صراع الوعي الاستراتيجي: التنافس الإقليمي على المجال الجوي السوري الجديد ...لبنان

بتوقيت بيروت_ beiruttime - اخبار عربية
صراع الوعي الاستراتيجي: التنافس الإقليمي على المجال الجوي السوري الجديد

العقيد الركن خالد المطلق

المعركة على سوريا الجديدة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض أو من يمسك بخيوط القرار في دمشق فهناك جبهة أخرى أهدأ وأقل بريقاً إعلامياً لكنها ربما ستكون الأكثر تأثيراً على المدى الطويل أولها من يرى السماء السورية أولاً؟ وثانيها من يملك المعلومة التي تتيح له فهم ما يجري فيها واتخاذ القرار قبل أن يفعل الآخرون؟، ومن هذه الزاوية بالذات تبدو قصة نشر منظومة الرادار التركية “HTRS-100” في مطار دمشق الدولي أكبر بكثير من مجرد مشروع لتحديث الملاحة الجوية، فالسلطات السورية والجانب التركي قدّما الخطوة على أنها جزء طبيعي من تطوير البنية التحتية المدنية وتحسين سلامة الطيران ونفيا بشكل قاطع أن تكون مقدمة لقاعدة عسكرية تركية، وإسرائيل في المقابل لم تأخذ الأمر بهذه البساطة وقلقها لا يتعلق بالرادار كقطعة معدات بقدر ما يتعلق باحتمال أن تتحول هذه الخطوة مستقبلاً إلى بنية مراقبة أوسع بكثير مما يُعلن عنه اليوم.

    لنضع الأمور في نصابها التقني أولاً:

    يجب أن نعرف أن الـ”HTRS-100″ ليس منظومة دفاع جوي، وهذه نقطة يجب توضيحها بلا لبس بل هو نظام لمراقبة الحركة الجوية يضم راداراً أولياً وآخر ثانوياً يساعدان على التعرّف إلى الطائرات وتتبعها، أما تحويل هذه المعلومات إلى قدرة دفاعية فعلية فذلك يحتاج إلى ما هو أبعد بكثير كشبكة قيادة وسيطرة واتصالات آمنة ووسائل للتعرف على الأهداف ومستشعرات إضافية ووسائل اعتراض وقواعد اشتباك وأطقم مدرَّبة على كل ذلك، والقول إذاً إن نصب رادار في مطار دمشق يعني أن سوريا امتلكت دفاعاً جوياً جديداً هو استنتاج متسرع، لكن الخطأ المعاكس التقليل من شأن الرادار نفسه ليس أقل تسرعاً فالقيمة العسكرية لأي مستشعر لا تُقاس فقط بقدرته على الاشتباك بل أيضاً بما يمنحه من “صورة” عن المجال الجوي، وكلما تحسّنت قدرة دولة على رصد ما يجري فوق أراضيها تحسّنت قدرتها على الفهم حتى لو بقيت عاجزة عن الاعتراض وهذا بالتحديد هو جوهر القلق الإسرائيلي.

    من الرادار إلى “بيئة المعلومات“:

    التقارير التي تناولت هذا الملف أواخر 2025 ومطلع 2026 لم تربط القلق الإسرائيلي بالرادار المدني وحده بل بما قد يعنيه دخول منظومات رصد تركية إلى سوريا على المدى الأبعد وزيادة القدرة السورية على الرصد يمكن أن تقيّد حرية العمل الجوي الإسرائيلي خصوصاً أن تل أبيب تراهن تاريخياً على عنصر المفاجأة وعلى حرية اختيار توقيت أي عملية ومسارها وارتفاعها، وهنا لا بد من نميز أن اكتشاف الطائرة ليس إسقاطها، والرصد المبكر لا يعني بالضرورة القدرة على منع دخولها المجال الجوي لكنه يفرض على الطيار وعلى المخطط العسكري بيئة عملياتية مختلفة تماماً وهامش المفاجأة يضيق والقرارات تصبح أكثر حساسية، والمسألة الحقيقية إذن ليست الرادار بحد ذاته بل من يملك البيانات التي ينتجها ومن يستطيع الوصول إليها وهل ستبقى ضمن منظومة الطيران المدني أم تتحول تدريجياً إلى جزء من شبكة مراقبة أوسع.

    لماذا يقلق الإسرائيليون تحديداً؟:

    منذ سقوط نظام الأسد واصلت إسرائيل ضرب منشآت عسكرية سورية ومواقع جوية مختلفة في إطار سياسة واضحة لمنع أي قدرة عسكرية ناشئة من التحول إلى تهديد مستقبلي، وفي هذا السياق لن يُقرأ أي تحسّن في قدرات الرصد السوري في تل أبيب باعتباره تطوراً تقنياً محايداً سيُقرأ كجزء من مسار أطول قد ينتهي بإعادة بناء قدرات عسكرية سورية كانت قد انهارت تقريباً خلال سنوات الحرب، والصورة تصبح أكثر حساسية إذا ترافق تحسين الرصد الجوي مع إعادة تأهيل المطارات وتدريب الكوادر وإحياء الطيران العسكري وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وكل عنصر منفرد قد يبدو محدود الأثر لكن مجموع هذه العناصر هو ما يغيّر البيئة العملياتية فعلياً، والمفارقة أن إسرائيل لا تحتاج لانتظار اكتمال القوة السورية كي تبدأ بالقلق ويكفيها أن ترى مساراً تصاعدياً واضحاً لإعادة بنائها.

    تركيا: تحديث مدني أم تأسيس عسكري جديد؟:

    أهمية الخطوة التركية لا تنبع من الرادار وحده بل من السياق الأوسع الذي يحيط به، فأنقرة منخرطة بشكل متزايد في إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية وهذا واضح في التدريب والتنسيق ومحاولات بناء قدرات جديدة للجيش السوري، وإذا استمر هذا المسار فالسؤال لن يبقى محصوراً بمطار دمشق وحسب بل سيصبح السؤال هل تساعد تركيا في بناء مؤسسة عسكرية سورية قادرة على العمل باستقلالية؟ أم أنها تبني قدرة تبقى مرتبطة بنيوياً بالخبرة والتكنولوجيا التركية؟، وللامانة لا توجد إجابة نهائية بعد على هذا السؤال لكن من الواضح أن أنقرة تريد أن تكون طرفاً رئيسياً في تحديد شكل المؤسسة العسكرية السورية القادمة، وإسرائيل في المقابل تحاول الحفاظ على حرية عملها ومنع أي ترتيبات جديدة من الاقتراب من خطوطها الحمراء، وهذا التنافس بلغ من الحساسية درجة دفعت واشنطن نفسها للتدخل في محاولة لبناء آليات تمنع الاحتكاك بين أنقرة وتل أبيب ودمشق وهو ما يعكس إدراكاً أميركياً بأن المجال الجوي السوري بات مساحة مفتوحة على سوء التقدير.

    الحلقة الأوكرانية: لماذا تهتم كييف بسماء سوريا؟:

    ربما يكون هذا هو التحول الأكثر إثارة للفضول في المشهد كله دخول أوكرانيا على خط التعاون الأمني مع سوريا في أبريل/نيسان 2026 حيث عززت دمشق وكييف علاقاتهما الأمنية وبُحث تبادل الخبرات في وقت تملك فيه أوكرانيا تجربة متقدمة في الحرب الجوية والمسيّرات والحرب الإلكترونية، إضافة إلى خبرة عميقة في صيانة الأنظمة ذات الأصل السوفيتي، وظهر أيضاً تقاطع أمني بين أوكرانيا وتركيا وسوريا معاً، لكن يجب هنا الفصل بوضوح بين ما هو مؤكد وما هو مجرد تكهن حيث لا توجد في المصادر المفتوحة أدلة كافية على أن أوكرانيا أعادت فعلياً تشغيل أسطول قتالي سوري واسع أو حدّثت مقاتلات سورية محددة على نطاق معلن لكن مجرد دخولها إلى هذا الملف يفتح احتمالاً مهماً لأن كييف تملك خبرة نادرة في التعامل مع الطائرات والمنظومات السوفيتية القديمة خبرة قد تكون قيّمة جداً لجيش سوري يحاول إعادة بناء نفسه بموارد محدودة، ومصلحة أوكرانيا مفهومة أيضاً فسوريا كانت لعقود جزءاً من المجال الاستراتيجي الروسي في الشرق الأوسط، وبناء علاقة أمنية مع دمشق يمنح كييف نافذة جديدة في منطقة كانت بعيدة تماماً عن نفوذها وفي الوقت نفسه فرصة لتقليص النفوذ الروسي أينما أمكن ذلك، والبعد الأوكراني هنا ليس تعاوناً فنياً محدوداً بل إنه جزء من منافسة أكبر بكثير على مستقبل سوريا.

    الخطر الحقيقي يبدأ عند تكامل القطع:

    في الدراسات العسكرية، الخطورة نادراً ما تكمن في قطعة واحدة من المعدات، بل في طريقة دمجها ضمن منظومة متكاملة:– رادار أفضل وحده لا يصنع قوة جوية– طائرة صالحة للطيران لا تصنع سلاح جو متكاملاً– التدريب العسكري لا يخلق مؤسسة قتالية من تلقاء نفسه

    لكن الصورة تتغير جذرياً حين تبدأ هذه القطع بالارتباط ببعضها والرادارات فمراكز قيادة فاتصالات آمنة فطائرات فكوادر مدربة فمعلومات استخباراتية فوسائل اعتراض عند هذه النقطة تنتقل الدولة من امتلاك أدوات متفرقة إلى بناء قدرة عملياتية حقيقية، ومع ذلك لا ينبغي الذهاب بعيداً في الاتجاه المعاكس أيضاً حيث لا توجد أدلة علنية كافية على أن سوريا وصلت إلى هذه المرحلة المتكاملة والحديث عن “مظلة دفاع جوي سورية جديدة” أو عن حتمية مواجهة عسكرية قريبة بين تركيا وإسرائيل يبقى سيناريو تحليلياً لا حقيقة قائمة وهذا التمييز ضروري خصوصاً أن قنوات الاتصال بين أنقرة وتل أبيب موجودة فعلاً لتفادي سوء التقدير، واللجوء إلى آليات فض الاشتباك لا يعني أن مصالح الطرفين متطابقة بل يعني فقط أن كليهما يدرك تكلفة الخطأ.

    هل نحن أمام صدام حتمي؟:

    هنا أختلف مع القراءة الأكثر تشاؤماً وليس صحيحاً أن دمج الرادارات التركية أو إعادة بناء الطيران السوري أو دخول أوكرانيا إلى ملف الأمن يعني تلقائياً مواجهة تركية إسرائيلية لا مفر منها، ففي السياسة الدولية دول كثيرة تبني قدراتها وهي تدرك في الوقت نفسه أنها ستحتاج إلى إدارة المخاطر المصاحبة لها، وإسرائيل ستواصل مراقبة أي تغيّر في البيئة الجوية السورية لكنها تدرك أيضاً أن ضرب منشآت مرتبطة مباشرة بتركيا قد يحوّل أزمة محدودة إلى مواجهة أوسع بكثير مما تريد، وتركيا من جهتها لديها علاقات ومصالح مع إسرائيل تجعلها أميل إلى التفاوض وتفادي الصدام المباشر حتى مع استمرار الخلافات بينهما، أما الولايات المتحدة فمن المرجح أن تبقى العامل الأهم في منع تحوّل هذا التنافس على سوريا إلى صراع مفتوح بين حليفين يهمانها كلاهما.

    المعركة الحقيقية: من يملك السماء؟:

    قد يكون من الخطأ اختزال هذه القضية كلها في سؤال واحد وهو هل “HTRS-100” رادار مدني أم عسكري؟ والسؤال الأهم هو ماذا ستبني سوريا حول هذا الرادار؟ ومن سيشغّله؟ ومن يملك بياناته؟ وكيف ستتطور المطارات والاتصالات والتدريب معه؟ وهل تستطيع الدولة السورية أن تحوّل كل هذه العناصر إلى مؤسسة دفاعية وطنية مستقلة فعلاً؟ فسوريا الخارجة من حرب طويلة تقف أمام فرصة استثنائية لإعادة بناء جيش وطني حديث لكنها تواجه في الوقت نفسه خطراً حقيقياً وهو أن تتحول عملية إعادة البناء نفسها إلى ساحة تنافس بين قوى خارجية، فتركيا تريد توسيع نفوذها وإسرائيل تريد الحفاظ على حرية عملها الجوي وأوكرانيا تريد موطئ قدم جديداً في الشرق الأوسط وتقليص النفوذ الروسي وروسيا تحاول ألا تخسر كل ما بنته والولايات المتحدة تسعى لمنع كل هذا التنافس من الانفجار، أما بالنسبة لدمشق فالسؤال في جوهره أبسط من كل هذا التعقيد وهو هل تستطيع إعادة بناء قدرتها العسكرية من دون أن تفقد قرارها الوطني في الطريق؟ وهذه هي القضية التي يجب أن تراقبها الأوساط العسكرية لا صورة الرادار وحدها فالرادار لا يطلق النار والطائرة لا تصنع جيشاً والخبرة الأجنبية لا تعني بالضرورة تبعية سياسية، لكن حين تتجمع المعلومات والتكنولوجيا والتدريب والقدرة على اتخاذ القرار في مكان واحد تبدأ موازين القوة بالتغيّر فعلاً، والمعركة المقبلة على سماء سوريا قد لا تبدأ بصاروخ وقد تبدأ بشاشة رادار ومن يرى أولاً يملك جزءاً من المبادرة لكن امتلاك الصورة ليس امتلاكاً للسماء والفارق بين الاثنين هو ما سيحدد في نهاية المطاف مستقبل التوازن الجوي في سوريا والمشرق.

    (function(d, s, id){ var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)(0); if (d.getElementById(id)) return; js = d.createElement(s); js.id = id; js.src = “//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v2.9”; fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs); }(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

    المصدر الأصلي: defensearabia.com

    تاريخ النشر لدى المصدر: 2026-08-26 13:48:00

    كاتب المصدر: Sami Orfali

    نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.

    مشاهدة صراع الوعي الاستراتيجي التنافس الإقليمي على المجال الجوي السوري الجديد

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ صراع الوعي الاستراتيجي التنافس الإقليمي على المجال الجوي السوري الجديد قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، صراع الوعي الاستراتيجي: التنافس الإقليمي على المجال الجوي السوري الجديد.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار