آخر حراس الشعر ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
آخر حراس الشعر
 كلما حضرت، في الآونة الأخيرة، أمسية شعرية، وجدتني أتأمل الجمهور أكثر مما أتأمل المنصة. أتفحص الوجوه في الصفوف الأولى، فأجدها في الغالب وجوهاً تقدّم بها العمر؛ شعراء وكتّاباً ومثقفين وعشّاقاً قدامى للشعر، يجلسون بوقارٍ يشبه جلوس الأتقياء في مجالس العلم. أما الشباب، فأبحث عنهم فلا أجد منهم إلا القليل… ولا يزعجني غيابهم بقدر ما يزعجني السؤال المختبئ خلفه: لماذا لا يهتموا بالشعر كما كان أبناء الجيل الذي سبقهم؟ فالأمر ليس مجرد عزوف عن الأمسيات، بل شيء أعمق حدث في علاقتنا بالشعر؛ جعل القصيدة، التي كانت يوماً جزءاً من الحياة، تبدو كقطعة أثاث من زمنٍ قديم — جميلة، نبيلة، لكننا لم نعد نعرف أين نضعها في بيوتنا الجديدة. أين الشاب الذي كان يحمل القصيدة كسرٍّ شخصي، يبحث عن منصة يقول عليها ما لا يستطيع قوله في الواقع؟ وأين، تحديداً، العشاق الشباب من الشعر؟ فما إن يقع الشاب في الحب في (الزمن الأقدم) حتى يبحث عن بيت شعر، أو يكتب قصيدة وربما تعلم نظم الشعر إذا تطلب الأمر.. عندها يبعث إلى محبوبته كلاماً موزوناً يضع فيه ما يعجز لسانه عن قوله.. كان يقول: أحبكِ، ثم يشعر أنها وحدها لا تكفي، فيذهب إلى الشعر ليقولها بطريقة أوسع وأعمق وأبقى… كانت القصيدة مرسالاً بين قلبين، هدية لا تُشترى، واعترافاً لا يحتاج شاهداً، وذكرى تحتفظ بها امرأة سنوات طويلة. أما اليوم، فلا أرى عاشقاً يهدي قصيدة، ولا فتاة ترتبك لبيتٍ كُتب من أجلها. كأن شيئاً انكسر بين الشعر والعشق. كأن القصيدة فقدت سحرها القديم، حين كانت قادرة على أن تفتح باباً إلى قلبٍ مغلق… فهل تغيّر العشاق، أم تغيّر الشعر؟ أم تغير الزمن؟ أم أننا جميعاً تغيرنا؟ هل صار الحب أقل احتياجاً إلى اللغة، أم أن هذا الجيل وجد وسائل أخرى يقول بها ما كان العاشق القديم يقوله في قصيدة؟ كان الشاب حين يكتب لحبيبته لا يرسل كلمات فقط، بل يمنحها وقته وخياله وضعفه وارتباكه.. ولهذا تبدو القصيدة غريبة في زمننا؛ لأنها تطلب من الإنسان أن يتأنى، بينما العالم كله يدفعه إلى العبور السريع... لكن أولئك الجالسين في الصفوف الأولى ليسوا مجرد جمهور تقدّم به العمر. إنهم آخر القلاع وآخر الحصون؛ يأتون إلى الشعر كما يأتي العاطفيون الأوفياء إلى بيتهم القديم… لا يحضرون أمسية فحسب؛ إنهم، من حيث لا يشعرون، يحرسون علاقةً كاملة بين الإنسان والكلمة.. علاقةً كانت فيها القصيدة جزءاً من الذاكرة والحب والحزن والاحتفال، ومتنفَّساً حين تضيق اللغة… وحين أراهم مجتمعين حول شاعر، أشعر أنهم لا يستمعون إليه وحده، بل يستمعون إلى شيء من زمنهم؛ إلى شبابهم، إلى قصائد حفظوها ذات مساء، إلى أسماء أحبّوها ورسائل ربما كُتبت ولم تصل… متى فقد الشعر سحره بين العشاق؟ ومتى أصبح العاشق قادراً أن يحب دون أن يبحث عن قصيدة؟ لا أعرف.. لكنني أعرف أن الشعر حين يفقد مكانه بين قلبين، يفقد وظيفته الأولى: أن يمنح الإنسان لغةً أجمل من صوته حين يعجز صوته. ولهذا لا أخاف على الشعر من قلة القراء بقدر ما أخافه من أن يصبح ذكرى جميلة لجيلٍ كامل. فإذا كان أولئك الجالسون اليوم آخر القلاع، وآخر حراس الشعر، فمن سيحرس القصيدة حين يغيبون؟   .

مشاهدة آخر حراس الشعر

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ آخر حراس الشعر قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، آخر حراس الشعر.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار