الشيخ مصطفى صبري: من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
الشيخ مصطفى صبري: من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم

أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس

مولده ونشأته ودراسته: 

    ولد الشيخ مصطفى صبري سنة 1869م في مدينة توقاد بالأناضول في بيت عرف بحب العلم والعناية بالتربية الدينية. وفي تلك البيئة المحافظة تفتحت مداركه الأولى، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ولاحت عليه منذ حداثته مخايل النجابة وأمارات النبوغ، فجمع إلى قوة الحفظ سرعة الفهم وتوقد الذهن وشغفا بالعلم ظل ملازما له طوال حياته.

    استهل رحلته العلمية في مسقط رأسه، فتلقى مبادئ العلوم الشرعية والعربية على علماء توقاد، وكان من أبرز شيوخه فيها الشيخ أحمد أفندي زوني زاده. ثم حمله التطلع إلى مزيد من التحصيل على الرحلة إلى مدينة قيصري، إحدى الحواضر العلمية المعروفة في الأناضول آنذاك، فلازم الشيخ محمد أمين أفندي الديوركي، المعروف بداماد الحاج طرون أفندي، وأخذ عنه حظا وافرا من علوم الشريعة واللغة.

    ولم يقف طموحه عند حدود قيصري، بل شد الرحال إلى الآستانة، حاضرة الخلافة العثمانية وملتقى العلماء وطلاب المعرفة، فواصل دراسته في رحاب جامع السلطان محمد الفاتح، وأخذ عن طائفة من كبار علماء عصره، وفي مقدمتهم الشيخ محمد عاطف أفندي الإستانبولي والشيخ أحمد عاصم أفندي. وقد توثقت صلته بالأخير، فغدت العلاقة بينهما أبعد من صحبة العلم والتلمذة، إذ تزوج مصطفى صبري ابنته واستقر به المقام في العاصمة العثمانية.

    وسرعان ما أثمرت رحلته في الطلب والتحصيل، ففي سنة 1890م اجتاز امتحان الرؤوس، وهو لم يزل في مقتبل العمر، فعين مدرسا في جامع السلطان محمد الفاتح لينتقل من مجالس التلقي إلى حلقات التعليم، ويشرع في أداء رسالته العلمية بين أروقة واحد من أشهر جوامع الآستانة.

    ومع رسوخ قدمه في العلم، اتسعت دائرة حضوره في الحياة العلمية العثمانية، فاختير للمشاركة في دروس الحضور، تلك المجالس العلمية الرفيعة التي كانت تعقد بحضرة السلطان ويجلس فيها صفوة علماء الدولة، كما عهد إليه بتدريس التفسير والحديث، وتولى تدريس الحديث الشريف في المدرسة السليمانية.

    وإلى جانب الدرس والتعليم، كان للقلم نصيب وافر من حياته، فقد انخرط في ميدان الكتابة والصحافة العلمية، وتولى رئاسة الجمعية العلمية الإسلامية، وأسهم بقلمه في مجلتها بيان الحق، فبرز عالما وكاتبا ومحاورا ذا حضور في القضايا العلمية والفكرية التي كانت تشغل المجتمع العثماني في تلك المرحلة المضطربة من تاريخه.

    اكتمل لمصطفى صبري، وهو لا يزال في ريعان شبابه، تكوين علمي جمع بين أصالة التلقي، ورحابة الاطلاع، وتجربة التدريس، وممارسة الكتابة والفكر. وكان ذلك كله تمهيدا لمسيرة حافلة ستنقله من حلقات العلم في توقاد وقيصري والآستانة إلى صدارة المشهد الديني والفكري في الدولة العثمانية حتى انتهى به المطاف إلى منصب شيخ الإسلام في واحدة من أدق مراحل تاريخ الدولة وأشدها اضطرابا.

    على كرسي التدريس في جامع الفاتح: 

    لم يكن كرسي التدريس في جامع السلطان محمد الفاتح مقاما يناله كل متصدر للعلم، بل كان منزلة رفيعة تحيطها المشيخة الإسلامية بدقة الاختيار وصرامة الامتحان. وحين فتح باب التنافس عليه، تقدم نحو ثلاثمائة عالم، فلم يظفر بالنجاح منهم سوى ثلاثين، وكان مصطفى صبري أصغرهم سنا.

    وما إن جلس إلى حلقات الفاتح حتى أخذ نجمه يسطع في سماء الآستانة العلمية، فقد جمع بين رسوخ العلم وقوة البيان، وبين دقة النظر وحسن الإفهام، فالتف حوله الطلاب، وذاع صيته، وتجاوز أثره أروقة الجامع إلى الصحف والمحافل الفكرية حيث خاض بقلمه قضايا عصره مناظرا ومدافعا عما يراه حقا.

    ثم اختير للعمل في مكتبة قصر يلدز في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فوجد بين خزائنها العامرة ونفائسها العلمية ميدانا رحبا للقراءة والبحث. وهناك ازدادت معارفه اتساعا، واجتمع له درس العلماء، وتجربة التعليم، وسعة المطالعة، ومراس الكتابة والمناظرة، فتهيأت شخصيته العلمية لتغدو فيما بعد واحدة من أبرز الشخصيات في أواخر العهد العثماني حضورا في ميادين العلم والفكر وقضايا الأمة.

    شيخا للإسلام ورئيسا للوزراء بالنيابة: 

    بلغ الشيخ مصطفى صبري ذروة مجده الرسمي حين تقلد منصب شيخ الإسلام سنة 1919م في عهد السلطان محمد السادس وحيد الدين، والدولة العثمانية تعبر واحدة من أحلك ساعات تاريخها، فقد وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وتركت الدولة مثخنة بجراح الهزيمة، تتنازعها الضغوط من الخارج والاضطرابات من الداخل، وتلوح في الأفق نذر الأفول.

    وفي قلب تلك العاصفة، وجد الشيخ مصطفى صبري نفسه أمام أمانة تتجاوز حدود الفتوى والشأن الديني إلى صميم مصير الدولة وهويتها. ثم ازدادت أعباؤه حين غادر الصدر الأعظم الداماد فريد باشا إلى باريس، فنهض برئاسة مجلس الوزراء بالنيابة جامعا بين مشيخة الإسلام والقيام بأعباء رئاسة الحكومة في ظرف بالغ الدقة.

    غير أن صعود الحركة الوطنية في الأناضول بقيادة مصطفى كمال فتح فصلا جديدا من حياته، إذ وقف في مواجهتها موقفا حازما، لما كان يراه في مسارها من خطر على الخلافة والمرجعية الإسلامية. ومع تبدل موازين القوى ورجحان كفة الحركة الوطنية، ضاقت به السبل واشتد عليه الخناق، لكنه ظل ثابتا على رؤيته مدافعا عنها حتى غدا بقاؤه في وطنه محفوفا بالمخاطر.

    رحيله عن تركيا وحياة المنفى: 

    في سنة 1922م، والدولة العثمانية تسدل الستار على آخر فصولها، غادر الشيخ مصطفى صبري وطنه الذي شهد مولده وتكوينه وصعوده إلى مشيخة الإسلام لتبدأ في حياته رحلة طويلة من المنافي حمل فيها قلمه وفكره وذاكرة عالم كان بالأمس في قلب الدولة، ثم أصبح بعيدا عنها يتابع من وراء الحدود تحولات وطنه وتقلبات زمانه.

    تنقل بين مصر ولبنان والحجاز ورومانيا واليونان، واستقر حينا في غومولجينة بتراقيا الغربية، حيث أصدر مع ابنه إبراهيم صحيفة يارن، وجعل منها منبرا يبث فيه آراءه، ويناقش التحولات التي أعقبت قيام الجمهورية، ويدافع عن رؤيته للشريعة والخلافة والمرجعية الإسلامية.

    وبعد سنوات أثقلها الترحال ومرارة الاغتراب، عادت به الرحلة إلى مصر سنة 1932م، فاتخذ القاهرة مستقرا أخيرا. وهناك توارى رجل السياسة شيئا فشيئا ليتقدم العالم والمفكر والمناظر، فأقبل على البحث والتأليف، وخاض معارك فكرية واسعة في قضايا العقيدة والفلسفة والتجديد والتغريب.

    جهاد القلم والفكر في القاهرة: 

    لم تكن القاهرة في حياة الشيخ مصطفى صبري مرفأ يستريح فيه من عناء المنافي، بل كانت ميدانا جديدا لمعركة انتقلت من دهاليز السياسة إلى رحاب الفكر والقلم. فقد نزلها وفي ذاكرته مشاهد أفول الدولة العثمانية، وفي نفسه يقين بأن ما جرى في تركيا لم يكن مجرد تبدل في الحكم، بل تحولا عميقا مس علاقة الدولة بالدين، وأصاب الخلافة والميراث الإسلامي في الصميم.

    وفي الوقت الذي بهر فيه النموذج الكمالي طائفة من المثقفين العرب، نهض الشيخ صبري بقلمه يقدم رواية أخرى، لا بلسان مؤرخ يرقب الأحداث من بعيد، بل بشهادة رجل عاش في قلبها، وذاق مرارة نتائجها. وحين ضاقت المقالات عن استيعاب رؤيته، أودعها كتبه، وفي مقدمتها النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، فصب فيه نقده على جمعية الاتحاد والترقي والحركة الكمالية، ورأى في تصاعد النزعة القومية وإضعاف الرابطة الإسلامية بعض أسباب تصدع البنيان العثماني.

    وكان إلغاء الخلافة سنة 1924م أعمق تلك التحولات وقعا في نفسه، فرآه خاتمة لمسار طالما حذر من عواقبه. فكتب بحرارة شيخ الإسلام الذي شهد زوال المؤسسة التي تصدرها، وبألم رجل الدولة الذي رأى عالما بأسره ينطوي أمام عينيه. ثم اتسعت معركته من هموم السياسة إلى أسئلة الفكر الكبرى، فخاض بقلمه ميادين العقيدة والفلسفة والعقل والوحي والنبوة والمادية والتغريب، حتى غدت القاهرة مسرحا لأخصب أطوار حياته الفكرية، وتحول المنفي السياسي فيها إلى عالم مناظر جعل من الكلمة ميدانه، ومن الحجة عدته، ومن القلم سلاحه.

    آثاره العلمية والفكرية: 

    خلف الشيخ مصطفى صبري تراثا علميا وفكريا حافلا، تتجلى فيه سعة معارفه، وتنوع مشاغله، وحرارة المعارك التي خاضها دفاعا عن رؤيته للإسلام والعالم. وقد توزعت آثاره بين العربية والتركية العثمانية، وامتدت من العقيدة وعلم الكلام والفلسفة إلى السياسة والاجتماع والخلافة وقضايا التجديد والتغريب فضلا عن مقالات ومناظرات بثها في الصحف والمجلات. ولم تكن كتبه وليدة عزلة عن زمانه، بل خرجت من قلب التحولات العاصفة التي شهدها العالم الإسلامي، فواجه بقلمه الإلحاد والمادية والنزعات العلمانية، وناقش تيارات التغريب والقومية مدافعا عن مرجعية الوحي ورابطة الأمة ومكانة الدين في حياة الفرد والمجتمع والدولة. ومن أشهر آثاره: النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، والقول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون، وموقف البشر تحت سلطان القدر، وقولي في المرأة ومقارنته بأقوال مقلدة الغرب إلى جانب رسائل ومؤلفات أخرى تشهد بثراء تجربته واتساع أفقه الفكري. غير أن ذروة عطائه، والكتاب الذي اقترن باسمه أكثر من سواه، تمثلت في موسوعته الكبرى موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، التي أودع فيها عصارة نظره، وخلاصة معاركه العقدية والفلسفية، فغدت من أبرز الشواهد على مشروعه الفكري وأوسع آثاره دلالة على مكانته العلمية.

    معاركه الفكرية: 

    لم يكن الشيخ مصطفى صبري من أولئك العلماء الذين آثروا العزلة حين اضطربت ساحات الفكر، بل نزل إليها بقلمه وحجته، يحمل ذاكرة رجل شهد انهيار دولة وتبدل عصر، ويرى أن حراسة العقيدة لا تقل شأنا عن حراسة الأوطان. ومن هنا غدا قلمه واحدا من أكثر الأقلام حضورا في السجالات الفكرية التي شهدتها مصر في زمانه.

    وكانت قضية الإسلام والحكم في طليعة معاركه، فلما صدر كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، تصدى لأطروحاته بالنقد رافضا حصر الإسلام في دائرة الاعتقاد الفردي ومؤكدا أن رسالته، كما فهمها، تمتد إلى المجتمع ونظامه وشؤون حياته العامة.

    وخاض كذلك معركة أخرى دفاعا عن حقيقة الوحي والنبوة والمعجزة، فرفض تأويل المعجزات بما يجردها من خرق العادة، كما أبى أن ترد النبوة إلى العبقرية أو النبوغ الإنساني، ورأى في ذلك مساسا بجوهر الاصطفاء الإلهي وحقيقة الوحي.

    ظل الشيخ مصطفى صبري في القاهرة وفيا للعلم والقلم حتى أواخر أيامه إلى أن وافته المنية في 12 مارس 1954م بعيدا عن توقاد مهد طفولته، والآستانة مسرح مجده العلمي والسياسي.

    وهكذا طويت صفحة عالم عاش بين عصرين، وشهد أفول دولة وانقضاء خلافة، وتقلب بين التدريس والسياسة ومشيخة الإسلام ومرارة المنفى. رحل الرجل، وبقي قلمه شاهدا على رحلة صاخبة، وتراثه صدى لعالم ظل ينافح عما آمن به حتى أسدل العمر ستاره الأخير.

    المراجع:

    1. الشيخ مصطفى صبري، النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة.

    2. الشيخ مصطفى صبري، موقف البشر تحت سلطان القدر.

    3. الشيخ مصطفى صبري، مسألة ترجمة القرآن.

    4. خير الدين الزركلي، الأعلام. 

    5. الشيخ يوسف شوقي ياووز، مصطفى صبري أفندي.

    مشاهدة الشيخ مصطفى صبري من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الشيخ مصطفى صبري من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الشيخ مصطفى صبري: من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار