حرب العضّ على الأصابع: الحصار الاقتصادي الأميركي وحدود الناب الإيراني ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
حرب العضّ على الأصابع: الحصار الاقتصادي الأميركي وحدود الناب الإيراني
كتب -  زياد فرحان المجالي – عمّان لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس فقط بما يجري في السماء، ولا بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنشآت التي تتعرض للقصف. فخلف المشهد العسكري الصاخب تجري حرب أخرى أكثر هدوءًا وأطول نفسًا، تستخدم فيها واشنطن الدولار والمصارف والتأمين وشبكات التجارة الدولية بدل القاذفات، فيما ترد طهران بالنفط والجغرافيا ومضيق هرمز وشبكات الالتفاف التي بنتها خلال عقود من العقوبات. إنها، في جوهرها، حرب عضّ على الأصابع؛ لا يبحث فيها كل طرف فقط عن إيلام خصمه، بل عن الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها استمرار الألم أكثر كلفة من تقديم التنازل. التحول الأميركي الأخير في التعامل مع إيران يكشف أن واشنطن لم تعد تراهن على العقوبات بوصفها وسيلة لخفض صادرات النفط فحسب، بل تسعى إلى ضرب الدورة المالية التي تسمح لطهران بتحويل مواردها إلى قوة قابلة للاستخدام. فالمشكلة الحقيقية بالنسبة لإيران ليست غياب النفط والغاز، وإنما القدرة على بيع هذه الموارد، وتحصيل أثمانها، وتحويل العائدات إلى عملات صعبة، ثم إعادة إدخالها إلى الاقتصاد لتمويل الواردات والصناعة والخدمات ومؤسسات الدولة. من هنا أصبحت المعركة حول السيولة بقدر ما هي معركة حول النفط. فالدولة قد تمتلك ملايين البراميل، لكنها إذا عجزت عن تحويلها إلى أموال قابلة للاستخدام، أو اضطرت إلى بيعها بخصومات كبيرة عبر وسطاء وشركات واجهة، فإن جزءًا مهمًا من قيمتها الاقتصادية والسياسية يتآكل قبل أن تصل عائداتها إلى الداخل. وهنا تضرب واشنطن. إضعاف الريال، تضييق التحويلات المصرفية، ملاحقة الشركات والناقلات والوسطاء، والضغط على الدول والشركات التي تتعامل مع إيران، كلها حلقات في استراتيجية واحدة هدفها جعل كل دولار يدخل إلى طهران أكثر صعوبة، وكل دولار يخرج منها أكثر كلفة. لكن آثار هذا الخنق لا تتوقف عند حسابات الحكومة والبنك المركزي. عندما تتراجع قيمة العملة ترتفع أسعار السلع المستوردة، وتزداد كلفة المواد الأولية وقطع الغيار، ويتراجع الاستثمار، وتتعثر الصناعات، ويتآكل دخل المواطن. وحين يستمر ذلك، تنتقل العقوبات تدريجيًا من الضغط على الدولة إلى الضغط على المجتمع، ومن الأزمة المالية إلى أزمة معيشية وثقة داخلية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي. فالهدف ليس بالضرورة إسقاط النظام الإيراني بضربة اقتصادية واحدة، وإنما دفع القيادة إلى نقطة تضطر عندها للاختيار بين تمويل التزاماتها العسكرية والإقليمية وبين حماية الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الداخل. لكن هنا أيضًا تبدأ حدود القوة الأميركية. فإيران ليست دولة تتعرف إلى العقوبات للمرة الأولى. منذ أكثر من أربعة عقود، طورت الجمهورية الإسلامية شبكة كاملة للعيش خارج النظام المالي التقليدي: شركات واجهة، وسطاء، تجارة مقايضة، صرافة غير رسمية، ناقلات تغير أسماءها وأعلامها ومساراتها، وتسويات مالية لا تمر كلها عبر الدولار. هذه الآليات لا تجعل الاقتصاد الإيراني طبيعيًا أو مزدهرًا، لكنها تمنحه قدرة على البقاء. وهذا فرق مهم. فالدولة لا تحتاج في أوقات الحصار إلى اقتصاد ناجح بالمعنى التقليدي بقدر حاجتها إلى اقتصاد يمنع انهيار مؤسساتها الأساسية. ويمكن للنظام أن يؤجل مشاريع تنموية، ويخفض الإنفاق المدني، ويشد الحزام على المجتمع، بينما يمنح الأولوية للأجهزة الأمنية والعسكرية والقطاعات التي يعتبرها ضرورية لاستمرار الدولة. ولهذا فإن القول إن العقوبات ستؤدي تلقائيًا إلى انهيار سياسي يبقى استنتاجًا أكبر من الأدلة المتاحة. السؤال الحقيقي ليس: هل تتألم إيران؟ الإجابة واضحة: نعم. بل السؤال: هل يصبح الألم الاقتصادي أقوى من قدرة النظام على توزيعه وامتصاصه؟ وهنا تدخل الصين في قلب المعركة. فكل برميل إيراني يجد مشتريًا، وكل صفقة تستطيع تجاوز الدولار، وكل مصرف أو وسيط يقبل تحمل مخاطر التعامل مع طهران، يمثل ثقبًا في جدار العقوبات. لذلك لا يجري الصراع الاقتصادي في طهران وواشنطن وحدهما، بل يمتد إلى بكين وإسطنبول وبغداد وإسلام آباد ومسقط وموانئ وشركات في دول ثالثة. واشنطن تدرك أن الحصار الكامل على إيران مستحيل إذا ظلت أبواب الاقتصاد الآسيوي مفتوحة أمامها ولو جزئيًا. ولهذا توسعت العقوبات من استهداف إيران إلى استهداف من يساعدها على البيع والتحويل والشحن والتأمين. أما إيران، فتعتمد على أن العالم ليس كتلة سياسية واحدة، وأن المصالح الاقتصادية للصين ودول آسيوية وإقليمية قد تمنع الولايات المتحدة من إحكام الطوق إلى نهايته. لكن لطهران ورقة أخرى أكثر خطورة من المصارف وشبكات الالتفاف: مضيق هرمز. فكلما ضاقت الخيارات الاقتصادية الإيرانية، ازدادت قيمة الجغرافيا. إيران تعرف أن الضغط عليها لا يجري في فراغ. فهرمز واحد من أكثر شرايين الطاقة حساسية في العالم، وأي اضطراب واسع في الملاحة عبره يستطيع أن يرفع أسعار النفط والتأمين والنقل، ويحول جزءًا من كلفة خنق إيران إلى فاتورة يدفعها الآخرون. وهذه هي المفارقة الأساسية في الاستراتيجية الأميركية: واشنطن تستطيع أن ترفع كلفة بقاء إيران، لكن طهران تستطيع بدورها أن ترفع كلفة الضغط عليها. ولهذا لا تستخدم إيران هرمز بالضرورة عبر إغلاقه بالكامل؛ يكفي أحيانًا إبقاء احتمال تعطيله قائمًا حتى يتحول الخطر نفسه إلى أداة ردع. غير أن هذه الورقة ليست بلا حدود. فالسعودية والإمارات وغيرهما من دول المنطقة تعمل منذ سنوات على تقليل اعتمادها الكامل على المضيق، سواء عبر خطوط الأنابيب المتجهة نحو البحر الأحمر أو إلى بحر عُمان، أو عبر توسيع قدرات التخزين والموانئ البديلة. وهذا التحول يحمل مفارقة أخرى لإيران: كلما بالغت في استخدام هرمز ورقة ضغط، دفعت جيرانها إلى استثمار المزيد في تجاوز هرمز. أي أن السلاح الجغرافي الذي يمنح طهران قوة اليوم قد يؤدي مع الزمن إلى تقليص هذه القوة نفسها. وفي موازاة حرب العقوبات وهرمز، تتحرك الدبلوماسية. عُمان وباكستان وقطر وغيرها تحاول إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة، لأن الأطراف الإقليمية تدرك أن استمرار التصعيد الاقتصادي والعسكري يمكن أن يخرج سريعًا عن السيطرة. لكن التفاوض هنا ليس إعلانًا عن نهاية المواجهة، بل ساحة أخرى منها. واشنطن تريد أن تحول الضغط إلى تنازلات. وطهران تريد أن تحول التفاوض إلى أكسجين. فأي إعفاء محدود، أو تخفيف مؤقت، أو قناة مالية، أو فرصة إضافية لتصدير النفط، يمكن أن تمنح إيران الوقت الذي تحتاج إليه لإعادة ترتيب أوراقها. لهذا يصبح الزمن نفسه سلاحًا. الأميركي يريد تسريع الاختناق قبل أن تتوسع منافذ الالتفاف. والإيراني يريد إبطاء الاختناق حتى تتغير الظروف أو تتراجع شهية واشنطن وحلفائها للاستمرار. إننا إذن لا نقف أمام حرب اقتصادية تقليدية، بل أمام مواجهة معقدة بين قوة تملك مفاتيح النظام المالي العالمي، ودولة بنت جزءًا كبيرًا من خبرتها السياسية والاقتصادية على كيفية العيش خارجه. واشنطن تملك العقوبات والمصارف والدولار والتأمين. وطهران تملك النفط والجغرافيا وهرمز وشبكات الالتفاف وقدرة عالية على تحميل مجتمعها جزءًا كبيرًا من كلفة المواجهة. ولذلك فإن الخطر في القراءة المتسرعة يكمن في الخلط بين القدرة على إيلام الخصم والقدرة على إجباره على الاستسلام. العقوبات تستطيع إنهاك إيران، لكنها لا تضمن وحدها تغيير قرارها السياسي. وإيران تستطيع إيذاء أسواق الطاقة ورفع كلفة المواجهة، لكنها لا تستطيع الهروب إلى ما لا نهاية من آثار العزلة والتضخم وتراجع العملة. وهكذا تبدو المرحلة المقبلة أقل شبهًا بضربة قاضية وأكثر شبهًا باختبار للإرادات. من يستطيع تحمل الألم مدة أطول؟ من يحافظ على جبهته الداخلية؟ ومن يستطيع أن يجعل كلفة استمرار خصمه أعلى من كلفة التراجع؟ تلك هي الأسئلة التي ستحدد نهاية هذه الجولة، لا عدد الصواريخ وحده ولا حجم العقوبات وحدها. إنها ليست معركة من يملك القبضة الأقوى فقط، بل من يضطر أولًا إلى فتح أصابعه. .

مشاهدة حرب العض على الأصابع الحصار الاقتصادي الأميركي وحدود الناب الإيراني

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حرب العض على الأصابع الحصار الاقتصادي الأميركي وحدود الناب الإيراني قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حرب العضّ على الأصابع: الحصار الاقتصادي الأميركي وحدود الناب الإيراني.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار