عبر تاريخ المغرب، كانت مدينة سبتة المحتلة، أحد المراكز العلمية بالبلاد، التي طبعت تاريخ التعليم الديني والعلمي والأدبي وارتبطت بها أسماء كبرى طبعت لا تاريخ الغرب الإسلامي فقط؛ بل تاريخ العالم ذي الأغلبية المسلمة، والعالم الأوسع.
ومما يثير الانتباه مغربيا أن محركات البحث الإلكترونية، ومع محاولات الاحتلال الإسباني محو تاريخ سبتة ومليلية ومناطق أخرى من أي ذكر لأصلها المغربي، تنسب علماء وأعلاما من تاريخ المغرب إلى إسبانيا رغم ولادتهم ووفاتهم قرونا قبل احتلال بعض أراضيه من لدن الإيبيريين بعد سقوط “الأندلس” فقط لأنهم ولدوا في مدينة سبتة المحتلة! وعلى رأسهم القاضي عياض أبرز أعلام المالكية المغاربة، والشريف الإدريسي أبرز علماء الجغرافيا في زمنه.
في كتاب “تاريخ سبتة” للعلامة محمد بن تاويت التطواني، كتب أن “مدينة سبتة (…) عرفت من أبنائها في الإسلام مبرة وعناية وشفوفا وازدهارا في شتى المجالات، كان القاضي عياض في مقدمتهم والأنصاري والحضرمي في مؤخرتهم”. ونبّه مؤلف الكتاب سالف الذكر إلى إشكالات عدم العناية بعلم التاريخ، وبتاريخ سبتة وأعلامها، وسعي المحتل الإسباني إلى محو آثار تاريخها المغربي منذ مرحلة الجنرال فرانكو خاصة؛ وهو ما لاحظه عيانا.
وفي كتاب “شيوخ العلم وكتب الدرس في سبتة (أواخر القرن السابع الهجري)” للباحث المبرز في الأندلسيات حسن الوراكلي، كتب أن مدينة سبتة كانت، “منذ فترة مبكرة من حياة المغرب العقلية والعلمية، أحد المراكز التي نشطت بمنازلها شتى ألوان المعرفة”.
وفي دراسة حول “رجالات سبتة المغمورين”، منشور في مجلة “دعوة الحق” الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، انطلاقا من مرجع مخطوط هو مختصر “ترتيب المدارك” للقاضي عياض، الذي اختصره أبو عبد الله محمد البرنسي السبتي، قال المصدر: “الحقيقة أننا ما أنصفنا مدينتنا -سبتة- السليبة، هذه المدينة العريقة في المجد والحضارة؛ فإلى جانب ما ابتليت به – وهي في ريعان شبابها- من جرثومة الاستعمار، فإن أبناءها أهملوا أمجادها، ولم يكتبوا تاريخها حتى اليوم! وقد أنجبت علماء أفذاذا، لا نكاد نعرف عنهم شيئا”.
لكن، مع توالي العقود، نهض أجيال من الباحثين بالجامعة المغربية، وخريجيها، بمهمة تحقيق المخطوطات السبتية، وإعداد تراجم علمائها، وكتابة تاريخها المغربي، شهادة على رفض الاحتلال ولو طال الأمد.
القاضي عياض
“لولا كتاب الشفا لما عرف القاضي عياض، ولولا عياض لما عرف المغرب”، ارتبطت هذه المقولة لقرون بأثر صاحب كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم” القاضي عياض، وليد سبتة المغربية قبل احتلالها، قبل ما يقربُ ألف عام، وهو ابن عائلة علمية بارزة بسبتة.
وقال عبد الله كنون عن كتاب “الشفا” أنه “أبدع فيه كل الإبداع، وسلم له أكفاؤه براعته فيه، ولم ينازعه أحد في الانفراد به، ولا أنكروا عليه مزية السبق إليه، بل تشوقوا للظفر، وأنصفوا في الاستفادة منه، وحمله عنه الناس، فطارت نسخه شرقا وغربا، وهو في الحقيقة كتاب فريد، دحض به مزاعم الملاحدة، ومطاعنهم على المقام النبوي الشريف، وأتى في ذلك بالعجب العجاب مما لا ينكره إلا أعمى القلب مطموس البصيرة”.
وفي تعريف نشرته “الرابطة المحمدية للعلماء” في باب “الأعلام”، حرره طارق العلمي، يعرف القاضي أبا الفضل عياض اليحصبي بقول: “ذهب أهل التعريف: كان القاضي أبو الفضل رحمه الله، عظيم القدر، ظاهر الفضل، معروف العدل، تُضرب بعلمه وسعة حفظه الأمثال، ويقف عند زهده وورعه أفاضل الرجال، فرع الأنام وفاق أهل زمانه، فهو الوحيد الفذ في إحسانه. ذكره الحافظ المعروف بابن الآبار كان أبو الفضل جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوع الحكمة، ومعدن الإفادة، وكان معدودا في أهل الزهد والإيثار، معروفا بالورع والتقلل في هذه الدار”.
في درس حسني أمام الملك محمد السادس سنة 2015، قال المؤرخ أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، إن أبا العباس السبتي هو “أحمد بن جعفر الخزرجي، ولد بمدينة سبتة عام 524 للهجرة، ونزل بمراكش، وبها مات عام 601. كانت مدينة سبتة في وقته من كبريات عواصم العلم والحضارة في الغرب الإسلامي، وثيقة العلائق بمدن الأندلس وشرقي البحر المتوسط، كانت عامرة بالعلماء والتجار والزهاد الذين ما تزال قبور بعضهم معروفة في هذه المدينة السليبة إلى اليوم”.
وقد عرف السبتي بمذهبه “التضامني العملي”، وفق المؤرخ، ومفاده “الإنفاق على طلبة العلم الواردين على مراكش. وما لبث أن اشتهر بالجلوس في الأسواق والطرقات، وحض الناس على الصدقة، ويذكر ما جاء في فضلها من الآيات والآثار، فتتوارد عليه الصدقات، فيفرقها على المساكين وينصرف. كان مذهبه يدور على هذا المنوال، أخذ المال من البعض وإعطائه للبعض الآخر، كان إذا أتاه أحد يطلب أو يشكو من أي شيء كان، يقول له: تصدق تصل إلى ما تريد، وجرب الناس عليه ذلك وصح فصار عندهم أعجوبة الزمان”.
وكان مذهب أبي العباس في التضامن، القائم على الإنفاق، وفق أحمد التوفيق، ذا عمق يتصل بجوهر الاعتقاد، وهو “توحيد الله تعالى، فقد اعتبر أن الإنفاق هو الدليل على أن المنفق قد تخلص من الشرك الخفي الذي يتسرب إلى القلب من حب المال”.
الشريف الإدريسي
الشريف الإدريسي، عالم الجغرافيا ابن مدينة سبتة في العصر المرابطي، الذي ينسبه محرك “غوغل” خطأ إلى “سبتة بإسبانيا”، رغم ولادته بالمغرب قرونا قبل احتلال بعض مدنه الساحلية، في فترة انتقال سياسي، وانتقام إيبيري من الحاضرة المسلمة، التي قدم منها المسلمون إلى “الأندلس”.
وقد رسم الشريف الإدريسي أحد أبرز خرائط العالم، الذي ظلّ يُعمل بها لقرون، ودرس بالمغرب وبالأندلس، وتوفي بصقبية، ويقدم فيها العالم من وجهة نظر ترى المركز في بلدان المسلمين، عكس خرائط العالم الراهنة التي تضع غرب قارة أوراسيا، المسماة بأوروبا، في المركز.
وألف الشريف الإدريسي كتبا؛ من بينها رحلته التي أسماها “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، وعرفت بدقة ضبطها العلمي للمواقع الجغرافية، الطبيعية والإنسانية.
وفي سلسلة إصدارات “منتخبات من التراث المغربي” الصادرة عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، كتب المؤرخ محمد المغراوي في منتخباته من كتاب الإدريسي “نزهة المشتاق”: “تأتي أهميته من كون الشريف الإدريسي قد درس كل أقاليم العالم دراسة علمية دقيقة، وفق خطة مضبوطة. وقد امتاز بدقته في حساب الأطوال والعروض للبلاد المختلفة، بعد أن قسم العالم إلى سبعة أقاليم عرضية، وقسم كل إقليم إلى عشرة أجزاء طولية متساوية من الغرب إلى الشرق. ووضع لكل جزء خريطة، إضافة إلى خريطة عامة للكرة الأرضية، كما اهتم بالطرق والمسافات”.
توثق مجموعة من الدراسات التاريخية الحياة العلمية والمعرفية بحاضرة سبتة المغربية المحتلة؛ من بينها دراسة للباحث في التاريخ محمد حقي “الحياة العلمية في سبتة الوسيطية” المنشورة بمجلة “أمل” التاريخية.
وأوردت الدراسة: “فرض ازدهار الحياة العلمية والتعليمية بمدينة سبتة، خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وجود بنية ثقافية قارة؛ مثل العلماء والمؤسسات التعليمية. وقد تنوعت المؤسسات وتعددت في هذه المدينة، بالرغم من صغرها”.
ومن بين المدرسين، نقل الباحث: “محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري الذي ‘كان يقرئ الطلبة في المجلس الواحد دولا في علوم شتى.’ أما قاسم بن أبي حجة فهو فقيه محدث صوفي فرضي حسابي مشارك في أصول الدين والنحو والتاريخ، ماهر في علم التعديل، كاتب موثق حسن الخط”…. ومن المدرسين “محمد بن هانئ اللخمي وهو “عالم مصنف شاعر بارع الخط”، ومحمد بن عبد المنعم الصناهي الذي “يقول الشعر”، ومحمد بن هارون الأموي “بارع مصنف شاعر”. ومن المحدثين محمد بن عبد المنعم، الذي كان السلطان أبو الحسن المريني يعترف له بـ”مكانة عالية في الحفظ”، وقاسم بن يوسف التجيبي السبتي “ناقد الأسانيد”، وقاسم بن أحمد بن عمران الحضرمي الذي بلغ في نقل الحديث مبلغا جعله يوصف بـ”ألا نظير له في المغرب”، أما محمد بن محمد بن المجراد الفنزاري فهو “محدث حافظ راوية له معرفة بالرجال والمغازي والسير”.
وقد اشتهرت سبتة بين مدن المغرب خلال الفترة المدروسة بـ”مكانة عالية في علوم اللغة” جعلت ابن الخطيب يسمّيها “بصرة علوم اللسان”، وكان بعد ذلك سلاطين المرينيين يستدعون أساتذة اللغة منها؛ مع اهتمام زاهر بالتاريخ والتصوف، وعلم الطب الذي من مدرسيه الأعلام محمد بن عبد المنعم الحميري، وفق المصدر المذكور.
تاريخ مغمور
يعرف بعض تاريخ سبتة المغربي بعض الحيف الذي طال أعلاما من المدينة، وهو ما تذكره دراسة حول رجالات سبتة المغمورين نشرت في مقالين بمجلة “دعوة الحق” الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، واعتمدت مرجعا لها مخطوطا بالخزانة الملكية هو مختصر “ترتيب المدارك” للقاضي عياض، الذي اختصره أبو عبد الله محمد البرنسي السبتي.
ويقدم هذا المرجع لوحده في فترة حياة عالم فرد سير عشرات الفقهاء والعلماء والأدباء السبتيين؛ من بينهم: “أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي السبتي (تـ 505 هـ). (…) قدم للشورى، وولى القضاء، وحاز الرئاسة، وكان حسن السيرة، وافر العقل، وكان يسمى الفقيه العاقل؛ درس الفقه، وعليه تفقه جميع فقهاء سبتة، وكان إمام المغرب في وقته”.
ومن المذكورين على سبيل المثال: “أبو محمد عبد الله بن منصور (ت 513هـ) (…) في ترجمته أنه قدم لاجتماع الجماعة عليه، واختيار قوله، وأنه كان ذا فهم وذكاء، ولي قضاء سبتة فأحسن السيرة، ثم نقل إلى قضاء الجماعة بالحضرة، (مراكش) ثم استعفى فعوفي، ثم ولي قضاء سبتة ـ ثانية، فبقي فيها إلى أن توفى قاضيا (…) أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن العجوز ( ـ 515هـ ): قال في حقه: كان عالما نبيلا، حسن الخط، بصيرا بالأحكام والوثائق، حضرت مجلسه في تدريس المدونة وغيرها، فما رأيت أحسن منه احتجاجا، ولا أبين منه توجيها. (…) أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأموي (ـ 520هـ): قال فيه: كان حافظا للمسائل، استظهر المختصر، وشاهدته في المناظرة يلقي الكتاب تحت كتبه، ويلقي من صدره، وكان كثير التحري للحق، مستعملا آثار السلف الصالح، كثير الاقتداء”.
ومن بين المصادر العلمية الموردة لأخبار علماء سبتة المغربية المحتلة، وتوارث المعرفة فيها والتعليم جيلا بعد جيل، ما يكشفه بحث “من بيوتات سبتة في القرن الثامن” لعبد السلام شقور المنشور في مجلة وزارة الأوقاف “دعوة الحق”، والبيوتات تعني العائلات العلمية: “الأنصاري أشار في كتابه ‘انتصار الأخبار’ إلى عدد من بيوتات سبتة، وفي ‘الكواكب الوقادة’ حسبما وصل إلينا من نقل عنه في النيل، وطبقات المالكية، إشارات إلى بعض بيوتات سبتة، وفي ‘بلغة الأمنية’ كذلك إشارات إلى بعضها، وفي ‘الإحاطة’ و’أوصاف الناس’ لابن الخطيب تراجم لعدد كبير من أبناء سبتة، وجلهم من أبناء القرن الثامن. والمتتبع لفهارسها هذه الحقبة بجد حضورا قويا لأبناء سبتة من أعيان القرن الثامن.
وقد ضمن المقري فيما بعد ما وقف عليه في المصادر المذكورة وفي غيرها من المجاميع والكنانيش من قواعد تخص أبناء البيوتات السبتية، وذلك في كتابه ‘أزهار الرياض’ ثم في ‘نفح الطيب”.
علماء سبتة المحتلة .. ذاكرة مغربية تقاوم محاولات العبث بتاريخ المدينة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة علماء سبتة المحتلة ذاكرة مغربية تقاوم محاولات العبث بتاريخ المدينة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ علماء سبتة المحتلة ذاكرة مغربية تقاوم محاولات العبث بتاريخ المدينة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، علماء سبتة المحتلة .. ذاكرة مغربية تقاوم محاولات العبث بتاريخ المدينة.
في الموقع ايضا :
- عاجل لبنان: مراسل الميادين في الجنوب: غارة من الطائرات الحربية الإسرائيلية استهدفت بلدة المنصوري في قضاء صور…
- «الشعب الجمهوري» يفتتح معرض «أهلاً مدارس» بنجع حمادي بأسعار مخفضة
- الجزائر: مصرع 12 شخصا جراء حرائق الغابات في 3 ولايات (فيديو)