لماذا، بعد عشرين عاما على رحيل الشيخة الريميتي، ما يزال اسمها يثير النقاش؟ ولماذا بقيت هذه المرأة، التي صنعت بصوتها أحد أهم فصول الأغنية الشعبية الجزائرية، أسيرة أحكام بدت أحيانا أقوى من صورتها الفنية نفسها؟ وكيف يمكن لصوت عبر الحدود والقارات أن يظل، في ذاكرة بلده، محاطا بكل هذا الجدل؟
جمال ڨتالة
ربما تكمن الإجابة في أن الريميتي لم تكن فنانة عادية. كانت ابنة زمن مضطرب، وامرأة خرجت من قسوة الهامش، ثم حولت الفقر والفقد والخوف والحب إلى مادة للغناء. لذلك فإن العودة إليها، بعد عقدين من رحيلها، ليست عودة إلى مغنية راي فحسب، وإنما إلى جزء من الجزائر ظل طويلا يغني من خارج المنابر الرسمية.
من هنا تأتي رواية واسيني الأعرج «الريميتي: أناشيد الجمر والنار»، التي صدرت طبعتها العربية في الجزائر عن الفضاء الحر (Espace Libre)، قبل أن تصدر عن دار الآداب في بيروت، لتصل إلى قارئ عربي أوسع. أما النسخة الفرنسية، الصادرة عن الفضاء الحر، فمن المنتظر أن تكون حاضرة في مناسبة معرض الجزائر الدولي للكتاب. ولا يقدم واسيني عمله بوصفه سيرة حرفية، بل يستلهم المسار الإنساني والفني لسعدية باضيف، المعروفة باسم الشيخة الريميتي، ليبني حوله عالما تتجاور فيه الذاكرة والتخييل، ويتقاطع فيه التاريخ الشخصي مع تاريخ الجزائر.
من طفولة اليتم إلى ولادة صوت لا يشبه سواه
الشيخة الريميتي، واسمها الحقيقي سعدية باضيف، ولدت في 8 ماي 1923 بقرية تسالة قرب سيدي بلعباس، وتعود جذور عائلتها إلى منطقة غليزان. ومن طفولة قاسية بدأت حكاية امرأة ستصبح لاحقا واحدة من أبرز الأسماء المؤسسة للراي الجزائري، بل إحدى أمهاته الروحيات.
لكن واسيني لا يبدأ من المجد، وإنما من الجرح. فقدت سعدية والديها بسبب وباء التيفوس، ووجدت نفسها طفلة في مواجهة الفقر والخوف وقسوة الحياة في سيدي بلعباس. تمشي حافية القدمين، وتتعلم النجاة قبل أن تتعلم الفن. ثم قادتها ظروفها إلى العمل في المزارع الإسبانية، حيث تولت الإشراف على مجموعة من العاملات، قبل أن تصل إلى بيت عائلة أمريكية. وهناك اكتشفت أغاني إيلا فيتزجيرالد، وسمعت في الجاز والغوسبيل والسول صدى لآلامها الخاصة.
لم يكن ذلك مجرد اكتشاف موسيقي، بل اكتشافا لإمكان الصوت. فإذا كان الآخرون يستطيعون تحويل الألم إلى أغنية، فلماذا لا تفعل هي الشيء نفسه؟ ومن عالم المداحات تعلمت قوة الكلمة وجرأة القول. شيئا فشيئا، تشكل صوتها الخاص؛ صوت امرأة لا تريد أن تغني فوق الحياة، بل من داخلها.
لهذا جاءت أغانيها قريبة من الناس، من أعراسهم وفقرهم وحبهم وخيباتهم، ومن التفاصيل اليومية التي كانت الثقافة الرسمية تجد صعوبة في احتضانها. في إحدى أغنياتها تقول: «شحال هدروا، وشحال قالوا من الكلام، يا ربّي، وأنا زهري وين؟ زهري تودّر، كلاتو الحوتة في البحر». ليست العبارة مجرد شكوى شخصية، بل نبرة امرأة تعرف معنى أن يحكم الآخرون على حياتها قبل أن يسمعوا صوتها.
وفي مقطع آخر تغني: «يا داني وداني، دان داني دايني، يا لالة / أنا وغزالي، في الجبل نلقط في النوار…». هنا تظهر الريميتي في صورتها الأكثر قربا من الأرض: لغة شعبية، إيقاع نابض، وصورة عاطفية لا تحتاج إلى زخرفة كي تصل. وكانت موسيقاها تحمل أيضا شيئا من البلوز: ألم داخلي، وسرد شخصي، وتعبير حر عن جراح لا تجد دائما طريقها إلى الكلام المباشر.
فالريميتي لم تكن تغني عن الألم من الخارج، وإنما من داخله. وإذا كان الراي سيصبح بعد عقود ظاهرة عالمية، فإن بداياته الشعبية كانت تخرج من الحياة نفسها: من الأعراس والبيوت والأسواق والأحياء الفقيرة، ومن العلاقات الإنسانية بما فيها من حب وخيبة ورغبة وفقر. كانت الريميتي تغني للناس بلغتهم، ولذلك وصل صوتها إليهم قبل أن يصل إلى العالم.
لكن قربها من الناس كان أيضا مصدر قوتها ومصدر محنتها. فقد كانت امرأة تمتلك الجرأة على الكلام في زمن لم يكن يتسامح بسهولة مع امرأة تختار أن يكون لها حضور مستقل. ولهذا لم يكن الجدل الذي أحاط بها فنيا خالصا؛ كثيرا ما ارتبط بصورة المرأة وموقعها الاجتماعي وحقها في أن تكون مسموعة ومرئية.
ومن هذه الزاوية يصبح الراي عندها أكثر من نوع موسيقي؛ يصبح طريقة في النظر إلى الحياة، وفي تسمية الأشياء بأسمائها، وفي تحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة مشتركة. وربما لهذا السبب تحدى صوتها الزمن، لأن الناس لم يسمعوا فيه صورة فنانة بعيدة، بل سمعوا أنفسهم، بضعفهم ورغباتهم وأحزانهم وأفراحهم.
واسيني الأعرج… حين تتحول سيرة فنانة إلى مرآة للجزائر
قيمة الرواية لا تكمن في استعادة اسم معروف فحسب، وإنما في الطريقة التي يضع بها هذا الاسم داخل زمنه. فالريميتي لم تعش خارج التاريخ. عاشت الاستعمار، ولامست الثورة، وغنت عن الناس والمجاهدين والحرب وآثارها، ثم دخلت مرحلة الاستقلال بما حملته من آمال وتناقضات.
وهنا تكتسب الأغنية الشعبية قيمتها بوصفها وثيقة من نوع آخر. فالتاريخ لا يسكن دائما في الأرشيفات والبيانات والخطب؛ أحيانا يبقى في أغنية حفظها الناس، وفي صوت امرأة حملت إلى جمهورها ما عاشه مجتمعها. تبدو الريميتي، في هذا السياق، أشبه بأرشيف حي. أغانيها تختزن صورا من المجتمع، وتكشف العلاقات بين الناس، وتلتقط توترات لا تظهر دائما في الكتابة الرسمية.
لكن واسيني لا يحولها إلى رمز بلا ملامح بشرية. إنها شخصية مثقلة بجراحها، وبآثار اليتم والفقر والعنف والنفاق الاجتماعي، وفي الوقت نفسه امرأة تملك قدرة نادرة على تحويل التجربة إلى فن. وهذا ما يجعل الرواية تتجاوز مجرد سيرة فنانة؛ فهي تسأل عن الحدود بين الحياة والأغنية، وبين الجرح الشخصي والذاكرة الجماعية.
بعد الاستقلال، لم تصبح حياة الريميتي أكثر سهولة. مرت بفترات من التضييق والابتعاد عن الأضواء، قبل أن تعيد بناء مسيرتها من جديد. ثم جاءت فرنسا لتفتح أمامها صفحة أخرى. في باريس وجدت جالية جزائرية تعرف صوتها وتحفظ أغانيها، قبل أن يتوسع حضورها تدريجيا ويتجاوز دوائر المهاجرين.
من مهرجان بوبيني سنة 1986، الذي أسهم في دفع الراي إلى الواجهة، إلى حفل معهد العالم العربي سنة 1994، وصولا إلى مهرجان 100% راي في الزينيث سنة 2006، كانت الريميتي تعبر مرحلة بعد أخرى، دون أن تتخلى عن الجذور التي صنعت صوتها.
ومن باريس، ومن أحياء باربيس والغوت دور، خرج صوتها نحو العالم. غنت في نيويورك، وفي قاعات كبرى بأوروبا، ووصلت أغانيها إلى جمهور في أستراليا والبرازيل والصين وغيرها. كما غنت في سنترال بارك، أحد أشهر الفضاءات الموسيقية في نيويورك. هكذا تحولت امرأة خرجت من الهامش إلى صوت عالمي، من دون أن تفقد لهجة المكان الأول.
وفي رواية واسيني يظل ذلك التناقض حاضرا: امرأة وصلت إلى العالم، لكنها ظلت تحمل حزنها الأول. امرأة هاجرت بجسدها، لكنها لم تهاجر من ذاكرتها.
من وهران إلى باريس… الجسد يرحل والصوت يبقى
هنا تبلغ الرواية واحدة من أقوى لحظاتها في صفحاتها الأخيرة. لا يختار واسيني نهاية احتفالية، ولا يحول موت الفنانة إلى مشهد من التمجيد، بل يترك القارئ أمام جسد يتعب وصوت يقاوم. تتراجع الحياة الجسدية، بينما تبدأ الذاكرة في استعادة قوتها.
في لحظة الاحتضار تختلط اللغات والأزمنة، ويأتي صوتها كأنه يرفض المغادرة. ثم تصل الرواية إلى جملتها الأكثر قسوة ووضوحا: «أنا مرضي من ربي، والناس تتشفى فيا». في هذه العبارة تختصر الريميتي علاقتها بالله وبالمجتمع: رضا بما قدره الله، ومرارة تجاه الذين لم يروا في وجعها سوى مناسبة للشماتة.
ثم تعود إلى أغنية «يا الصحة ويا الصحة»، وكأن الصحة نفسها أصبحت بعيدة، والطبيب عاجزا عن استعادة ما أخذته السنوات. إنها خاتمة لا تقتل الريميتي، بل تنقلها من الجسد إلى الصوت.
ولعل أكثر ما يلفت في الرواية أن واسيني الأعرج لا يكتفي باستعادة موت الفنانة، وإنما يفتح في النهاية سؤال الذاكرة والنكران. فهذه امرأة وصلت إلى باريس والعالم، بينما ظل الاعتراف الرسمي بها أقل من حجم أثرها. لم يكن اسمها يحمل، حتى وقت قريب، ما يكفي من الحضور داخل المؤسسات الثقافية التي تليق بإرثها.
رحلت الشيخة الريميتي في باريس يوم 15 ماي 2006، لكنها أوصت بأن تعود إلى وهران. وكأن الهجرة، بكل ما منحته لها، لم تستطع أن تلغي حاجتها إلى الأرض الأولى. وهناك، حتى في الموت، ظلت محاطة بسؤال الاعتراف والرفض.
تلك هي المفارقة الكبرى التي تجعل «الريميتي: أناشيد الجمر والنار» أكثر من رواية عن فنانة. إنها رواية عن الذاكرة الجزائرية نفسها، وعن النساء اللواتي خرجن من الهامش ولم يجدن دائما طريقهن إلى الكتب، وعن الأغاني التي تحولت إلى وثائق حية، وعن الفن حين يصبح مقاومة للنسيان.
واسيني الأعرج، في هذا العمل، لا يقدم الريميتي بوصفها قديسة ولا شخصية بلا تناقضات. يمنحها إنسانيتها، جراحها، أخطاءها، غضبها، حبها وصوتها. وهذا ربما هو الإنصاف الحقيقي: أن نعيد إلى الشخصية تعقيدها بعدما حاولت الأحكام الجاهزة اختزالها.
بعد عشرين عاما من غيابها، لا تعود الريميتي من قبرها عبر خطاب رسمي أو احتفال عابر، وإنما عبر رواية تضع صوتها في قلب الأدب. لم تكن بحاجة إلى واسيني الأعرج كي تصبح جزءا من ذاكرة الناس؛ فقد سبقها جمهورها إلى ذلك. لكن الرواية تمنح صوتها فرصة أخرى كي يُسمع، وتفتح حوله أسئلة لم تجد أجوبتها طوال عقود.
في النهاية، لا تبدو الريميتي امرأة ماتت في باريس بقدر ما تبدو امرأة تركت هناك جسدها، وحملت معها إلى وهران آخر ما تبقى من أغانيها. وبين المدينتين، بين الهجرة والعودة، وبين الجمر والنار، يستعيد واسيني الأعرج امرأة لم تستطع السلطة ولا الأحكام ولا الزمن أن تروّض صوتها.
وهذا هو سر بقائها: أن الريميتي لم تغنِّ حياتها فقط، بل غنّت حياة أناس وجدوا في صوتها شيئا من أنفسهم.
الشيخة ريميتي، واسيني الأعرج و أزمة الخطاب الثقافي في الجزائرظهرت المقالة “الشيخة الريميتي” : واسيني الأعرج يعيد كتابة ذاكرة الراي من خارج الرواية الرسمية أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة ldquo الشيخة الريميتي rdquo واسيني الأعرج يعيد كتابة ذاكرة الراي من خارج
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الشيخة الريميتي واسيني الأعرج يعيد كتابة ذاكرة الراي من خارج الرواية الرسمية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “الشيخة الريميتي” : واسيني الأعرج يعيد كتابة ذاكرة الراي من خارج الرواية الرسمية.
في الموقع ايضا :
- الخارجية الأميركية: واشنطن تدعو المجتمع الدولي للانضمام إليها في محاسبة الجهات المتورطة بأنشطة النظام الإيراني
- سبيطلة: أمطار غزيرة بمنطقة تيوشة سيدي عبد الله (فيديو)
- الرئيس الشرع: أهنّئ الشعب السوري بإزالة اسم سورية رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وأشكر فخامة الرئيس دونالد ترامب على هذا القرار التاريخي وكل الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا مع سورية والسوريين
