يثير مشروع منح الجنسية الإسبانية لفائدة الصحراويين المرتبطين بفترة الإدارة الإسبانية للصحراء أكثر من سؤال، ليس فقط على المستوى القانوني، وإنما أيضا على المستويين التاريخي والسياسي. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تسوية وضعية أفراد أمام الإدارة الإسبانية، وإنما تأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وفي لحظة تعرف فيها قضية الصحراء تحولات عميقة على مستوى المواقف الدولية.
ومن المهم، منذ البداية، توضيح أن الأمر لا يتعلق بمنح تلقائي للجنسية الإسبانية لجميع سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وإنما بمشروع قانون إسباني يستهدف، في صيغته الحالية، فئات مرتبطة بالوجود الإسباني السابق في الصحراء، ولا سيما الأشخاص المولودين هناك خلال فترة الإدارة الإسبانية وأبناءهم. غير أن مجرد طرح هذا المشروع يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز الحالات الفردية إلى طبيعة العلاقة التي تريد إسبانيا إعادة صياغتها مع منطقة كانت تحت إدارتها الاستعمارية.
أول الأسئلة يتعلق بالجانب القانوني. فالصحراويون الذين يعيشون اليوم في الأقاليم الجنوبية مواطنون مغاربة، ويتمتعون بالجنسية المغربية. وإذا كان المشروع الإسباني سيمنحهم طريقا خاصا إلى الجنسية، فإن السؤال هو كيف ستتم معالجة العلاقة بين الجنسية المغربية والجنسية الإسبانية؟ فالقانون الإسباني لا يمنع ازدواج الجنسية بصورة مطلقة، لكنه يضع قواعد وشروطا محددة، ويستثني دولا معينة من شرط التخلي عن الجنسية السابقة، والمغرب ليس ضمن الدول التي يشملها هذا الاستثناء العام.
ومن هنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن لإسبانيا أن تضع مسارا خاصا لفئة من المواطنين المغاربة، بينما تفرض على من يريد الحصول على جنسيتها عبر المسارات العادية شروطا دقيقة تتعلق بالإقامة، واللغة، والمعرفة بالمجتمع الإسباني، والاندماج واحترام النظام القانوني؟ هل نحن أمام استثناء قانوني له مبررات تاريخية أم أمام قاعدة جديدة مرتبطة بفئة معينة وبإقليم معين؟
وإذا كان المبرر هو الماضي الاستعماري الإسباني، فإن هذا المبرر يقودنا مباشرة إلى التاريخ. فإسبانيا لم تكن موجودة في الصحراء فقط، وإنما كانت لها مناطق نفوذ وإدارة في شمال المغرب، كما كانت لها إدارة في إقليم إفني ومناطق أخرى. وإذا كان الانتماء إلى مجال كان خاضعا للإدارة الإسبانية يشكل أساسا لمنح الجنسية بعد مرور عقود، فلماذا لا تنطبق القاعدة نفسها، أو على الأقل المنطق نفسه، على سكان مغاربة آخرين عاشوا تحت الإدارة الإسبانية؟
إن التاريخ الاستعماري لا يمكن أن يتحول إلى انتقاء قانوني: نأخذ منه ما يخدم حالة معينة ونترك الحالات الأخرى. فإذا كانت إسبانيا تعتبر مسؤوليتها التاريخية تجاه سكان الصحراء أساسا لإقرار حق استثنائي في الجنسية، فإن السؤال يصبح مشروعا حول مصير سكان المناطق المغربية الأخرى التي خضعت للإدارة الإسبانية، وحول المعايير التي تحدد من يستحق الاستفادة ومن لا يستحقها.
لكن السؤال الأعمق يتعلق بالتوقيت.
فالمشروع يأتي في مرحلة تغيرت فيها بشكل كبير خريطة المواقف الدولية تجاه قضية الصحراء المغربية. فقد تعزز الاعتراف الدولي بمقترح الحكم الذاتي، وكان الموقف الأمريكي حاسما في هذا الاتجاه، كما تبنّت فرنسا موقفا أكثر وضوحا، ثم انتقلت إسبانيا نفسها منذ مارس 2022 إلى اعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع. وجاء قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025 ليؤكد أهمية المسار السياسي والحل القائم على التوافق، مع إبراز مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للمفاوضات.
فلماذا، في هذه اللحظة تحديدا، تعود إسبانيا إلى الماضي الاستعماري من بوابة الجنسية؟
قد يكون التفسير قانونيا وإنسانيا، وقد يكون مرتبطا برغبة في معالجة وضعيات أشخاص كانوا يحملون وثائق أو روابط قانونية تعود إلى مرحلة الإدارة الإسبانية. لكن حجم القضية وسياقها السياسي يجعلان من الصعب التعامل معها باعتبارها مسألة إدارية محضة. فالجنسية ليست مجرد وثيقة سفر، وإنما رابطة قانونية وسيادية بين الفرد والدولة.
وهنا تبرز مقارنة تاريخية أخرى أكثر إثارة للانتباه، وهي علاقة إسبانيا باليهود السفارديم.
لقد اعتمدت إسبانيا سنة 2015 قانونا خاصا فتح أمام اليهود السفارديم المنحدرين من اليهود الذين عاشوا في إسبانيا قبل طردهم سنة 1492 إمكانية الحصول على الجنسية الإسبانية، وفق شروط وإثباتات محددة. وبذلك تحولت الذاكرة التاريخية، بعد أكثر من خمسة قرون، إلى حق قانوني له نتائج عملية.
ولا يتعلق السؤال هنا بالطعن في حق اليهود السفارديم أو التقليل من أهمية المصالحة التاريخية، وإنما بطرح سؤال موازٍ: لماذا لم تعرف الذاكرة الإسلامية الأندلسية مسارا مماثلا؟
فالمسلمون كانوا يشكلون غالبية المجتمع الأندلسي لقرون طويلة، وتعرضوا بعد سقوط غرناطة لمسار طويل من التنصير القسري ومحاكم التفتيش ثم الطرد النهائي للموريسكيين. ومع ذلك لم تتحول هذه الذاكرة، إلى اليوم، إلى سياسة إسبانية مماثلة تمنح أحفاد المسلمين الأندلسيين وضعا قانونيا خاصا.
وهنا تظهر ازدواجية تحتاج إلى تفسير: إذا كانت إسبانيا قادرة على تحويل مأساة تاريخية تعود إلى نهاية القرن الخامس عشر إلى مسار قانوني لاستعادة الجنسية، فلماذا لا يكون هناك نقاش مماثل حول ملايين الأشخاص المنحدرين من المسلمين الذين عاشوا في الأندلس؟ وإذا كانت المصالحة التاريخية قيمة إسبانية، فلماذا تبدو بعض الذاكرات أكثر حضورا في التشريع من غيرها؟
هذه المقارنة لا تهدف إلى المطالبة بجنسية جماعية للمسلمين، وإنما إلى مساءلة فلسفة التشريع الإسباني نفسه: متى تتحول الذاكرة إلى حق؟ ومن يحدد الذاكرة التي تستحق أن تتحول إلى قاعدة قانونية؟
ثم إن المسألة الصحراوية تحمل خصوصية إضافية. فإسبانيا هي القوة الاستعمارية السابقة التي غادرت الصحراء سنة 1975، وتركت وراءها ملفا لم يحسم نهائيا. ولذلك، فإن العودة اليوم إلى تلك المرحلة من خلال قانون للجنسية تثير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كان الأمر يتعلق فعلا بتصفية آثار الاستعمار أم بإعادة إنتاج علاقة قانونية وسياسية بين إسبانيا وسكان إقليم لم تعد إسبانيا مسؤولة عن إدارته منذ عقود.
وإذا كان الهدف هو معالجة آثار الماضي، فإن المطلوب هو تحديد مفهوم واضح للعدالة التاريخية. فالاستعمار الإسباني لم يكن مقتصرا على الصحراء، وآثاره لم تمس فئة واحدة. ومن غير المنطقي أن تتحول المسؤولية التاريخية إلى أداة انتقائية تُستدعى عندما تخدم سياقا سياسيا معينا.
كما أن منح الجنسية، حتى عندما يتم بصورة فردية، يمكن أن يحمل دلالات تتجاوز الشخص المستفيد. ففي الحالات المرتبطة بالأقاليم المتنازع عليها، تصبح الجنسية جزءا من سؤال أوسع حول الانتماء والهوية والذاكرة والسيادة. ولذلك، فإن المغرب من حقه أن يتساءل عن الخلفيات السياسية لمثل هذا المشروع، خصوصا في ظل التطورات التي عرفتها قضية الصحراء خلال السنوات الأخيرة.
إن القضية، في نهاية المطاف، ليست قضية جواز سفر. إنها قضية ذاكرة وتاريخ وسيادة، وقبل ذلك قضية فهم للدور الذي تريد إسبانيا أن تلعبه في علاقتها بالمغرب وبأقاليمه الجنوبية.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على مدريد ليس فقط: هل يمكن قانونا منح الجنسية لهذه الفئة؟ وإنما: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الفئة تحديدا؟ وما الذي تريد إسبانيا أن تعالجه: آثار استعمار انتهى منذ نصف قرن أم إعادة بناء علاقة خاصة مع جزء من التراب المغربي؟
فإذا كان الأمر يتعلق بالعدالة التاريخية، فإن العدالة ينبغي أن تكون شاملة وغير انتقائية. وإذا كان يتعلق بتسوية وضعيات قانونية، فإن القانون يجب أن يكون واضحا ومتساويا. أما إذا كانت الجنسية تتحول إلى أداة سياسية، فإن من حق المغرب أن يقرأ هذه الخطوة في سياقها الحقيقي، وأن يطرح السؤال الأكبر: هل تعيد إسبانيا اكتشاف ماضيها الاستعماري أم تبحث من خلاله عن دور جديد في حاضر الصحراء؟
الجنسية الإسبانية للصحراويين تفتح أسئلة السياسة والذاكرة الاستعمارية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الجنسية الإسبانية للصحراويين تفتح أسئلة السياسة والذاكرة الاستعمارية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الجنسية الإسبانية للصحراويين تفتح أسئلة السياسة والذاكرة الاستعمارية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الجنسية الإسبانية للصحراويين تفتح أسئلة السياسة والذاكرة الاستعمارية.
في الموقع ايضا :
- وزير الطاقة الأمريكي: رفعنا الإنتاج إلى أعلى مستوى ما جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم
- طلاب جامعة كفر الشيخ تألقوا فى مهرجان «ملهمون الجامعات المصرية ” قادرون باختلاف» بمعهد إعداد القادة بحلوان
- محافظ كفرالشيخ تابع تطوير وتجميل المدخل الشرقي لعاصمة المحافظة وبوابة «محور 30 يونيو» لتعزيز الهوية البصرية