يكبر المرض فيه. كانت أعمارهم تُضاف إلى الحياة، وسنواته تُقتطع منها.

    الحرية التي وصلت متأخرة ومريضة

    في فاتح يناير 1985، أُفرج عن لحبيب باللوك رفقة عبد الرحمان القونسي ومحمد النضراني وعبد الناصر بنو هاشم. لكن أبواب المعتقلات السرية لا تُخرج الأشخاص أنفسهم الذين دخلوا منها. الخارج منها يحمل جسداً أعادت صياغته الأمراض، وذاكرة لا تستطيع العودة إلى النوم، وإحساساً بالزمن لا يشبه إحساس الآخرين. خرج لحبيب، لكن أحد عشر عاماً لم تخرج منه. لم يجد مواكبة نفسية تفسح له طريقاً آمناً للعودة إلى الحياة، ولا رعاية صحية تليق بجسد استُهلك في المعتقل.

    عاد إلى أسرته بعد غياب طويل، وكان عليه أن يتعرف من جديد على أطفال كبروا من دونه، وأن يجد لنفسه مكاناً في بيت عاش سنوات على احتمال موته. كان عليه أن يتعلم كيف يكون أباً بعدما سُرقت منه أعمار كاملة من الأبوة، وكيف يكون حراً بعدما صار الخوف جزءاً من ذاكرة الجسد.

    صمد بعد الإفراج سنوات طويلة، لكن الأمراض التي بدأت في المعتقل لم تكن قد وقّعت نهاية عملها. ظل يحملها كوثائق غير مكتوبة تثبت أن التعذيب لا ينتهي حين تتوقف الضربة، إنه يستمر في الأعصاب، في المفاصل، وفي الليالي التي يفزع فيها الناجي من نومه، وفي الشيخوخة التي تأتي أثقل مما ينبغي.

    في فجر الجمعة 22 نونبر 2019، رحل لحبيب باللوك. اختار الموت هذه المرة أن يأتي بلا عصابة على العينين، وبلا عمود، وبلا جلاد يعلن موعداً كاذباً. جاء بعد حياة طويلة قاوم فيها الرجل أكثر من نهاية.

    قد يبدو لحبيب باللوك شخصية هامشية في التاريخ السياسي الكبير: رجل من بلدة بعيدة، بلا منصب، وبلا تمثال. لكن التاريخ الأخلاقي للشعوب لا يكتبه المشاهير وحدهم. تكتبه أيضاً القرارات التي يتخذها أشخاص عاديون لا يراهم أحد. وهنا تكمن فرادة لحبيب في أن أكثر لحظاته حياته بطولة لم تقع أمام رفاق أو جمهور. حدثت داخل بيت صامت، حين أخبرته زوجته بحملها. هناك، في تلك اللحظة المنزلية الحميمة، اتخذ قراراً ستكون كلفته أحد عشر عاماً من الاختفاء والتعذيب والمرض. ويعود الفضل لبروز اسمه إلى أفراد مجموعة بنو هاشم التي وحدها أعادت له الاعتبار ببلاغ يعرفنا بـ”مختطف الشرف” كما لقبته.

    ولم يكن لحبيب عظيماً لأنه احتمل الألم وحده، بل لأنه ظل، في قلب ألمه، مشغولاً بأبنائه. حين كان يردد «أولادي»، كان يتمسك بالجزء الذي عجز المعتقل عن مصادرته منه. استطاعوا أن يمنعوه من رؤيتهم، لكنهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا أبوّته، لأن قلبه ظل ممتلئاً بهم.

    ومع ذلك، لم ينتصر الغياب تماماً.

    بقيت صورة لحبيب في ذاكرة رفاقه: شيخاً مريضاً يتألم ولا ينادي سوى أبناء لا يسمعونه. وبقيت قصة حكايته عن الشرف بمعناه الأسمى شاهدة على لحظة نادرة انتصر فيها الوفاء على غريزة النجاة. رحل لحبيب باللوك، لكن سؤاله ما زال مفتوحاً في ضمير البلاد: من يعيد إلى الإنسان السنوات التي سُرقت منه؟ ومن يعيد إلى الجسد صحته بعدما تعبره آلة التعذيب؟

    لا أحد. ولهذا لا تكون الذاكرة ترفاً، ولا مجرد رثاء للذين رحلوا. الذاكرة هي الحد الأدنى من العدالة حين تصبح استعادة العمر مستحيلة. أما لحبيب باللوك، «مختطف الشرف»، فلم يكن في حاجة إلى ضريح كبير كي يبقى. تكفيه تلك اللحظة التي خرج فيها من غرفته السرية، نظر إلى الحياة التي كان يمكن أن ينجو بها، ثم مضى في الاتجاه الآخر. مضى إلى جلاديه، كي تظل زوجته قادرة على رفع رأسها. وغاب أحد عشر عاماً، كيلا يسقط ظلّ واحد على اسم طفل لم يكن قد أبصر النور بعد.

    هناك، بالضبط، صار لحبيب باللوك أكبر من سيرته.

    غرفة سرية و"معتقلات الموت".. نتف من سيرة لحبيب باللوك المنسية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة غرفة سرية ومعتقلات الموت نتف من سيرة لحبيب باللوك المنسية

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ غرفة سرية و معتقلات الموت نتف من سيرة لحبيب باللوك المنسية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، غرفة سرية و"معتقلات الموت".. نتف من سيرة لحبيب باللوك المنسية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار