موعد عند مقود بير صقرة ..اخبار محلية

سما نيوز - اخبار محلية
موعد عند مقود بير صقرة

كتب: د. مسعود عمشوش

 

    حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي، كانت بير صقرة تحتفظ بشيءٍ من وجهها القديم في قلب سوق سيئون، إلى الشمال من المقبرة. بئرٌ أعمق قليلاً من أن تمتدّ إليها الأيدي، وأقرب قليلاً إلى سطح الأرض من أن يُخيف ماؤها أحداً. كان الماء يُرفع بالعجلة؛ حمارٌ مربوطٌ بحبلٍ يدور في دائرةٍ لا تنتهي، فيما تئنّ خشبة المقود تحت ثقل السنين. كل دورةٍ ترفع الماء، وكل دورةٍ تُعيد الحمار إلى النقطة نفسها، كأن الزمن كان يعمل هناك بهذه الطريقة: يمضي، لكنه لا يبتعد.

     

    حول البئر تتعالى أصوات السوق: باعةٌ ينادون، ودوابٌّ تصهل، ورجالٌ يتجادلون في أسعار التمر والقماش. وخلف ذلك كله تنهض الجبال العارية كجدارٍ هائل، تحرس الوادي وتطلّ على سيئون بصمتٍ قديم.

     

    بجوار البئر، أقام صالح طائع مقهىً صغيراً: سقفٌ من جريد النخل، وموقدٌ من الجمر، وإبريقٌ أسود، وقعداتٌ خشبية قليلة. كان يعرف زبائنه واحداً واحداً، كما تعرف البئرُ ماءها. ومع الوقت صار المقود موقفاً لسيارات الأجرة، ومجلساً مسائياً للشاي والدمنة والأخبار التي لا تنتهي. وكان صالح يقول ضاحكاً:

    ـ اللي معه همٌّ يشرب شاهي… واللي معه سرٌّ يلعب دمنة.

    يضحك، لكن المقود كان قد سمع من أسرار الناس ما لم تسمعه بيوتٌ كثيرة.

    **

    قبل أربعين سنةً تقريباً، أحبّ عمار بلغيث، القادم من مدودة، فتاةً من بنات المشايخ في حي الرياض، اسمها مهاني البصل. لم يكن زواجهما صعباً؛ وافق أهلها، وتمّ العقد، ودخل بها في فندق بوسلوم القريب من مسجد الرياض، حيث يجد الغرباء مأوىً مؤقتاً قبل أن تستقرّ بهم الحياة.

    لكن الحياة لم تستقرّ. بعد أيامٍ قليلة أخبرها أن جواز سفره إلى الحجاز قد وصل. قال وهو يحاول أن يبدو مطمئناً:

    ـ بسافر وأرجع آخذك معي.

    ترك لها مالاً، وطلب منها أن تعود إلى أهلها. لم تشكّ فيه؛ فالسفر في ذلك الزمن رحلةٌ طويلة، والرسالة إذا وصلت بعد شهرٍ لا تُعدّ متأخرة.

     

    سافر عمار، وانتظرت مهاني .ومرّ شهر. ثم شهران. ثم عام. ثم صارت الأعوام تتشابه حتى فقدت أسماءها. وكلما سُئلت: «ما رجع عمار؟» قالت: «مسافرٌ… وراجع». ثم صار السؤال أقلّ، والناس أكثر انشغالاً. أما هي فلم تجلس عند الباب كل صباح، ولم تنظر أربعين سنةً إلى الطريق، لكنها أبقت في مكانٍ ما داخلها باباً لم تُغلقه.

    وفي عصر يومٍ خريفي، كان السوق يتهيّأ للهدوء. تنحدر الشمس خلف الجبل فتسحب الظلال الطويلة من البيوت الطينية، وتغلق الدكاكين أبوابها واحداً بعد آخر. عند طرف المقود ظهرت امرأةٌ في عباءةٍ قديمة. توقّفت أمام البئر، ونظرت إلى المقود، والمقهى، والنخيل، ثم إلى الجبل، كأنها لا تبحث عن مكان، بل عن زمن.

    رفع صالح رأسه. شعر بشيءٍ غامضٍ يهزّ ذاكرته.

    ـ يا صالح طائع؟

    ـ نعم.

    ـ تعرف عمار بلغيث؟

    توقّفت يده فوق الجمر. عادت إليه صورةُ رجلٍ شابٍّ يضحك قرب المقود، ثم يختفي في الطريق إلى مدودة. صورةٌ قديمةٌ جداً، لكنها لم تمت.

    ـ أعرفه. من أنتِ؟

    ـ مهاني… البصل.

    توقّف الرجلان اللذان يلعبان الدمنة. وبدت البئر، للحظة، وكأنها صمتت.

    دخل صالح إلى الغرفة الصغيرة، وعاد يحمل صندوقاً خشبياً ملفوفاً بقماشٍ أزرق باهت. وضعه أمامها، فلم تمدّ يدها.

    ـ هو تركه عندك؟ قبل أن يسافر؟

    أومأ. قالت بهدوءٍ لا يشبه الأحياء:

    ـ كنت أعرف. جئت اليوم… عندي موعد.

    ابتسم ظاناً أنها تمزح:

    ـ موعد مع من؟

    ـ مع عمار.

    اختفت الابتسامة:

    ـ عمار مات من سنين.

    ـ أعرف. قبل سفره قال لي: إذا تأخرتُ عليكِ، انتظريني يوم الخميس، بعد العصر، عند مقود بير صقرة.

    نظر إليها طويلاً:

    ـ وانتظرتِ أربعين سنة؟

    ـ ما انتظرته كل يوم… لكنني ما نسيت.

    صبّ لها فنجان شاي، فأمسكته بكلتا يديها كأنها تُدفئ شيئاً أقدم من يديها.

    ـ عمار ما رجع.

    ـ عرفت. جاء رجلٌ من مدودة إلى أبي، وقال إنه مات في الحجاز.

    ـ إذا عرفتِ أنه مات، لماذا بقيتِ تنتظرين؟

    ـ ما كنت أنتظر رجوعه… كنت أنتظر أن أعرف لماذا ما رجع.

    في تلك اللحظة تقدّم رجلٌ مسنّ بعصاه من ناحية السوق. حين رأى مهاني توقّف، وحدّق فيها:

    ـ أنتِ مهاني؟ أنا سالم. كنت أعرف عمار في الحجاز.

    مالت إلى الأمام:

    ـ تعرف لماذا لم يرجع؟

    نظر إلى صالح، ثم عاد إليها:

    ـ كان يريد العودة فعلاً. كان يكتب لكِ… أكثر من مرة.

    شهقت بصمت:

    ـ يكتب؟ ولماذا لم تصل الرسائل؟

    ـ ما أعرف. لكن آخر رسالةٍ موجودةٌ هنا.

    وضعت مهاني يدها على الصندوق، وأخرجت من جيبها مفتاحاً صغيراً. نظر صالح إليه مندهشاً:

    ـ لماذا لم تفتحيه قبل اليوم؟

    ـ لأنه قال لي: إذا تركت لكِ شيئاً، لا تفتحيه إلا عند بير صقرة. ووصلتني قبل سنواتٍ رسالةٌ من رجلٍ عرفه هناك؛ قال إن عمار أوصاه قبل موته أن يُبلغني بمكان الصندوق.

    ـ فلماذا تأخرتِ؟

    خفضت رأسها، ثم ابتسمت بحزن:

    ـ كنت أقول: غداً… والغد صار أربعين سنة.

    أدخلت المفتاح في القفل. صدر صوتٌ صغير، وانفتح الصندوق.

    لم يكن فيه ذهبٌ، ولا مال، ولا شيءٌ يستطيع أن يعيد أربعين سنةً ضاعت. كان هناك عقدٌ من المرجان الأصفر، ورسالتان مطويّتان بعناية، وقد أكل الزمن أطرافهما.

    أخذت العقد، وظلّته بين أصابعها طويلاً. ثم فتحت الرسالة وقرأت. لم يسألها أحدٌ عمّا كتب عمار؛ فالدموع التي انحدرت على وجهها قالت كل شيء. بعد لحظاتٍ همست:

    ـ كان يريدني أن أذهب إليه. كان يقول: لا تستعجلي… عندنا عمرٌ كامل.

    قال سالم:

    ـ كان يظنّ أن عنده وقتاً.

    نظرت إلى الجبل البعيد:

    ـ كلّنا نظنّ ذلك.

    حين بدأ الظلام يهبط على سيئون، نهضت. قال صالح:

    ـ خذي الصندوق، هذا حقّك.

    ابتسمت، ووضعت يدها عليه:

    ـ لا. عمار تركه هنا. أخذتُ الذي كنت أريده.

    ثم غادرت، وراقبها صالح حتى ابتلعها زحام السوق، وبقي المقود وحده.

    وفي صباح اليوم التالي، حين فتح صالح مقهاه، كان الصندوق قد اختفى؛ حمله سالم ليلاً إلى بيت أهلها بناءً على طلبها. أما القعادة التي جلست عليها فبقيت في مكانها.

    أشعل الجمر، ووضع الإبريق فوقه. دارت عجلة البئر ببطء، وصعد الماء من جوفها كما كان يصعد منذ عشرات السنين. جاء أول الزبائن:

    ـ يا صالح، كم الشاهي اليوم؟

    ـ بخمسة.

    ـ والحكاية؟

    نظر إلى القعادة الخالية:

    ـ الحكاية… مجّان.

    ضحك الرجل، لكن صالح لم يضحك. كان ينظر إلى البئر، والمقود، والطريق الذي اختفت فيه مهاني. كان يعرف الآن أن البئر لم تكن ترفع الماء وحده؛ لقد رفعت ذات يومٍ سرّاً ظلّ مدفوناً أربعين سنة، وأعادت إلى امرأةٍ عجوزٍ موعداً قطعه شابّان في زمنٍ لم يكن يعرف أن العمر أقصر من الانتظار.

    ومنذ ذلك اليوم، كلما جاءه رجلٌ يسأل عن غائب، أو امرأةٌ تستفسر عن موعدٍ قديم، كان صالح يرفع فنجان الشاي ويقول:

    ـ لا تستعجل… بعض المواعيد تتأخر، لكن أصحابها قد يرجعون.

    ثم يصبّ الشاي، ويترك القعادة المقابلة له خالية. كأن أحداً سيأتي، مهاني البصل؟ عمار بلغيث؟

    موعد عند مقود بير صقرة سما نيوز.

    مشاهدة موعد عند مقود بير صقرة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ موعد عند مقود بير صقرة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، موعد عند مقود بير صقرة.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار