هل يمكن جعل وزارة المالية «وزارة سيادية» وإبعادها عن التوازنات الحزبية؟ في التفاصيل، يفرض التحول المتسارع في طبيعة الدولة الحديثة إعادة النظر في موقع وزارة الاقتصاد والمالية داخل بنية القرار العمومي المغربي، ليس من زاوية التسمية فقط، وإنما من زاوية طبيعة المسؤولية التي تتحملها هذه الوزارة وحساسية الملفات التي توجد تحت إشرافها.
وإذا كان المقصود بـ«وزارة سيادية» أن تكون وزارة الاقتصاد والمالية بعيدة عن منطق المحاصصة الحزبية، وأن يتولى حقيبتها مسؤول تكنوقراطي يتمتع بالكفاءة والخبرة والاستقلالية المهنية، ويعين وفق الآليات الدستورية التي تجعل لجلالة الملك سلطة التعيين في الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة، فإن هذا الطرح يستحق نقاشاً دستورياً ومؤسساتياً جاداً.
فالدستور المغربي لا يتضمن تصنيفا قانونيا مغلقا للوزارات إلى «سيادية» و«غير سيادية»، وبالتالي فإن إطلاق هذه التسمية لا ينشئ، في حد ذاته، مركزا دستوريا جديدا.
لكن الدستور يمنح الملك موقعا محوريا في القضايا الاستراتيجية، كما أن الفصل 49 يجعل المجلس الوزاري مجالا للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، والنظام الضريبي، ونظام الجمارك، والنظام البنكي، وغيرها من القضايا ذات الصلة المباشرة بالسيادة الاقتصادية للدولة.
ومن هنا، فإن خصوصية وزارة المالية لا تحتاج بالضرورة إلى تعديل دستوري يمنحها لقب «وزارة سيادية»، وإنما يمكن أن تترجم سياسيا ومؤسساتيا من خلال طبيعة المسؤول الذي يتولى تدبيرها.
فالمالية العمومية ليست ملفا حزبيا بالمعنى الضيق. إنها الإطار الذي تمول من خلاله الدولة بكل مؤسساتها وسياساتها العمومية. وزير المالية يتعامل مع إعداد وتنفيذ قانون المالية، والموارد الجبائية، والجمارك، والدين العمومي، والتوازنات الماكرو-اقتصادية، والبرمجة المالية، والاستثمار العمومي، والاستدامة المالية، وهي ملفات تتجاوز في آثارها الزمن الانتخابي والحسابات الحزبية.
ولهذا يمكن طرح تصور مؤسساتي يقوم على أن تكون وزارة الاقتصاد والمالية من القطاعات التي يُراعى فيها، قبل الاعتبارات الحزبية، معيار الكفاءة الوطنية والخبرة الاقتصادية والمالية والقدرة على تدبير الملفات الاستراتيجية.
وهنا لا يتعلق الأمر بسحب الوزارة من الحكومة أو تحويلها إلى سلطة فوقها، فهذا سيكون غير منسجم مع المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان ومع مبدأ وحدة العمل الحكومي. المقصود هو أن يكون وزير المالية، رغم وجوده داخل الحكومة، مسؤولا تكنوقراطيا ذا وظيفة استراتيجية، لا ممثلا حزبيا يضع الاعتبارات التنظيمية والانتخابية فوق مقتضيات الاستقرار المالي للدولة.
إن الفرق جوهري بين «وزارة خارج الحكومة» و«وزارة داخل الحكومة ولكن بعيدة عن منطق التموقع الحزبي».
التصور الثاني هو الأكثر قابلية للانسجام مع النظام الدستوري المغربي.
فالحكومة تظل حكومة سياسية مسؤولة عن تنفيذ البرنامج الحكومي، والبرلمان يظل صاحب الاختصاص التشريعي والرقابي، والملك يمارس اختصاصاته الدستورية، بينما يتولى وزير الاقتصاد والمالية تدبير الوظيفة المالية للدولة بمنطق مهني وتقني واستراتيجي، مع خضوعه الكامل للمساءلة القانونية والسياسية والمؤسساتية.
بل إن هذا النموذج قد يعزز مبدأ الاستمرارية في السياسات المالية. فالمالية العمومية لا ينبغي أن تتغير بوصلتها جذريا كلما تغيرت التحالفات الحكومية أو تبدلت موازين القوى داخل الأحزاب. هناك التزامات مالية طويلة الأمد، وبرامج استثمارية، واستراتيجيات اقتصادية، ومديونية، وإصلاحات ضريبية، وتوازنات مالية تحتاج إلى رؤية تتجاوز دورة انتخابية واحدة.
ومن هذه الزاوية، فإن إسناد حقيبة المالية إلى تكنوقراطي لا يعني إقصاء الأحزاب من الدولة، ولا الانتقاص من دور الحكومة المنتخبة، وإنما يعني وضع حد فاصل بين التنافس السياسي المشروع وبين التدبير المهني لمجالات ترتبط مباشرة باستمرارية الدولة وأمنها الاقتصادي.
ويمكن أن ينطبق المنطق نفسه، بدرجات مختلفة، على عدد من القطاعات الاستراتيجية التي تتطلب استقراراً مؤسساتياً وخبرة تقنية عالية.
لكن ينبغي الانتباه إلى نقطة دستورية أساسية: القول إن الوزير «يُعيَّن من طرف جلالة الملك» لا ينبغي أن يُفهم على أنه تجاوز للفصل 47 من الدستور. فالملك يعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة، مع مراعاة الحالات والآليات الدستورية المنصوص عليها. وبالتالي، فإن أي تصور لإبعاد وزارة المالية عن التسييس يجب أن يظل داخل الهندسة الدستورية القائمة، لا خارجها.
وهنا تحديدا يمكن أن يكون الإصلاح الحقيقي في الثقافة السياسية المغربية: الانتقال من منطق «من يمثل الحزب في الوزارة؟» إلى سؤال أكثر مؤسساتية: «من هو الأكثر قدرة على تدبير الوظيفة الاستراتيجية للدولة؟».
فوزارة المالية ليست جائزة سياسية، وليست مجرد حقيبة تفاوضية داخل الأغلبية الحكومية.
إنها وزارة تمسك بجزء أساسي من القدرة الفعلية للدولة على تنفيذ اختياراتها.
ومن ثم، فإن منحها وضعية سياسية ومؤسساتية خاصة، من خلال تقليص حضور المنطق الحزبي في اختيار وزيرها وتعزيز معيار الكفاءة والخبرة والاستقلالية المهنية، يمكن أن يشكل مدخلا لتطوير مفهوم «السيادة المالية» في المغرب.
السيادة المالية تعني أن تملك الدولة قدرة مستدامة على تعبئة مواردها، وتمويل أولوياتها، والتحكم في مديونيتها، حماية توازناتها، توجيه استثماراتها، ومواجهة الصدمات الخارجية دون أن تفقد هامش قرارها الاستراتيجي.
وفي عالم أصبحت فيه أدوات الضغط الاقتصادي والمالي جزءا من التنافس الجيوسياسي، لم تعد السيادة مرتبطة فقط بالحدود والدفاع والدبلوماسية. فالقدرة على تمويل الدولة، وحماية استقرار العملة والمالية العمومية، وتأمين الموارد، والتحكم في الخيارات الاقتصادية الكبرى، أصبحت مكونات أساسية من مفهوم الأمن الوطني الشامل.
لذلك، فإن النقاش حول «وزارة مالية سيادية» ينبغي ألا يتحول إلى معركة حول الاسم.
الأهم هو إعادة تعريف موقع وزارة الاقتصاد والمالية باعتبارها إحدى مؤسسات الأمن الاقتصادي للدولة، وإرساء تقليد سياسي يجعل حقيبتها أقرب إلى الكفاءة الوطنية والتكنوقراطية المتخصصة منها إلى التوازنات الحزبية.
وبذلك يمكن أن تبقى الوزارة جزءاً من الحكومة، وخاضعة للبرلمان والقانون وآليات المحاسبة، وفي الوقت نفسه تحافظ على درجة عالية من الاستقرار والاستمرارية المهنية.
فالسيادة لا تعني غياب الرقابة، والتكنوقراطية لا تعني غياب المسؤولية السياسية، وإبعاد الوزارة عن المحاصصة الحزبية لا يعني إخراجها من النظام الدستوري.
المعادلة الصحيحة هي: وزارة مالية قوية، وزير كفء ومستقل مهنيا، حكومة مسؤولة، برلمان يراقب، وملك يمارس اختصاصاته الدستورية والاستراتيجية.وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نمنح وزارة المالية لقب «وزارة سيادية»؟
بل: هل نحن مستعدون لجعل تدبير وزارة المالية العمومية وظيفة استراتيجية للدولة، لا ورقة من أوراق التفاوض الحزبي؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن منح هذه وزارة المالية مكانة خاصة في الممارسة السياسية، وإسنادها إلى كفاءات تكنوقراطية وفق الآليات الدستورية، يمكن أن يكون أحد مداخل بناء دولة أكثر استقراراً في قرارها المالي وأكثر قدرة على حماية سيادتها الاقتصادية.
هل يمكن جعل وزارة المالية «وزارة سيادية» وإبعادها عن التوازنات الحزبية؟ أنا الخبر - Analkhabar.
مشاهدة هل يمكن جعل وزارة المالية laquo وزارة سيادية raquo وإبعادها عن التوازنات
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل يمكن جعل وزارة المالية وزارة سيادية وإبعادها عن التوازنات الحزبية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنا الخبر ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل يمكن جعل وزارة المالية «وزارة سيادية» وإبعادها عن التوازنات الحزبية؟.
في الموقع ايضا :
- عدن.. وزارة التربية والتعليم تعلن نتائج اختبارات الثانوية العامة “أسماء الأوائل”
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: هل تنقذ واشنطن المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية بعد اصطدامها بعقدة السلاح؟
- الخرطوم تستغرب مواقف تشاد وتحذر من روايات غير مكتملة