بين حلم الدكتوراه وكلفتها.. موظفون وأجراء يصطدمون برسوم متابعة الدراسة ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

“راتبي لا يسمح لي بتخصيص 20 ألف درهم سنوياً للدكتوراه، من دون أن يأتي ذلك على حساب متطلبات أسرتي واحتياجاتها الأساسية”. عبد الله، مستخدم في قطاع الماء، متزوج وأب لطفلة، ويعيش في منزل بالكراء، فيما تثقل كاهله ديون والتزامات أسرية. وبعد سنوات من العمل، كان يستعد لمواصلة مساره الأكاديمي في سلك الدكتوراه، قبل أن يجد نفسه أمام رسوم متابعة الدراسة، بكلفة سنوية يقول إنها تفوق قدرته المالية.

لم يكن عبد الله يتعامل مع الدكتوراه باعتبارها شهادة إضافية فحسب، بل كان ينظر إليها باعتبارها امتداداً لمسار جامعي بدأه في مدينة فاس، حيث حصل على الإجازة في الشريعة والقانون، قبل أن يواصل دراسته بكلية أصول الدين بتطوان، ويحصل على ماستر في الفكر الإسلامي.

    وتمثل الدكتوراه بالنسبة إليه فرصة لتطوير كفاءته العلمية وفتح آفاق مهنية وأكاديمية جديدة. ويأمل أن يستثمر تكوينه في الشريعة والقانون والفكر الإسلامي بشكل أفضل مستقبلاً، وأن يبني مساراً مهنياً أكثر انسجاماً مع تكوينه العلمي، رغم عمله الحالي في قطاع الماء.

    “الصدمة كانت كبيرة”

    لقد كان يبحث عن الجامعة والتخصص وإمكانية التسجيل، ويستعد للانخراط في مرحلة الدكتوراه، من دون أن يتوقع أن تتحول الكلفة المالية إلى عائق أمام مشروعه.

    يقول عبد الله إنه علم بالأمر تقريباً عند صدوره، وكانت ردة فعله صادمة، لأنه كان قد بنى مشروعه الدراسي على أساس أن التعليم العمومي متاح للجميع، وأن الموظف أو المستخدم الراغب في مواصلة دراسته لا ينبغي أن يجد أمامه رسوماً بهذا الحجم.

    لكن الكلفة لا تنفصل، بالنسبة إلى عبد الله، عن وضعه الأسري والمالي. فهو متزوج وأب لطفلة، ولديه التزامات أسرية ومسؤوليات يومية، كما يقول إن عليه ديوناً ويكتري البيت الذي يعيش فيه.

    وفي ظل هذه الالتزامات، يرى أن تخصيص 20 ألف درهم سنوياً للدكتوراه سيؤثر مباشرة في متطلبات أسرته واحتياجاتها الأساسية.

    “لذلك فالرسوم بالنسبة لي ليست مجرد مبلغ إضافي، وإنما عائق حقيقي يمكن أن يمنعني من مواصلة الدراسة”، يضيف المتحدث ذاته.

    “فكرة التوقف مؤلمة”

    بالنسبة إلى عبد الله، لا يتعلق الأمر بمصاريف إضافية يمكن إدراجها بسهولة ضمن ميزانية الأسرة، وإنما بمبلغ قد يفرض عليه إعادة النظر في مشروعه الدراسي برمته.

    هو متزوج وأب لطفلة، ويقول إن عليه ديوناً، كما يكتري البيت الذي يسكنه. ومع هذه الالتزامات، يرى أن تخصيص 20 ألف درهم سنوياً للدكتوراه ليس أمراً بسيطاً، لأن ذلك سيؤثر مباشرة في المصاريف الأساسية لأسرته.

    “بصراحة، فكرة التوقف مؤلمة، لأنني وصلت إلى هذه المرحلة بعد سنوات من الدراسة والعمل، ولم أعد إلى الجامعة من أجل الحصول على امتياز أو رفاهية، وإنما من أجل تحقيق طموح علمي اشتغلت عليه لسنوات”، يقول عبد الله.

    كان عبد الله يأمل أن تساعده الدكتوراه على تطوير كفاءته العلمية، وفتح آفاق مهنية وأكاديمية جديدة. ويعمل اليوم في قطاع الماء، لكنه يحمل تكويناً جامعياً في الشريعة والقانون والفكر الإسلامي، ويطمح إلى استثمار هذا التكوين بشكل أفضل في المستقبل.

    ويجد نفسه اليوم أمام مبلغ سنوي يفرض عليه التفكير في قدرته على التوفيق بين الدراسة ومسؤولياته الأسرية.

    ويقول: “لكن عندما أجد نفسي أمام 20 ألف درهم في السنة، أطرح سؤالاً بسيطاً: كيف يمكن لمستخدم أو موظف محدود الدخل أن يتحمل هذا المبلغ إلى جانب مسؤولياته الأسرية؟”

    وفي حال أراد الاستمرار، يتمنى عبد الله أن توجد حلول تتيح لمن لا تسمح لهم أوضاعهم المالية بتحمل رسوم متابعة الدراسة.

    “إذا أردت الاستمرار، فأنا أتمنى أن توجد حلول تحفظ حقي في مواصلة الدراسة، وعلى رأسها الإبقاء على مجانية التعليم العمومي بالنسبة لمن لا يستطيع تحمل هذه الرسوم، أو على الأقل وضع آليات عادلة للإعفاء والمساعدة”، يقول المتحدث.

    الرتبة الأولى لا تعفي من رسوم متابعة الدراسة

    لا يقتصر النقاش حول رسوم متابعة الدراسة للموظفين والأجراء على سلك الدكتوراه. فالحسين الحوته، الموظف العمومي وأستاذ مادة الفلسفة، وجد نفسه أمام الكلفة نفسها في سلك الماستر.

    بدأ الحوته مساره الجامعي سنة 2005، وتخرج سنة 2009، ويستحضر تلك المرحلة باعتبارها فترة لم يكن فيها أداء الرسوم شرطاً لمتابعة الدراسة.

    “كانت الجامعة فعلاً مفتوحة في وجه جميع الشباب وكل من يريد متابعة الدراسة بشكل عام”، يقول الحسين. بالنسبة إليه، كانت الجامعة مدرسة للتكوين والتأطير. ولذلك ظل يعتبر مواصلة الدراسة جزءاً من مشروعه المهني والشخصي، حتى بعد ولوجه الوظيفة العمومية.

    خلال السنة الماضية، بدأ إجراءات متابعة الماستر، وتقدم إلى مساره الدراسي، قبل أن يصطدم بفرض رسوم متابعة الدراسة.

    ويقول الحوته إنه كان من بين المترشحين الذين حصلوا على الرتبة الأولى في سلك الماستر، غير أن هذا التفوق الأكاديمي لم يكن كافياً، في نظره، لتجاوز شرط الرسوم. فالمفاضلة أصبحت، بحسبه، “بين اختيار توقيت ميسر مقابل أداء الرسوم، أو الانسحاب من الدراسة”.

    ويقول إن الرسوم المطلوبة لمتابعة الماستر تبلغ 15 ألف درهم سنوياً، ما يعني، وفق حسابه، 30 ألف درهم خلال سنتين من الدراسة.

    بالنسبة إلى موظف لديه أسرة والتزامات مالية، لا يبدو الرقم بسيطاً.

    الحوته متزوج وأب لطفلين، ويقول إنه يتحمل قرضاً للسكن، إلى جانب مصاريف والتزامات أخرى. لذلك فإن تخصيص جزء كبير من دخله لتغطية رسوم الدراسة سيأتي، بحسبه، على حساب احتياجات أخرى.

    “إذا كانت لدي رغبة في متابعة الدراسة، فإن هذه الرغبة، في ظل هذا القرار المجحف، تفرض عليك، وكأنني أقول: “خصك دير واحد السياسة ديال التقشف” لكي تتابع الدراسة”، يضيف الحسين.

    عبء رسوم متابعة الدراسة

    ما يجمع عبد الله والحسين ليس فقط الرغبة في الحصول على شهادة أعلى، وإنما محاولة الجمع بين الدراسة والعمل والحياة الأسرية في الوقت نفسه.

    عبد الله يعمل في قطاع الماء، والحسين يشتغل أستاذاً للفلسفة. وكلاهما اختار مواصلة التكوين الجامعي رغم أن لكل واحد منهما التزامات مهنية وأسرية.

    في هذه الحالة، لا تصبح كلفة الدراسة منفصلة عن بقية نفقات الحياة. فالموظف أو الأجير لا يدفع الرسوم من دخل مخصص للتعليم، وإنما من راتب يوجه في الوقت نفسه إلى السكن، والنقل، ومصاريف الأسرة، وتعليم الأبناء، والصحة، وباقي الاحتياجات اليومية.

    وهنا تحديداً يرى المعنيان أن النقاش حول رسوم متابعة الدراسة للموظفين والأجراء لا يتعلق فقط بقيمة المبلغ، وإنما بمن يستطيع أداءه ومن قد يجد نفسه مضطراً إلى التخلي عن الدراسة بسبب عدم القدرة على تحمله.

    عبد الله، الذي يحتاج إلى 20 ألف درهم سنوياً، يرى أن الكلفة قد تمنع مستخدماً محدود الدخل من إكمال الدكتوراه، حتى لو كان مستوفياً للشروط العلمية. والحسين يجد نفسه أمام 15 ألف درهم سنوياً في الماستر، بعد أن حصل على الرتبة الأولى بين المترشحين.

    من يستفيد من فرصة مواصلة الدراسة؟

    بالنسبة إلى عبد الله، السؤال يتجاوز حالته الشخصية. يقول: “عندما تصبح مواصلة هذا الحلم مرتبطة بالقدرة على دفع 20 ألف درهم سنوياً، أشعر أن هناك فئة من الناس يمكن أن تُقصى من التعليم العالي ليس بسبب ضعف مستواها أو عدم رغبتها في الدراسة، وإنما بسبب وضعها المادي”.

    فالموظفون والأجراء ليسوا فئة متجانسة من حيث الأجور والالتزامات. وبين من يستطيع تخصيص عشرات الآلاف من الدراهم لتغطية رسوم دراسية إضافية، ومن يعيش بدخل محدود ويعيل أسرة، يمكن أن يتحول المبلغ نفسه إلى عبء متفاوت بشكل كبير.

    وهذا ما يجعل عبد الله يرى أن معالجة المسألة لا ينبغي أن تقتصر على فرض الرسوم أو تحديد قيمتها، وإنما يجب أن تراعي القدرة على الأداء، وأن تتضمن، بحسب رأيه، آليات عادلة للإعفاء والمساعدة لمن لا يستطيع تحمل الكلفة.

    أما الحسين فيعتبر أن فرض رسوم متابعة الدراسة “يمس مبدأ إتاحة التعليم العمومي”. ويستحضر في هذا السياق الفصل 31 من الدستور، الذي يقول إنه ينص على استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في التعليم العمومي.

    ويعتبر أن القرار كان ينبغي، قبل اعتماده، أن يخضع لنقاش أوسع يراعي أوضاع الفئات المعنية، بدل أن يجد الموظفون والأجراء أنفسهم أمام كلفة جديدة لم تكن جزءاً من حساباتهم عندما قرروا مواصلة الدراسة.

    بين الطموح العلمي والقدرة على الأداء

    لم يفكر الحسين، كما يقول، في التخلي نهائياً عن الدراسة. فهو يرى في متابعة التكوين وسيلة لتطوير نفسه والمساهمة بشكل أفضل في المؤسسة التي يعمل فيها، كما يعتبر أن تكوين الموظف أو الإطار يعود بالنفع أيضاً على المنظومة التي يشتغل داخلها.

    “تكوين الإطار ليس بالأمر السهل فعلاً”، يقول، معتبراً أن استثمار الموظف في تكوينه الأكاديمي يمكن أن ينعكس على أدائه المهني وعلى المؤسسة التي يعمل فيها.

    وكذلك عبد الله يجد نفسه أمام خيار صعب. فهو يريد الاستمرار، لكنه لا يعرف كيف يمكنه تدبير 20 ألف درهم سنوياً إلى جانب ديونه وكرائه ومسؤولياته تجاه أسرته. وبينما لا يزال متمسكاً بطموحه، يأمل في إيجاد حلول تتيح له ولغيره من الموظفين والأجراء استكمال دراستهم.

    بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر فقط بكلفة سنة جامعية واحدة، وإنما باحتمال أن يصبح الوضع المالي عاملاً يحدد ما إذا كان سيصل إلى نهاية الطريق أم لا.

    “ماذا يقول القانون عن التكوين المؤدى عنه؟”

    خلف هذا الجدل الاجتماعي يوجد تحول قانوني مهم. فقد دخل القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية في 23 فبراير 2026، لينسخ القانون السابق رقم 01.00.

    وتنص المادة 81 منه على أن مؤسسات التعليم العالي يمكنها تنظيم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في “توقيت ميسر”، إلى جانب التكوين المستمر، على أن تنظم التكوينات الأساسية المعتمدة بهذا التوقيت لفائدة العاملين في القطاعين العام والخاص وكل الأشخاص الراغبين في ذلك.

    وهذه النقطة هي أساس الجدل الحالي، لأن النص منح الجامعات سنداً تشريعياً لتنظيم تكوين أساسي مؤدى عنه في صيغة التوقيت الميسر. غير أن المادة لا تحدد في حد ذاتها قيمة الرسوم، كما أن صياغتها لا تقول صراحة إن كل موظف أو أجير ملزم، لمجرد كونه موظفاً أو أجيراً، بأداء رسوم أو بالانتقال إلى التوقيت الميسر. وهو ما أصبح موضوع قراءات قانونية متباينة.

    ويذهب اتجاه من الأساتذة والباحثين إلى أن المادة 81 أقرت صيغة اختيارية مدفوعة، ولا تعني تحويل التوقيت الميسر إلى مسار إجباري لفئة مهنية بعينها، بينما يرى اتجاه آخر أن النص الجديد أوجد أساساً قانونياً واضحاً لهذا النوع من التكوين المؤدى عنه.

    من يتحمل رسوم متابعة الدراسة؟

    على مستوى التطبيق، يستهدف التوقيت الميسر أساساً العاملين الذين تمنعهم التزاماتهم المهنية من متابعة الدراسة في التوقيت العادي، ولا سيما الموظفين والأجراء وأصحاب المهن الحرة.

    لكن المادة 81 نفسها أوسع من ذلك، إذ تتحدث عن العاملين في القطاعين العام والخاص و”كل الأشخاص الراغبين في ذلك”، وهو ما يثير بدوره أسئلة حول حدود الفئة المعنية وكيفية تحديد المستفيدين من التكوين المؤدى عنه.

    وفي المقابل، يؤكد منتدى رؤساء الجامعات على أن التكوين بالتوقيت الميسر يخص فئة تمارس نشاطاً مهنياً وترغب في استكمال مسارها الجامعي إلى جانب التزاماتها العملية، وأن التكوين العادي يظل مجانياً بالنسبة إلى الطلبة الذين يتابعونه في التوقيت العادي.

    كم تبلغ كلفة متابعة الدراسة؟؟

    مع اقتراب الموسم الجامعي 2026-2027، اتجهت الجامعات المغربية إلى اعتماد رسوم موحدة للتكوين بالتوقيت الميسر، تبلغ 5 آلاف درهم سنوياً في سلك الإجازة، و15 ألف درهم بالنسبة إلى الماستر، و20 ألف درهم سنوياً بالنسبة إلى الدكتوراه خلال السنوات الأربع الأولى. كما حُددت الرسوم بالنسبة إلى الباشلور في 18 ألف درهم سنوياً.

    وبهذه التعريفة، تصل كلفة الماستر إلى 30 ألف درهم على امتداد سنتين، فيما يمكن أن تصل كلفة الدكتوراه إلى 80 ألف درهم خلال السنوات الأربع الأولى.

    وهذا الرقم تحديداً هو الذي يفسر جزءاً من القلق الذي يعبر عنه عبد الله، بعدما قال إن راتبه لا يسمح له بتخصيص 20 ألف درهم كل سنة للدكتوراه من دون المساس باحتياجات أسرته.

    وفي المقابل، كان وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين ميداوي قد أعلن دعمه لتوجه توحيد رسوم الدكتوراه في 20 ألف درهم سنوياً خلال السنوات الأربع الأولى، في انتظار اعتمادها من مجالس الجامعات، باعتبارها الهيئات التداولية داخل المؤسسات الجامعية.

    لماذا فُرضت الرسوم؟

    بحسب الجامعات ووزارة التعليم العالي، فإن التكوين بالتوقيت الميسر يتم خارج ساعات الدراسة والعمل المعتادة، بما يستلزم تعبئة موارد بشرية ولوجستية إضافية. وتشمل العملية تشغيل مرافق الجامعة وتوفير التأطير الإداري والبيداغوجي خلال فترات مسائية أو في عطلة نهاية الأسبوع.

    وفي ما يخص الدكتوراه تحديداً، يقول منتدى رؤساء الجامعات إن طبيعة التكوين، القائمة أساساً على البحث العلمي والتأطير، تستلزم تعبئة الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية، إضافة إلى مختبرات البحث ومرافق الجامعة وتجهيزاتها.

    وبحسب المنتدى، يوجه 40 في المائة من مداخيل رسوم الدكتوراه إلى ميزانية التسيير أو الاستثمار، بينما تخصص نسبة 60 في المائة لدعم البحث العلمي وتعويض الأساتذة الباحثين، بعد استكمال عمليات التتبع والتأطير والمواكبة ومناقشة الأطروحات.

    وتعتبر رسوم متابعة الدراسة للموظفين والأجراء مقابلاً للتوقيت الميسر وما يستلزمه من تعبئة لموارد بشرية ولوجستية خارج أوقات العمل المعتادة، لا مقابلاً عن مجرد كون المستفيد موظفاً أو أجيراً.

    لكن المعترضين على القرار يطرحون سؤالاً آخر: إذا كان الموظف أو الأجير يستفيد من التكوين الأساسي نفسه، فلماذا تصبح قدرته على الولوج إليه مرتبطة بقدرته على دفع رسوم إضافية لمجرد أنه يحتاج إلى توقيت يتلاءم مع عمله؟

    هل توجد إعفاءات؟

    المسألة لا تخلو من بعد اجتماعي. فقد سبق لندوة رؤساء الجامعات أن أقرت، في دجنبر 2025، إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الحد الأدنى للأجور من واجبات التسجيل الخاصة بالتكوين بالتوقيت الميسر. وأعاد منتدى رؤساء الجامعات التذكير بهذا المبدأ في بلاغه الأخير، مع الإشارة إلى إمكانية الأخذ بالحالات الاجتماعية الخاصة وتوفير تسهيلات في الأداء.

    ويعني ذلك أن الرسوم ليست موجهة بالصيغة نفسها إلى جميع الموظفين والأجراء، غير أن النقاش ما زال قائماً حول كيفية تنزيل الإعفاءات وشروط الاستفادة منها، خصوصاً بالنسبة إلى فئات تتجاوز مداخيلها الحد الأدنى للأجور لكنها تواجه في الوقت نفسه التزامات أسرية ومالية ثقيلة.

    من القضاء إلى القانون الجديد

    ولم يبدأ الجدل القانوني حول هذه الرسوم مع القانون 59.24. فقد سبق للمحاكم المغربية أن نظرت في قرارات جامعية بفرض رسوم على موظفين وأجراء يرغبون في متابعة الدكتوراه بالتوقيت الميسر.

    وفي دجنبر 2025 أصدرت المحكمة الإدارية بوجدة حكماً بإلغاء قرار لجامعة محمد الأول فرض 15 ألف درهم سنوياً على طلبة موظفين وأجراء، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الإدارية بفاس الحكم الابتدائي في 31 مارس 2026، وتقضي برفض طلب الإلغاء.

    كما عاد النقاش القضائي إلى الواجهة مع أحكام وقرارات أخرى مرتبطة برسوم التكوين في جامعات مختلفة، فيما أصبح القانون 59.24 نقطة التحول الأبرز، بعدما نصت مادته 81 صراحة على إمكانية تنظيم تكوين أساسي مؤدى عنه في التوقيت الميسر.

    وهكذا لم يعد الخلاف يدور فقط حول ما إذا كانت الجامعة تستطيع فرض رسوم، وإنما أيضاً حول حدود هذا الحق، وطبيعة التوقيت الميسر، وما إذا كان الموظف أو الأجير مخيراً بين صيغة مدفوعة وأخرى عادية، أم أن وضعه المهني قد يدفعه عملياً إلى الصيغة المؤدى عنها.

    الاحتجاجات تتسع

    انتقل الجدل من البيانات والقراءات القانونية إلى الاحتجاج الميداني مع اقتراب الدخول الجامعي الجديد. فقد تأسست “التنسيقية الوطنية للموظفين والأجراء المفروض عليهم التوقيت الميسر”، في خطوة هدفت إلى توحيد المواقف الرافضة للرسوم، والمطالبة بإلغاء إجبارية نظام التوقيت الميسر المؤدى عنه، وإنصاف من يقولون إنهم تعرضوا للضغط بسبب رفضه.

    وطالبت التنسيقية بإدراج الملف ضمن الحوار الاجتماعي، ودعت النقابات والهيئات الحقوقية والسياسية إلى دعمه، معتبرة أن الرسوم المفروضة على الموظفين والأجراء تحول مواصلة الدراسة إلى مسألة مرتبطة بالقدرة على الأداء.

    وتوسعت دائرة الرفض النقابي، إذ دعت عدة تنظيمات إلى المشاركة في وقفة احتجاجية وطنية أمام البرلمان في الرباط يوم الأحد 23 غشت 2026، دفاعاً عن مجانية التعليم العمومي وتكافؤ الفرص والحق في التعلم والتكوين مدى الحياة.

    كما أعلنت نقابة المتصرفين التربويين والمنظمة الديمقراطية للشغل مشاركتهما في الدعوة إلى الاحتجاج، معتبرتين أن فرض الرسوم على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم يمثل، من وجهة نظرهما، مساساً بحقوقهم في التكوين وتراجعاً عن مكتسبات سابقة.

    وبذلك، لم يعد الخلاف محصوراً في قيمة الرسوم، بل امتد إلى سؤال طبيعة الجامعة العمومية نفسها: هل التوقيت الميسر خدمة إضافية تستوجب مساهمة مالية من المستفيدين، أم أنه وسيلة لتيسير الحق في التكوين أمام أشخاص تمنعهم ظروف العمل من الدراسة في التوقيت العادي؟

    “مقدمة لتسليع التعليم العمومي”

    وفي خضم هذا الرفض النقابي، يعتبر يونس فيراشن، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن فرض الرسوم على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم وتكوينهم بالجامعات العمومية يمثل “مقدمة لتسليع التعليم العمومي وضرب مجانية التعليم”.

    وقال فيراشن، في حديث مع “صوت المغرب”، إن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ترفض مبدئياً “أن يتم تسليع الخدمات العمومية بشكل عام، وعلى رأسها قطاع التعليم”، معتبراً أن الرسوم الجديدة تنقل الاستفادة من التعليم، بحسب رأيه، من معايير مرتبطة بالاستحقاق والكفاءة والاعتبارات العلمية إلى معيار القدرة على أداء المقابل المالي.

    وقال: “إنها محاولة لتحويل هذا القطاع من منطق الاستحقاق، والكفاءة، والاعتبارات العلمية، إلى معيار القدرة على أداء الرسوم، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً بالنسبة لكل الفئات، سواء كانوا موظفين أو أجراء أو غيرهم”.

    ويربط فيراشن هذا الموقف بما يعتبره تناقضاً بين السياسة الحكومية وشعار “الدولة الاجتماعية” الذي ترفعه، معتبراً أن فرض الرسوم “يتناقض كلياً مع شعار الدولة الاجتماعية الذي ترفعه الحكومة”. ويذهب إلى أن هذه الخطوة تعني، من وجهة نظره، أن الحكومة “أنهت ولايتها بضرب مجانية التعليم”.

    “مبررات واهية”

    ورفض الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم المبررات المقدمة لتفسير فرض الرسوم، ولا سيما ما يتعلق بتغطية كلفة التعليم العالي والبحث العلمي، معتبراً إياها “واهية”.

    وقال إن الحكومة لم تتولَّ، بحسبه، تقديم هذه التبريرات بشكل مباشر، وإنما جرى التعبير عنها من طرف رؤساء الجامعات، منتقداً في الوقت نفسه حديث هؤلاء عن “تسييس الملف”.

    وأضاف: “على الرغم من أن رؤساء الجامعات يتحدثون في بلاغ ندوة الرؤساء عن تسييس الملف، إلا أن الواقع يثبت أن أول من يسيس هذا الملف هم رؤساء الجامعات أنفسهم”.

    ويعتبر فيراشن أن دور رئيس الجامعة “دور علمي ومعرفي محض وليس ممارسة السياسة”، وأن القرار، في نهاية المطاف، “قرار سياسي للحكومة”، ولذلك كان يفترض أن تتحمل الحكومة مسؤوليته وأن “تخرج بشكل مباشر لتبريره والدفاع عنه”.

    أما بشأن تبرير تمويل البحث العلمي، فيطرح فيراشن سؤالاً يعتبره جوهرياً: “أما بخصوص المبرر القائل بـ’تمويل البحث العلمي’، فهل يعقل أن ترجع الدولة الآن إلى جيوب المواطنين لتمويل البحث العلمي؟”.

    ويضيف أن تمويل البحث العلمي “يقع في صميم المهام السيادية للدول”، ويجب أن يتم، في نظره، “بالكامل من المال العام وليس من جيوب الموظفين والأجراء”.

    “هل يستطيع الموظف توفير 2000 درهم شهرياً؟”

    ولا يفصل الموقف النقابي بين مبدأ رفض الرسوم وقيمتها المالية. ففيراشن يعتبر أن الكلفة المطروحة تشكل عبئاً على الموظفين والأجراء في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ويتساءل: “ثم هل تعتقد هذه الحكومة أن الموظف قادر على توفير 2000 درهم شهرياً؟”.

    ويرى أن الموظف الذي يرغب في متابعة دراسته وتطوير معارفه العلمية، وهي معارف يمكن أن تستفيد منها الإدارة أو المقاولة التي يعمل فيها، سيجد صعوبة في تحمل هذه الكلفة “في ظل هذا الغلاء الفاحش وتدهور القدرة الشرائية”.

    وبذلك يضيف الموقف النقابي بعداً آخر إلى الجدل: فحتى إذا اعتُبرت الرسوم مساهمة في كلفة التكوين بالتوقيت الميسر، فإن السؤال يبقى مطروحاً حول قدرة الموظفين والأجراء على تحملها، وحول ما إذا كان الاستثمار في تطوير مؤهلاتهم العلمية والمهنية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منفعة فردية فقط، أم استثماراً يعود أيضاً على الإدارات والمؤسسات والمقاولات التي يعملون بها.

    حين تعود الرسوم إلى ميزانية الأسرة

    في هذه القضية، تظهر الرسوم الجامعية في صورة مختلفة عن الرقم المجرد الوارد في قرار أو نظام للتسجيل. إنها 20 ألف درهم في ميزانية أسرة لديها كراء وديون وطفلة، و15 ألف درهم في ميزانية موظف لديه زوجة وطفلان وقرض سكن.

    وهي أيضاً ساعات عمل تسبق الدراسة وتليها، ومشروع مهني يريد صاحبه تطويره، ومسار أكاديمي استثمر فيه سنوات من حياته.

    لهذا، فإن السؤال الذي تطرحه تجربة كل من عبد الله والحسين لا يتعلق فقط بما إذا كانت الرسوم مرتفعة أو منخفضة، وإنما بمن يستطيع تحملها، وماذا يحدث لمن لا يستطيع.

    عبد الله لا يخفي أن “احتمال التوقف مؤلم”، لأنه لا يرى في الدكتوراه رفاهية، وإنما استكمالاً لطموح علمي بدأه منذ سنوات.

    ويقول: “العودة إلى الجامعة بعد سنوات من العمل كانت بالنسبة لي عودة إلى حلم قديم، وإثباتاً أن الإنسان يستطيع أن يواصل التعلم مهما كانت ظروفه”. لكن هذا الحلم، كما يقول، أصبح اليوم مرتبطاً بقدرة مالية لم تكن جزءاً من حساباته عندما قرر مواصلة الدراسة.

    أما الحسين، وهو نقابي، فيؤكد من جهته أنه سيواصل الدفاع عن حقه إلى جانب التنظيمات النقابية في متابعة الدراسة، معتبراً أن النقاش حول الرسوم يتجاوز حالته الشخصية إلى “ملف حق جميع أبناء الشعب المغربي في متابعة الدراسة ومجانية التعليم”.

    وتعود القضية في النهاية إلى نقطة البداية: عبد الله، الذي يريد مواصلة الدكتوراه، لكنه يقول إن راتبه لا يسمح له بتحمل 20 ألف درهم سنوياً دون المساس باحتياجات أسرته.

    وكما قال: “لكن عندما تصبح مواصلة هذا الحلم مرتبطة بالقدرة على دفع 20 ألف درهم سنوياً، أشعر أن هناك فئة من الناس يمكن أن تُقصى من التعليم العالي ليس بسبب ضعف مستواها أو عدم رغبتها في الدراسة، وإنما بسبب وضعها المادي”.

    بين حلم الدكتوراه وكلفتها.. موظفون وأجراء يصطدمون برسوم متابعة الدراسة صوت المغرب.

    مشاهدة بين حلم الدكتوراه وكلفتها موظفون وأجراء يصطدمون برسوم متابعة الدراسة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين حلم الدكتوراه وكلفتها موظفون وأجراء يصطدمون برسوم متابعة الدراسة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين حلم الدكتوراه وكلفتها.. موظفون وأجراء يصطدمون برسوم متابعة الدراسة.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار