سيئون والعسكر والنازحون وأنصار الله... وهلمّ جرًّا ...اليمن

الاول _ من قلب الحدث - اخبار عربية
سيئون والعسكر والنازحون وأنصار الله... وهلمّ جرًّا

لم تكن سيئون، المدينة التي ظلت قرونًا تتكئ على هدوء وادي حضرموت، تتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه جغرافيتها نفسها جزءًا من الصراع جنوب الجزيرة العربية، وأن تتحول أحياؤها وأسواقها ومداخلها إلى مرآة لتاريخ طويل من الحروب والهزائم والهجرات وإعادة توزيع النفوذ.

لكن ذلك اليوم جاء. فمنذ حرب صيف 1994، تغير وجه سيئون على نحو تدريجي. لم يحدث التغيير دفعة واحدة، ولم يدخل القادمون إليها من بوابة واحدة؛ فقد جاءت موجات عسكرية ومدنية، ونازحون وفارون من الحروب، وتجار وعمال، وجماعات دينية، ثم تمدد النفوذ الأمني والعسكري حتى أصبح وجوده جزءًا من المشهد اليومي للمدينة.

    ولعل أكثر ما يكشف هذا التحول هو أن الموقع الذي عرف قبل 1990 وما بعدها بحامية سيئون ومحور سيئون والقاعدة الإدارية، أصبح لاحقًا مقرًا للمنطقة العسكرية الأولى، التي ضمت وحدات عسكرية وصلت إلى وادي حضرموت بعد حرب 1994. وتؤكد مصادر محلية ووثائق صحفية أن الوحدات العسكرية التي تمركزت في الوادي بعد يوليو 1994 شكلت لاحقًا الجزء الأساسي من البنية العسكرية التي عُرفت بالمنطقة العسكرية الأولى بعد إعادة هيكلة الجيش عام 2013.

    وهكذا لم تعد المسألة مجرد وجود ثكنة عسكرية على أطراف المدينة؛ بل صار العسكر جزءًا من عمرانها، ومن اقتصادها، ومن حركة أسواقها، ومن تركيبتها السكانية والاجتماعية.

    مدينة تستقبل القادمين... وتدفع الثمن

    ليس من السهل إعطاء رقم دقيق لعدد النازحين الذين استقروا في سيئون ووادي حضرموت منذ 1994، ولذلك لا يصح التعامل مع تقدير (نصف مليون) باعتباره رقمًا موثقًا. لكن المؤكد أن الوادي ظل، على مدى العقود الماضية، إحدى مناطق الاستقرار النسبي في البلاد، واستقبل موجات من القادمين من مناطق مختلفة، خصوصًا مع اشتداد الحروب في المحافظات الشمالية.

    وفي الوقت نفسه، لم يكن القادمون جميعًا نازحين بالمعنى الإنساني للكلمة.

    كان بينهم عسكريون، وموظفون، وعسكر تجار، وعسكر عمال، وأسر كل أؤلئك، وآخرون جاءوا بحثًا عن فرصة اقتصادية. ومع مرور السنوات، تحول بعض هؤلاء من غرباء مؤقتين إلى سكان دائمين، واشتروا المنازل أو استأجروها، وفتحوا المحلات، ودخلوا في دورة الاقتصاد المحلي.

    وهنا تبدأ القضية الحساسة. فالمشكلة ليست في أن يأتي الإنسان إلى سيئون، ولا في أن يعمل فيها أو يستقر فيها. فالمدن لا تُبنى بالأسوار، وحضرموت نفسها كانت على الدوام أرضًا للهجرة والتجارة والتواصل.

    المشكلة تبدأ عندما تتحول الهجرة الطبيعية إلى تغيير في موازين البنية الديموغرافية والعادات والتقاليد، وعندما يصبح الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي القادم من خارج المجتمع المحلي أكثر قدرة على التأثير من المجتمع نفسه.

    وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح:

    هل أصبحت سيئون مدينة يستضيف فيها الحضارم الآخرين، أم مدينة يعاد تشكيلها من خارجها؟ 

    من الثكنة إلى السوق

    اللافت أن التحول لم يتوقف عند المعسكرات. فمع مرور الوقت خرج كثير من العسكريين من عالم الثكنة إلى عالم السوق. بعضهم اتجه إلى الأعمال الصغيرة، وبعضهم إلى النقل، وآخرون إلى البناء والمقاولات والتجارة والمخابز والمطاعم وغيرها من المهن. وليس في ذلك، من حيث المبدأ، ما يدعو إلى الاعتراض. فالعسكري الذي يترك وظيفته أو يمارس نشاطًا تجاريًا هو مواطن له الحق في العمل.

    لكن المشكلة تظهر عندما يتزامن هذا الانتشار الاقتصادي مع غياب سياسات واضحة لتنظيم السوق، ومع تراجع قدرة أبناء المدينة على المنافسة، ومع استمرار وجود عسكري وأمني واسع يجعل العلاقة بين السلطة والسوق والمجتمع علاقة غير متوازنة.

    ومن هنا تبدو بعض أحياء سيئون القديمة، خصوصًا المناطق المحيطة بالأسواق، وكأنها تحمل في داخلها تاريخًا مصغرًا لهذه التحولات.

    فالمدينة التي كان سوقها فضاءً اجتماعيًا مفتوحًا لأهلها، أصبح بعضها اليوم أكثر ازدحامًا بالقادمين من خارجها، وأكثر تعقيدًا من حيث النشاط الاقتصادي والحركة البشرية.

    تجاهل التحول الديموغرافي والاقتصادي أيضًا ليس حلًا.

    فالمدن لا تفقد هويتها في يوم واحد؛ إنها تفقدها بالتدريج، عندما يتغير من يملك الأرض، ومن يملك السوق، ومن يملك القوة، ومن يملك القرار.

    والحجوريون أيضًا

    وفي سياق آخر من تحولات سيئون، برز التيار السلفي المرتبط بالشيخ يحيى الحجوري. فبعد مغادرة الحجوري مركز دماج في صعدة، أصبح له حضور علمي واضح في سيئون، واتخذ من منطقة شحوح مركزًا لنشاطه، ثم ارتبط اسمه لاحقًا بمسجد إبراهيم ومراكز التعليم السلفي في المنطقة. والمصادر المرتبطة بالحجوري نفسه توثق استمرار نشاطه ومحاضراته في مسجد إبراهيم بشحوح في سيئون خلال السنوات الأخيرة.

    وبصرف النظر عن الموقف من الفكر السلفي أو من الحجوري شخصيًا، فإن وجود هذا المركز يمثل بدوره ظاهرة تستحق الدراسة. فسيئون لم تعد تستقبل العسكر والنازحين والتجار والعمال فقط؛ بل أصبحت أيضًا مساحة لتمركز جماعات دينية وفكرية جاءت من خارج البيئة الحضرمية المحلية.

    وهنا يحق للحضرمي أن يسأل: كيف تحولت مدينة هادئة مثل سيئون إلى نقطة تجمع لكل هذا الخليط من القوى الوافدة؟

    عسكر من خارج المحافظة. نازحون من مناطق الحروب. جماعات دينية لها امتدادات خارج حضرموت. نشاط تجاري مريب يتسع عامًا بعد عام وخلايا إرهابية تظهر وتختفي.

    وكل ذلك داخل مدينة لم تكن تملك أصلًا القدرة المؤسسية الكافية لإدارة هذا التعقيد المتزايد.

    والأخطر من كل ذلك أن سيئون لم تكن بعيدة عن الإرهاب. ففي مايو ويونيو 2014 شهدت المدينة واحدة من أعنف موجات هجمات تنظيم القاعدة. فقد استهدفت الهجمات المنطقة العسكرية الأولى ومقار أمنية وحكومية ومصارف ومطار سيئون، واستخدم المهاجمون سيارات مفخخة وقذائف وأسلحة مختلفة. وأسفرت هجمات مايو عن سقوط قتلى من الجنود والمدنيين، بينما تمكنت القوات الحكومية لاحقًا من استعادة مواقع سيطر عليها المسلحون.

    وفي أغسطس من العام نفسه، وقعت جريمة أكثر بشاعة عندما أوقف عناصر القاعدة حافلة في منطقة الحوطة بسيئون واختطفوا 14 جنديًا كانوا يرتدون ملابس مدنية، ثم أعدموهم. ونُسبت قيادة العملية إلى جلال بلعيدي، أحد أبرز قادة التنظيم في تلك المرحلة. وفي نهاية العام، عاد التنظيم إلى استهداف المدينة، وأعلن مسؤوليته عن هجوم بسيارتين مفخختين على مقر عسكري في سيئون أدى إلى مقتل جنود.

    لم تكن تلك الأحداث مجرد عمليات إرهابية متفرقة. لقد كانت رسالة تقول إن المدينة التي أصبحت مركزًا عسكريًا كبيرًا لم تعد محصنة أمنيًا، وإن وجود آلاف الجنود والأسلحة والمعسكرات لا يعني بالضرورة وجود الأمن.

    بل إن المفارقة كانت أكثر قسوة:

    كلما تضخمت القوة العسكرية حول سيئون، ظل الخوف يجد لنفسه طريقًا إلى داخلها.

    المال أيضًا كان هدفًا

    ولم يكن الإرهاب في سيئون يبحث عن الثكنات وحدها. فقد استهدف تنظيم القاعدة المصارف والمؤسسات المالية، وذكرت تقارير في مايو 2014 أن مسلحين اقتحموا ونهبوا عددًا من المصارف والمؤسسات الحكومية في سيئون، قبل أن تمتد العمليات إلى مدينة القطن. واعتبرت تقارير صحفية أن الحصول على التمويل كان أحد الدوافع الأساسية لهذه العمليات.

    وهنا تتضح صورة أخرى للمدينة.

    سيئون لم تكن فقط هدفًا أمنيًا؛ كانت أيضًا هدفًا اقتصاديًا. فالسيطرة على المال تعني القدرة على تمويل السلاح، والسيطرة على المطار تعني التحكم في منفذ حيوي، والسيطرة على المواقع العسكرية تعني الحصول على القوة، والسيطرة على الأسواق تعني امتلاك مفاتيح الحركة اليومية للناس.

    وهكذا تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد مع الأمن.

    من سيئون إلى المكلا

    وإذا كانت سيئون قد قاومت سقوطها الكامل في يد القاعدة، فإن المكلا قدمت بعد أقل من عام صورة أكثر مأساوية. في الثاني من أبريل 2015 دخل تنظيم القاعدة مدينة المكلا، وسيطر على أجزاء واسعة منها، ثم تمكن من السيطرة على مواقع عسكرية ومؤسسات حكومية وميناء المدينة، وأطلق سراح نحو 300 سجين من السجن المركزي، بينهم قياديون في التنظيم. وفي اليوم التالي سيطر التنظيم على مقر قيادة المنطقة العسكرية الثانية وسط انسحاب القوات.

    وقد أثارت طريقة سقوط المدينة أسئلة كبيرة حول انهيار المؤسسات العسكرية والأمنية، خصوصًا أن السيطرة تمت في ظل مقاومة محدودة في بعض المواقع.

    وذهب بعض المصادر في حينه إلى اتهام ضباط موالين للرئيس السابق علي عبدالله صالح بتسهيل سقوط مقر المنطقة العسكرية الثانية، وهي اتهامات بقيت محل جدل سياسي ولم تصبح حقيقة قضائية محسومة.

    لكن المؤكد أن القاعدة لم تكن مجرد قوة عابرة في المكلا.

    لقد حكمت المدينة أكثر من عام، وأدارت جوانب من الحياة العامة، وسيطرت على موارد ومنافذ مالية، واستفادت من انهيار مؤسسات الدولة. ويقدر مركز صنعاء للدراسات أن التنظيم بقي في المكلا 387 يومًا، وجنى خلال فترة سيطرته ملايين الدولارات، مستفيدًا من الإيرادات والرسوم والميناء والموارد المختلفة.

    وهكذا كان سقوط المكلا هو الوجه الآخر لما شهدته سيئون قبل ذلك.

    سيئون قاومت السقوط، والمكلا سقطت. 

    لكن الاثنتين كشفتا هشاشة الدولة في حضرموت.

    هل كان هناك تخادم؟

    هنا ينبغي أن نتوقف.

    فكرة وجود (تخادم قديم) بين الحوثيين والقاعدة، أو بينهما وبين بعض الأجهزة الأمنية، ليست فكرة جديدة في الخطاب السياسي اليمني. وهناك بالفعل وقائع موثقة لتبادل الأسرى بين الحوثيين والقاعدة، أبرزها الصفقة التي تمت قرب سيئون عام 2016 وشملت عشرات الأسرى من الجانبين، كما تحدثت مصادر أخرى عن صفقات لاحقة.

    سيئون اليوم... ماذا بقي؟

    بعد كل هذه السنوات، تبدو سيئون كأنها مدينة تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل. عسكر. نازحون. تجارشماليون. عمال شماليون جماعات دينية. مهاجرون داخليون. أجهزة أمنية تابعة لأحمد علي.. تنظيمات متطرفة ظهرت في لحظات الفراغ.

    ومجتمع حضرمي يحاول أن يحافظ على تماسكه وسط هذا كله.

    وحتى اليوم، ما تزال الأخبار الأمنية القادمة من سيئون تذكر بموقعها الحساس. ففي الأول من سبتمبر 2026 أُعلن عن عملية أمنية مشتركة في المدينة أسفرت عن مقتل متحدث لتنظيم داعش، فيما أكدت المصادر الأمنية استمرار ملاحقة خلايا الإرهاب في حضرموت.

    أما المخدرات والتهريب، فما زالت الأجهزة العسكرية والأمنية تتحدث عن عمليات ضبط وملاحقة شبكات تهريب في وادي حضرموت، وهو ما يؤكد أن الأمن في المنطقة لم يعد قضية إرهاب فقط، بل قضية اقتصاد غير مشروع وشبكات عابرة للمناطق.

    وهكذا تقف سيئون اليوم أمام سؤال أكبر من سؤال العسكر أو النازحين أوالإرهابيون. من يدير المدينة؟ ومن يحدد شكلها؟ ومن يحمي هويتها؟ ومن يقرر مستقبلها؟

    ليس المطلوب أن تغلق سيئون أبوابها في وجه أحد.

    وليس المطلوب أن تطرد من عاش فيها أو عمل فيها أو وجد فيها ملاذًا من الحرب.

    المطلوب شيء أبسط وأعمق:

    أن تكون سيئون لأهلها أولًا، ودولة القانون للجميع ثانيًا.

    لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن يتحول التسامح الحضرمي إلى فراغ سياسي وأمني يسمح للآخرين بإعادة تشكيل المدينة وفق مصالحهم.

    سيئون ليست ثكنة.

    وليست مخيم نزوح.

    وليست مركزًا لجماعة دينية.

    وليست سوقًا مفتوحة بلا ضوابط.

    وليست ساحة خلفية لحروب الآخرين.

    إنها مدينة حضرمية عريقة، ومن حق أهلها أن يعرفوا: ماذا حدث لمدينتهم منذ 1994؟ ومن الذي يعيد تشكيلها اليوم؟ وإلى أين تمضي؟

    مشاهدة سيئون والعسكر والنازحون وأنصار الله وهلم جر ا

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سيئون والعسكر والنازحون وأنصار الله وهلم جر ا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سيئون والعسكر والنازحون وأنصار الله... وهلمّ جرًّا.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار