(24) أغسطس حين أعاد الجيش تموضع قيادته ..اخبار محلية

سوداني نت - اخبار محلية

د. عبدالناصر سلم حامد سلم (*)

في الساعات الأولى من 24 أغسطس/آب 2023، كانت مرحلة كاملة من الحرب في الخرطوم تقترب من نهايتها بالنسبة إلى قائد الجيش السوداني. فمنذ اندلاع القتال في 15 أبريل، ظل الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان داخل نطاق القيادة العامة لأكثر من أربعة أشهر. وفي ذلك اليوم نفذت القوات المسلحة عملية عسكرية أخرجته من المنطقة، لتبدأ مرحلة مختلفة في حركة القائد العام ورئيس مجلس السيادة.

    قد يبدو الحدث، للوهلة الأولى، مجرد انتقال لقائد عسكري من منطقة قتال إلى أخرى أكثر أمناً. لكن قراءة ما حدث بهذه الصورة وحدها تفقد العملية جانباً مهماً من معناها. فالذي تغير في 24 أغسطس لم يكن موقع البرهان فقط؛ الذي تغير أيضاً هو المجال الذي أصبح مركز القرار قادراً على الحركة والعمل داخله.

    ظهر البرهان يومها وسط قوات الجيش في كرري ووادي سيدنا، ثم انتقل إلى عطبرة ومنها إلى بورتسودان. وخلال ساعات، أصبح القائد الذي ظل منذ بداية الحرب مرتبطاً جغرافياً بنطاق القيادة العامة قادراً على التحرك بين مواقع مختلفة داخل البلاد.

    لم تكن القيادة العامة مجرد مقر عسكري. فهي مركز قيادة القوات المسلحة، وتحمل في الذاكرة العسكرية السودانية قيمة رمزية كبيرة. وفي الوقت نفسه، كان الرجل الموجود داخلها يجمع بين منصبين شديدي الأهمية: قيادة القوات المسلحة ورئاسة مجلس السيادة. ولهذا لم يكن تأمين خروجه متعلقاً بسلامة قائد عسكري فقط، وإنما باستمرار حركة رأس القيادة العسكرية والسيادية في ظروف حرب معقدة.

    ومن هنا يبدو السؤال الأهم مختلفاً قليلاً. ليس فقط: كيف خرج البرهان؟ وإنما: كيف أخرج الجيش قائده، وماذا تغير عسكرياً بعد ذلك؟

    عملية نفذها الجيش

    منذ صباح 15 أبريل 2023 كانت القيادة العامة ومحيطها ضمن أكثر مناطق الخرطوم حساسية عسكرياً. ومع استمرار الحرب لأشهر، أصبح وجود القائد العام داخل هذه الجغرافيا جزءاً من معادلة المعركة نفسها. صحيح أن أجهزة الجيش وقياداته استمرت في أداء وظائفها، لكن حرية حركة رأس المؤسسة ظلت مرتبطة بظروف ميدان شديد التعقيد.

    جاء 24 أغسطس ليغير هذا الوضع. خرج البرهان من نطاق القيادة، وظهر في كرري ووادي سيدنا، ثم انتقل إلى عطبرة وبورتسودان. وتشير المصادر المنشورة إلى استخدام المروحية في مرحلة من تحركاته، خصوصاً في انتقاله إلى عطبرة، بينما لا تزال تفاصيل المرحلة الأولى من الخروج أقل وضوحاً في المصادر المفتوحة.

    وبعد أربعة أيام، تحدث البرهان في بورتسودان عن خروجه، ونفى أن يكون نتيجة صفقة أو مساعدة خارجية، وقال إن القوات المسلحة نفذت عملية شاركت فيها القوات البرية والجوية والبحرية. كما تحدث عن سقوط اثنين من أفراد القوات البحرية أثناء العملية.

    وهذه نقطة أساسية في فهم ما جرى: خروج البرهان لم يكن تحركاً فردياً؛ كان عملية نفذها الجيش لإخراج قائده.

    أما التفاصيل الدقيقة، فما يزال بعضها في دائرة الروايات التي ظهرت بعد العملية. فقد تحدثت إفادات مبكرة عن دور للاستخبارات العسكرية وهيئة العمليات، وعن دائرة محدودة كانت تعرف بالخطة، وتحركات للتمويه، واستعدادات سبقت التنفيذ، واختيار ساعات الفجر. وذهبت بعض الروايات إلى تحديد توقيت قريب من الثالثة أو الثالثة والنصف صباحاً.

    هذه التفاصيل مهمة، خصوصاً أنها ظهرت قريباً من الحدث، لكنها تحتاج إلى التعامل معها بحذر. فما لم تظهر أوامر العمليات وسجلات الوحدات وشهادات المخططين والمنفذين، سيظل من الصعب كتابة التسلسل الدقيق لتلك الساعات باعتباره حقيقة عسكرية مكتملة.

    لكن الصورة العامة تبدو أوضح. فحديث البرهان نفسه عن مشاركة القوات البرية والجوية والبحرية يشير إلى عملية تجاوزت دور فرع واحد من القوات المسلحة. وهذا مهم عند تقييمها عسكرياً، لأن نجاح مهمة حساسة من هذا النوع يعتمد في العادة على التنسيق والتأمين والاتصال، وليس فقط على الوسيلة التي استخدمت لنقل القائد في مرحلة من المراحل.

    ويظهر هنا دور القوات البحرية. فمنذ 25 أغسطس ظهرت شهادات تربط اسم النقيب بحري أواب محمد جابر بعمليات اللنشات والتأمين والتحرك عبر النيل، كما ورد اسم العريف بحري نزار جلكسي في السياق نفسه. ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع حديث البرهان لاحقاً عن سقوط اثنين من أفراد البحرية أثناء العملية.

    وحتى تظهر السجلات الرسمية، تبقى التفاصيل الفردية بحاجة إلى مزيد من التوثيق. لكن ذكر هؤلاء الرجال مهم لسبب آخر: الحروب كثيراً ما تُروى من خلال أسماء القادة، بينما يبقى الذين نفذوا الأوامر في الخلفية.

    وفي حالة 24 أغسطس، كانت هناك وحدات تحركت، وضباط وضباط صف وجنود تولوا مهام التنفيذ والتأمين، ومنهم من دفع حياته ثمناً للمهمة. ولهذا لن يكتمل تاريخ العملية بمعرفة الطريق الذي سلكه البرهان وحده. سيحتاج التاريخ يوماً إلى الإجابة عن أسئلة أخرى: من خطط؟ من أمّن؟ من نفذ؟ ومن دفع الثمن

    هنا نصل إلى الجانب الأكثر أهمية في العملية.

    في العلوم العسكرية، لا تقاس قوة الجيش بعدد جنوده أو حجم تسليحه وحدهما. هناك عنصر لا يقل أهمية هو القيادة والسيطرة: قدرة القيادة على معرفة ما يجري، والاتصال بالقوات، واتخاذ القرار، ثم تحويل ذلك القرار إلى أوامر يمكن تنفيذها في الميدان.

    ولهذا فإن إضعاف قيادة الخصم لا يتطلب دائماً الوصول إلى القائد نفسه. أحياناً يكفي تعطيل الاتصالات، أو عزل مركز القرار، أو تقييد حركة القيادة، أو إبطاء وصول المعلومات والأوامر. فالنتيجة في النهاية واحدة: تقليل قدرة المؤسسة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

    وفي الحرب، لا تقل سرعة القرار أهمية عن القرار نفسه؛ لأن المعلومة التي تصل متأخرة، والأمر الذي يصدر بعد تغير الموقف، قد يفقدان قيمتهما مهما كانت دقتهما.

    ومن هذه الزاوية يمكن فهم حساسية وجود البرهان داخل نطاق القيادة العامة. فقد كان الرجل قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة في الوقت نفسه. وبقاء المقر والقائد وجزء مهم من مركز القرار مرتبطين بجغرافيا واحدة يعني، من منظور إدارة المخاطر، أن قدراً كبيراً من الأهمية العسكرية والسيادية أصبح مركزاً في مساحة تتعرض لضغط الحرب.

    وهذا لا يعني أن وجود القائد وسط قواته كان بلا قيمة؛ على العكس، كان لذلك الحضور وزنه المعنوي والعسكري. لكن استمرار الحرب لأشهر يجعل حرية حركة القيادة مسألة مختلفة. فالقائد يحتاج إلى القدرة على الانتقال والاتصال ومتابعة أكثر من جبهة، كما تحتاج المؤسسة إلى ألا يصبح موقع واحد هو العامل الذي يحدد المساحة المتاحة لقرارها.

    بهذا المعنى، خففت عملية 24 أغسطس من تركز المخاطر في مكان واحد. بقيت القيادة العامة في موقعها محتفظة بأهميتها العسكرية والرمزية، لكن وجود القائد داخلها لم يعد شرطاً لممارسة القيادة.

    وهنا يظهر الفرق بين مجرد الإخلاء وبين إعادة التموضع.

    الإخلاء يعني، في أبسط صوره، إخراج شخص أو قوة من منطقة خطر. أما إعادة التموضع فتعني نقل عنصر من عناصر القوة إلى وضع يسمح له بأداء وظيفته بصورة أفضل. وهذا ما يمنح عملية 24 أغسطس معناها الأوسع؛ فالنتيجة لم تكن فقط أن البرهان أصبح خارج منطقة القتال المباشر، بل إنه أصبح قادراً على الحركة بين مواقع الجيش وممارسة مهامه من مساحة أوسع.

    وربما كانت هذه أهم نتيجة للعملية. بقيت القيادة العامة تؤدي دورها، لكن مكان وجود القائد لم يعد مطابقاً بالضرورة لمكان وجود المقر، كما لم يعد المجال الذي يعمل منه مركز القرار محصوراً داخل جغرافية واحدة.

    وبهذا يمكن تقييم العملية على مستويين. الأول عملياتي: الجيش نجح في إخراج قائده من منطقة شديدة التعقيد. والثاني أوسع، ويتعلق باستمرارية القيادة؛ إذ أصبحت أمام رأس المؤسسة مساحة أكبر للحركة والاتصال واتخاذ القرار.

    من النتيجة العسكرية إلى الحركة السياسية

    لم يحتج أثر العملية إلى وقت طويل حتى يظهر. ففي 24 أغسطس انتقل البرهان إلى وادي سيدنا ثم عطبرة وبورتسودان، وفي 29 أغسطس وصل إلى مصر والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي في أول رحلة خارجية له منذ اندلاع الحرب.

    خمسة أيام فقط فصلت بين وجود القائد العام ورئيس مجلس السيادة داخل نطاق معركة الخرطوم وبين ظهوره خارج السودان يمارس نشاطاً سياسياً ودبلوماسياً.

    ولا يعني ذلك أن عملية الخروج وحدها صنعت كل ما حدث سياسياً بعدها، لكن العلاقة بين الأمرين واضحة من ناحية حرية الحركة. فالوظيفة العسكرية التي استعاد صاحبها مجالاً أوسع للحركة كانت مرتبطة في الشخص نفسه بوظيفة سيادية. ولهذا فإن النتيجة التي بدأت عسكرية امتد أثرها بطبيعة الحال إلى المجال السياسي والدبلوماسي.

    ويمكن النظر إلى المسار: القيادة العامة – وادي سيدنا – عطبرة – بورتسودان – القاهرة، بوصفه تعبيراً عن هذا التحول. لم تكن المسألة مجرد مسافة قطعها البرهان، بل اتساعاً سريعاً في الجغرافيا التي أصبح رأس القرار قادراً على العمل داخلها.

    ومع ذلك، لا ينبغي تحميل 24 أغسطس أكثر مما يحتمل. العملية لم تحسم الحرب، ولم تغير في ذلك اليوم خريطة السيطرة العسكرية بصورة جذرية. لكن هذا ليس المعيار الوحيد لقياس أهميتها.

    لم تتغير خريطة السيطرة بصورة حاسمة في 24 أغسطس، لكن خريطة حركة مركز القرار تغيرت.

    من العملية إلى الدرس العسكري

    بعد ثلاثة أعوام، تبدو نتيجة العملية أوضح من كثير من تفاصيل تنفيذها. فما زالت هناك أسئلة لن تجيب عنها الروايات المتفرقة وحدها: من وضع الخطة النهائية؟ كيف توزعت الأدوار بين الوحدات؟ ما المسار الدقيق للمرحلة الأولى؟ ومن هم جميع الضباط وضباط الصف والجنود الذين شاركوا أو سقطوا أثناء التنفيذ

    الإجابة الحقيقية تحتاج إلى وثائق القوات المسلحة وسجلات الوحدات وشهادات الرجال الذين كانوا هناك. وقد تثبت هذه المواد بعض ما يتداول اليوم، وقد تصحح بعضه الآخر. وهذا أمر طبيعي في كتابة التاريخ العسكري؛ فالرواية التي تولد أثناء الحرب ليست دائماً الرواية نفسها التي تستقر بعد فتح الوثائق.

    لكن ما تسمح به الوقائع المتاحة هو قراءة 24 أغسطس باعتباره أكثر من مجرد خروج لقائد من منطقة قتال. واجهت القوات المسلحة تحدياً عملياتياً يتعلق بحرية حركة رأس القيادة وضمان استمرارية القرار، ونفذت عملية أخرجت قائدها من نطاق القتال المباشر ووسعت المجال الذي يستطيع مركز القرار العمل منه.

    ولذلك فإن القيمة العسكرية للعملية لا تقاس فقط بالمسافة التي قطعها البرهان في ذلك اليوم، وإنما بما أصبح ممكناً بعد وصوله: الحركة بين مراكز الجيش، والاتصال من مساحة أوسع، ثم ممارسة مهامه السيادية خارج مسرح الخرطوم.

    وسيظل هناك جانب آخر لا يقل أهمية. فحين تُفتح سجلات العملية، لن يكون المطلوب فقط معرفة كيف خرج البرهان، وإنما إعادة أسماء الرجال الذين خططوا وأمّنوا ونفذوا إلى مكانها في القصة.

    عندها سيصبح بالإمكان كتابة 24 أغسطس كما ينبغي أن يُكتب في التاريخ العسكري: ليس قصة قائد غادر موقعاً فحسب، بل قصة جيش أخرج قائده، وحافظ على استمرارية قيادته، وأعاد توزيع المخاطر في واحدة من أكثر مراحل الحرب تعقيداً.

    وهنا، تحديداً، تكمن دلالة 24 أغسطس في تاريخ هذه الحرب: لم يتغير موقع القائد وحده، بل تغيرت العلاقة بين المقر والقائد ومركز القرار، وأثبت الجيش أن جغرافيا المعركة لا ينبغي أن تصبح هي نفسها جغرافيا القرار.

     

    (*) كبير الباحثين في مركز فوكس للدراسات- السويد – برنامج شرق افريقيا

    (24) أغسطس حين أعاد الجيش تموضع قيادته سوداني نت.

    مشاهدة 24 أغسطس حين أعاد الجيش تموضع قيادته

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ 24 أغسطس حين أعاد الجيش تموضع قيادته قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سوداني نت ( السودان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، (24) أغسطس حين أعاد الجيش تموضع قيادته.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار