زيارتي للتكية السليمانية في دمشق؛ حكاية مكان جمع العلم والعبادة والوقف وخدمة الحجاج ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
زيارتي للتكية السليمانية في دمشق؛ حكاية مكان جمع العلم والعبادة والوقف وخدمة الحجاج

د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

الأربعاء 20 ربيع الأول 1448هـ/ 2 سبتمبر/أيلول 2026م

    خلال زيارتي للتكية السليمانية في دمشق، أخذت أتأمل هذا المكان الذي مر عليه ما يقارب خمسة قرون، وتعاقبت عليه أجيال كثيرة من أهل دمشق والحجاج وطلاب العلم والمسافرين والحرفيين، وتغيرت الدول والطرق ووسائل السفر، وبقيت القبة والمئذنتان والأروقة والحجر الدمشقي تحمل شيئاً من ذاكرة هذه المدينة وتاريخها العريق. وقد دفعتني هذه الزيارة إلى العودة إلى المصادر التي تحدثت عن التكية وعن الأرض التي قامت عليها، فوجدت أن قصتها أوسع من تاريخ بناء عثماني أثري، وأنها ترتبط بتاريخ دمشق منذ العصر المملوكي، وبقصر الأبلق والميدان الأخضر، ثم بانتقال بلاد الشام إلى الحكم العثماني، وبعهد السلطان سليمان القانوني رحمه الله، وبقافلة الحج الشامي، وبالوقف والتعليم وإطعام الفقراء وإيواء المسافرين.

    وحين نقرأ أخبار التكية عند مؤرخي دمشق، ونقف على ما سجله ابن طولون الصالحي عن المكان قبل بنائها، وما ذكره نجم الدين الغزي عن إنشائها في عهد السلطان سليمان القانوني، ثم ما دوّنه أحمد البديري الحلاق عن زلزال دمشق الكبير في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي، نجد أنفسنا أمام تاريخ عظيم. ولقد كانت دمشق في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي واحدة من أهم مدن المشرق الإسلامي، وكانت محطة رئيسة للحجاج القادمين من الأناضول والبلقان وبلاد الشام في طريقهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولهذا احتاجت إلى أماكن تستقبل هذه الأعداد من الناس وتوفر لهم شيئاً من الطعام والراحة والإقامة قبل مواصلة السفر. وفي هذا السياق أقيمت التكية السليمانية، وضمت بين جنباتها المسجد والمدرسة ومرافق الضيافة والإطعام والسوق، ومن ثم أضيفت إليها وظائف أخرى مع مرور الزمن، وأصبح المكان جزءاً من حياة دمشق ومن الطريق الذي سلكه عشرات آلاف المسلمين إلى الحرمين الشريفين.

    أولاً: الميدان الأخضر وقصر الأبلق قبل بناء التكية

    يقع مجمع التكية السليمانية إلى الغرب من دمشق القديمة، على الضفة الجنوبية لنهر بردى، في المنطقة التي عرفت في المصادر باسم الميدان الأخضر، وكانت أرضاً واسعة تتصل بالبساتين والمياه وتصلح لحركة الفرسان والمواكب والقوافل، ولهذا احتلت مكانة معروفة في تاريخ دمشق قبل العصر العثماني بقرون، وأقيم فيها في العصر المملوكي قصر الأبلق الذي ارتبط باسم السلطان الظاهر بيبرس البندقداري، أحد أشهر سلاطين المماليك.

    وقد حفظ لنا المؤرخ الدمشقي شمس الدين ابن طولون الصالحي، المتوفى سنة 953هـ/1546م، خبراً بالغ الأهمية عن هذا القصر، إذ ذكر أن الملك الظاهر بيبرس أنشأه بعد عودته من الحج في المحرم سنة 668هـ/1269م، وأضاف أنه رأى بنفسه تاريخ البناء على الباب الشمالي، وقرأ على أسكفته العبارة: "عمل إبراهيم بن غنائم المهندس"، وهي شهادة ذات قيمة كبيرة لأنها صادرة عن مؤرخ دمشقي شاهد ما بقي من القصر قبل قيام التكية السليمانية بسنوات قليلة.

    وظل قصر الأبلق مرتبطاً بالسلاطين المماليك حين ينزلون دمشق، وعرف المكان حضوراً سياسياً وعسكرياً طوال القرون التالية، ومن ثم شهدت المدينة واحدة من أقسى محنها عندما دخلها تيمور في سنة 803هـ/1401م، وأصاب الخراب أنحاء واسعة منها. ومع ذلك بقي القصر معروفاً ومستعملاً في فترات لاحقة، وتذكر الروايات التي نقلها المؤرخون أن السلطان العثماني سليم الأول نزل فيه عند دخوله دمشق سنة 922هـ/1516م، وهو ما يدل على استمرار حضور القصر وموقعه إلى مطلع العصر العثماني.

    ثانياً: دمشق بعد مرج دابق وبداية الحضور العمراني العثماني

    وقعت معركة مرج دابق في 25 رجب 922هـ/24 أغسطس 1516م، وانتهت بانتصار السلطان سليم الأول ودخول بلاد الشام في الدولة العثمانية، وبعد ذلك، دخل السلطان دمشق في العام نفسه، وبدأت المدينة مرحلة استمرت نحو أربعة قرون، احتفظت خلالها بمكانتها بوصفها مركزاً إدارياً وعلمياً ودينياً وتجارياً مهماً، كما ازدادت صلتها المؤسسية بطريق الحج الذي جعل منها محطة مركزية قبل انطلاق القافلة نحو الحجاز.

    ومن أوائل المشروعات العمرانية العثمانية في دمشق المجمع الذي أقامه السلطان سليم الأول عند ضريح الشيخ محيي الدين ابن عربي في الصالحية خلال السنوات الأولى من الحكم العثماني، وألحق بالمسجد مرافق للإطعام والخدمة، وقد سجل ابن طولون أخبار هذه المنشآت في كتاباته عن دمشق والصالحية، وهو ما يكشف أن فكرة الجمع بين المسجد والخدمة الاجتماعية دخلت مبكراً في سياسة العمران العثماني في المدينة.

    وفي عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، والذي تولى السلطنة سنة 926هـ/1520م واستمر حكمه حتى وفاته سنة 974هـ/1566م، فشهدت الدولة في أيامه توسعاً سياسياً وعمرانياً واسعاً، وأصبحت مشاريع المساجد والمدارس والجسور والخانات ومرافق المياه والطرق جزءاً من الحضور الحضري للدولة في أقاليمها المختلفة، وكانت دمشق واحدة من المدن التي نالت نصيباً واضحاً من هذه الحركة.

    وقد ساعد موقع دمشق على طريق الحج في توجيه جانب من هذا العمران؛ فالحجاج القادمون من الأناضول والبلقان ومناطق مختلفة من بلاد الشام كانوا يصلون إلى المدينة، ويقيمون فيها استعداداً للطريق الطويل إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويحتاجون إلى الطعام والماء والإقامة والمؤن والدواب والحماية، ولذلك أصبحت خدمة الحج عملاً تتكامل فيه الدولة والأوقاف والأسواق وأهل الخير والتجار والحرفيون، ودخلت التكية السليمانية في صميم هذه المنظومة.

    ثالثاً: إنشاء التكية السليمانية وشهادة المؤرخ الدمشقي نجم الدين الغزي

    يعد المؤرخ الدمشقي نجم الدين محمد بن محمد الغزي، المتوفى سنة 1061هـ/1651م، من أهم المصادر العربية في دراسة التكية السليمانية، فقد كان قريب العهد من زمن إنشائها، وسجل في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة أخباراً دقيقة عن المشروع وتاريخه وبعض الوظائف التي ارتبطت به.

    ويذكر المؤرخ الغزي أن السلطان سليمان أنشأ التكية في موضع القصر الأبلق بالوادي الأخضر، وأنه أقام معها مسجداً جامعاً ومدرسة، ويحدد بداية العمل في سنة 962هـ/1554-1555م، ويذكر اكتمال عمارة التكية والمسجد في أوائل صفر سنة 967هـ/نوفمبر 1559م تقريباً. ويسجل الغزي بعد ذلك لحظة دخول المسجد في الحياة الدينية للمدينة، فيذكر أن أول صلاة جمعة أقيمت فيه في 14 شعبان 967هـ/مايو 1560م، وأن الخطابة أسندت إلى عبد الرحمن ابن الفرفور، والإمامة إلى الشيخ زين الدين ابن سلطان.

    كما يذكر الغزي أن السلطان أنشأ إلى جانب التكية مدرسة عظيمة شرطها للمفتي بدمشق، وهو نص يكشف منزلة التعليم في المشروع ويبين الصلة بين المدرسة وبين المؤسسة العلمية والإفتائية في المدينة، وقد اكتملت المرحلة الرئيسة من المدرسة في حدود سنة 974هـ/1566م، وهي السنة التي توفي فيها السلطان سليمان القانوني أثناء حملته الأخيرة في وسط أوروبا.

    ويحمل ترتيب أخبار الغزي دلالة أخرى جديرة بالتأمل؛ فبعد حديثه عن التكية يورد أخباراً تتعلق بأوامر سلطانية لتعمير القلاع على طريق الحج الشامي، وتعيين الرجال فيها، وإرسال المعلمين والعمال والمؤن، وهو سياق يوضح مقدار الاهتمام الذي أولته الدولة في ذلك الوقت لطريق الحرمين، ويجعل إنشاء التكية مفهوماً ضمن شبكة أوسع من الأعمال التي تستهدف خدمة الحج وتأمينه وتنظيمه.

    وأما تصميم المجمع، فقد ارتبط باسم المعمار الشهير سنان، كبير معماريي الدولة العثمانية، في حين تولى التنفيذ في دمشق فريق من المعلمين والمشرفين، ويبرز في المصادر اسم ملا آغا ضمن القائمين على الإشراف الميداني، إلى جانب الحرفيين والعمال الذين شاركوا في إقامة المباني. وقد نتج عن هذه المشاركة بناء يحمل السمات الأساسية للعمارة العثمانية في تخطيطه وقبابه ومئذنتيه، ويحتفظ في الوقت نفسه بملامح دمشقية ظهرت في الحجر والأبلق وبعض تفاصيل الزخرفة والتنفيذ.

    رابعاً: التكية والحج الشامي وخدمة ضيوف الرحمن

    ارتبطت التكية السليمانية منذ قيامها بطريق الحج الشامي، وكان اختيار موقعها في الميدان الأخضر متوافقاً مع هذه الوظيفة، فالمكان قريب من المدينة ومياه بردى وأسواق دمشق، وتحيط به مساحات واسعة تصلح لنزول المسافرين وإقامة الخيام وتجميع القوافل والدواب والمؤن قبل الانتقال إلى الطريق الصحراوي جنوباً.

    وكان موسم الحج من أكبر المواسم التي تعرفها دمشق كل عام، إذ يصل إليها الحجاج من مناطق واسعة، ويجتمعون فيها قبل الانطلاق في قافلة منظمة إلى الحجاز، فتتحرك الأسواق، ويزداد الطلب على الغذاء والدواب والثياب وأدوات السفر، ويعمل أصحاب الحرف والخانات، وتقوم أجهزة الدولة بتهيئة الطريق وحمايته، وتفتح المؤسسات الوقفية أبوابها لمن يحتاج إلى الطعام أو الإقامة.

    وقد قامت التكية في قلب هذا المشهد، فكانت تستقبل الحجاج والمسافرين وتوفر لهم الطعام والمأوى، وكانت المساحات المجاورة لها تستخدم لنصب الخيام، وبذلك أصبحت جزءاً من منظومة واسعة لخدمة ضيوف الرحمن، وهو ما تؤكده الدراسات العربية التي تناولت موقعها في تاريخ الحج الشامي. وقد خصصت الباحثة أماني خليل الرحال دراسة للتكية بوصفها محطة للحج في العصر العثماني، وربطت نشأتها بالتطور العمراني الذي عرفته دمشق حول طريق القافلة ومرافقها.

    والذي يبعث على التأمل في هذه التجربة أن خدمة الحاج كانت عملاً منظماً له مرافق وموارد وأشخاص يقومون عليه، ففريضة الحج أنشأت حولها في تاريخ المسلمين شبكة من الطرق والقلاع والآبار والخانات والأسواق والتكايا، وأصبح تأمين الطريق وإطعام المسافر ورعاية ابن السبيل جزءاً من المسؤولية العامة ومن أعمال الوقف والإحسان.

    وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]، وقد تجسد معنى التعاون على البر في صور كثيرة من تاريخ المسلمين، وكان إنشاء المؤسسات التي تخدم الحجاج والمسافرين والفقراء واحدة من تلك الصور التي انتقلت فيها القيمة الدينية من الكلمة إلى العمل المنظم.

     

     

    خامساً: الوقف والإطعام والسوق.. منظومة واحدة لخدمة الناس

    تكشف التكية السليمانية عن جانب مهم من تاريخ الوقف الإسلامي؛ فالمؤسسة الكبيرة تحتاج إلى مال دائم حتى تستمر، والمسجد يحتاج إلى إمام ومؤذن وصيانة، والمدرسة تحتاج إلى مدرسين وطلاب ومرافق، والحجاج والفقراء والمسافرون يحتاجون إلى طعام ومكان للإقامة، ولذلك قامت المؤسسات الوقفية على موارد تحفظ لها قدرتها على أداء وظائفها من جيل إلى جيل.

    وكانت في المجمع منشأة للإطعام عرفت في الاصطلاح العثماني باسم العمارة أو الإمارت، وهي مطبخ وقفي يقدم الطعام للمستفيدين وفق نظام معلوم، وهو ما يجعل الإطعام عملاً مؤسسياً مستمراً، ويمنحه القدرة على تجاوز الصدقة الموسمية أو المبادرة الفردية المحدودة.

    كما ارتبط بالمجمع سوق أو أرستا يضم حوانيت متقابلة، وكان وجود النشاط الاقتصادي في جوار المسجد والمدرسة منسجماً مع نظام الوقف الذي اعتمد في كثير من المدن الإسلامية على العقارات والدكاكين والأسواق والأراضي المنتجة لتوفير دخل يمول التعليم والعبادة والخدمات الاجتماعية. وقد تناول المؤرخ والعالم الدمشقي محمد كرد علي في خطط الشام الدور الواسع الذي قامت به الأوقاف في حياة دمشق، وكانت المدارس والمساجد والمستشفيات والخانات والمرافق العامة من أبرز المجالات التي امتد إليها هذا النظام.

    وهذا الفهم للوقف يجعل المال أداة لبناء المجتمع، فالواقف يحبس أصلاً ثابتاً ويجعل ريعه في منفعة دائمة، وتستمر الثمرة بعد وفاته، وهو المعنى الذي أرشد إليه رسول الله ﷺ بقوله: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم.

    سادساً: التكية السلمانية عمارة عثمانية احتضنتها البيئة الدمشقية

    يظهر الطابع العثماني للتكية منذ النظرة الأولى، فالمسجد يقوم في الجهة الجنوبية من الصحن وتعلوه قبة مركزية واضحة، وترتفع على جانبيه مئذنتان طويلتان نحيلتان تمثلان الطراز الذي أصبح معروفاً في العمارة العثمانية الكلاسيكية، وتنتظم حول الفضاء الداخلي أروقة وقباب صغيرة تغطي الحجرات، في تكوين هادئ ومتناسق.

    وقد اختلف هذا الشكل عن كثير من المآذن الأيوبية والمملوكية التي عرفتها دمشق في القرون السابقة، فأدخل إلى أفق المدينة عنصراً معمارياً جديداً مع بقاء الصلة بالبيئة الشامية واضحة في استعمال الحجر والأبلق وبعض العناصر الزخرفية، وأسهم الحرفيون المحليون في إعطاء المجمع هذا التوازن بين المدرسة المعمارية العثمانية وبين تقاليد البناء الدمشقي.

    وكان الباحث السوري عبد القادر الريحاوي من أبرز من درس التكية دراسة أثرية حديثة، ونشر سنة 1376هـ/1957م تقريباً بحثه المعروف: الأبنية الأثرية في دمشق: التكية والمدرسة السليمانيتان بدمشق في الحوليات الأثرية العربية السورية، ووصف تكوين المجموعة وأجزاءها ومراحلها، وأصبح بحثه واحداً من المراجع العربية الرئيسة في دراسة هذا الأثر.

    وتقارب مساحة المجموعة السليمانية أحد عشر ألف متر مربع، ويضم القسم الرئيس المسجد والصحن والأروقة ومرافق الضيافة والإطعام، بينما تقوم المدرسة إلى الشرق في تنظيم مستقل متصل بالمجمع، ويتوسط الصحن عنصر مائي ينسجم مع البيئة الدمشقية التي كان الماء جزءاً أساسياً من عمارتها، ثم يمتد السوق في محيط المؤسسة ليصل الحياة الدينية والتعليمية بالحركة الاقتصادية اليومية.

    ويظهر من هذا التخطيط أن العمارة جاءت تابعة لوظيفة المكان؛ فالغرف بنيت لأنها تستقبل أناساً، والمطبخ قام لأنه يطعمهم، والمدرسة أعدت للعلم، والمسجد للصلاة، والسوق لحاجات الناس ولموارد المؤسسة، ولذلك أصبح البناء نفسه وثيقة تساعد المؤرخ على فهم المجتمع الذي أقامه.

    سابعاً: المدرسة والعلم والتصوف في حياة المجمع

    كانت المدرسة من المكونات الأساسية التي استكملت مشروع السليمانية، وقد ذكر الغزي أن السلطان جعلها مرتبطة بمفتي دمشق، وهي إشارة إلى منزلتها داخل البيئة العلمية للمدينة، وكانت تضم قاعة للتدريس وغرفاً للطلاب حول فناء، في تقليد عرفته المدارس الإسلامية منذ العصور السابقة، حيث يجتمع مجلس العلم والإقامة والعبادة في مكان واحد.

    وكانت دمشق يومئذ مدينة عامرة بالعلماء والمدارس والمكتبات والزوايا، وتوارثت تقاليد علمية ترجع إلى القرون الأولى للإسلام، ثم اتسعت في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، فوجد طالب العلم فيها مدارس للفقه والحديث والقرآن واللغة، وأصبح الوقف وسيلة أساسية لتوفير أماكن الدرس والسكن والإنفاق على المدرسين والطلاب.

    ودخل التصوف أيضاً ضمن حياة المجمع، وأضيف مكان للدراويش في مرحلة لاحقة من تاريخ المشروع، وهو أمر ينسجم مع حضور الزوايا والخوانق في البيئة الدينية الدمشقية خلال تلك القرون، ومع اهتمام كثير من أهل العلم آنذاك بتزكية النفس والذكر إلى جانب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية.

     

     

    ثامناً: زلزال سنة 1173هـ/1759م

    تعرضت دمشق خلال تاريخها لزلازل متعددة، وكان الزلزال الكبير الذي ضرب بلاد الشام في سنة 1173هـ/1759م من أشد الكوارث الطبيعية التي عرفتها المدينة في القرن الثامن عشر، إذ تتابعت الهزات خلال أسابيع وأصابت الجوامع والمآذن والأسواق والدور، ووصل أثرها إلى مدن وقرى عديدة في بلاد الشام.

    وأصيبت التكية السليمانية بأضرار استدعت أعمال إصلاح، كما دخل الجامع الأموي والقلعة وغيرها من مباني دمشق في حركة واسعة للترميم بعد الكارثة، وتشير المصادر الدمشقية إلى إنفاق الدولة على إصلاح عدد من المنشآت الكبرى، ومنها التكية.

    تاسعاً: التكية السليمانية في الوقت الحاضر

    تغيرت التكية السليمانية تدريجياً مع تغير وسائل السفر واختفاء قافلة الحج الشامية بصورتها القديمة، ومن ثم دخلت في القرن العشرين مرحلة جديدة، فاستخدمت بعض مبانيها لأغراض متحفية وثقافية، وارتبطت في التاريخ السوري بسوق المهن والحرف اليدوية الذي احتضن عدداً من الصناعات الدمشقية التقليدية، من النحاس والخشب والزجاج والمنسوجات وغيرها.

    كما تغير محيط التكية السليمانية بصورة كبيرة؛ فالمكان الذي كان في القرن السادس عشر خارج الكتلة العمرانية المزدحمة، قريباً من النهر والبساتين والمساحات المفتوحة، أصبح مع توسع دمشق في القرنين التاسع عشر والعشرين جزءاً من مركز المدينة، وأحاطت به الطرق والمنشآت الحديثة، فتغير المشهد الذي كان يراه الحاج قبل قرون، وبقي البناء شاهداً على الجغرافيا القديمة وسط مدينة أخذت تتسع حوله.

    وتحتاج التكية اليوم إلى عناية تحفظ بناءها وتاريخها معاً، فترميم هذا المعلم يحتاج إلى رؤية تجعل الزائر يعرف قصة المكان ووظائفه وتاريخه، ويحتاج هذا المكان إحياء الوقف العلمي والاجتماعي وإلى مؤسسات للتعليم والبحث ورعاية الأيتام والفقراء وإلى رجال أعمال وأهل خير ينظرون إلى المال بوصفه أمانة يمكن أن يمتد أثرها، حتى تظل التكية مدرسة مفتوحة في تاريخ دمشق إلى جانب قيمتها المعمارية. وقد قال الله تعالى: ﴿َمثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

    ]البقرة: 261. [

    وحين يقف الإنسان أمام هذه المعالم التي تعاقبت عليها الدول والأجيال، ويرى ما بقي من آثار العمران وتقلب الأحوال، يدرك أن التاريخ ليس أخباراً تُروى فحسب، وإنما هو ميدان للاعتبار والتفكر في سنن الله في الخلق والحياة والعمران. وقد وجّه القرآن الكريم إلى هذا المعنى، ودعا إلى السير في الأرض والنظر بعين البصيرة، فقال الله تعالى:

     

    ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20].

     

     

    حين انتهت زيارتي للتكية السليمانية، بقيت أفكر في الأجيال الكثيرة التي مرت من هذا المكان منذ القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي؛ في الحجاج الذين قدموا من بلاد بعيدة وأقاموا هنا أياماً قبل أن يكملوا طريقهم إلى مكة والمدينة، وفي طلاب العلم الذين دخلوا المدرسة وحملوا كتبهم وجلسوا إلى شيوخهم، وفي الفقراء والمسافرين الذين وجدوا طعاماً ومأوى، وفي البنائين والحرفيين الذين عملوا في الحجر والخشب والزخرفة، وفي العلماء والمدرسين والأئمة الذين تعاقبوا على المكان، وأكثر هؤلاء رحلوا ولم تحفظ لنا كتب التاريخ أسماءهم، ومع ذلك بقي شيء من أعمالهم إلى يومنا هذا.

    وقد خرجت من التكية السليمانية، وأنا أدعو الله أن يحفظ دمشق وأهلها، وأن يبارك في سوريا وأهلها، وأن يعين أبناءها على بناء بلدهم بالعلم والعمل والعدل والرحمة، وأن يوفقهم إلى حفظ تاريخهم وآثارهم وأوقافهم، وأن يجعل ما يبنونه اليوم نافعاً لمن يعيش بينهم، وخيراً يبقى لمن يأتي بعدهم.

    والله ولي التوفيق.

    المصادر والمراجع العربية

    الغزي، نجم الدين محمد بن محمد. الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة. تحقيق خليل المنصور. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ/1997م. ابن طولون الصالحي، شمس الدين محمد بن علي. القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، وما ورد في مؤلفاته من أخبار دمشق والميدان الأخضر وقصر الأبلق وبدايات العصر العثماني. البديري الحلاق، أحمد بن بدير. حوادث دمشق اليومية، 1154-1176هـ/1741-1762م. تحقيق أحمد عزت عبد الكريم. القاهرة، 1959م. الريحاوي، عبد القادر."الأبنية الأثرية في دمشق: التكية والمدرسة السليمانيتان بدمشق"، الحوليات الأثرية العربية السورية، دمشق، 1957م، ص125-134. الريحاوي، عبد القادر. روائع التراث الدمشقي. دمشق: دار التكوين للطباعة والنشر، 2005م. كرد علي، محمد. خطط الشام. دمشق: مكتبة النوري، ط3، 1403هـ/1983م. بدران، عبد القادر بن أحمد. منادمة الأطلال ومسامرة الخيال. تحقيق زهير الشاويش. بيروت: المكتب الإسلامي، ط2، 1405هـ/1985م. الشهابي، قتيبة. معجم دمشق التاريخي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1999م، مواد: "التكية السليمانية"، "القصر الأبلق"، "الميدان الأخضر". الرحال، أماني خليل. "التكية السليمانية محطة للحج الشامي في العصر العثماني 1516-1918م"، دراسة منشورة سنة 2024م في تاريخ التكية وعلاقتها بطريق الحج الشامي. مديرية أوقاف دمشق. المواد التعريفية والتاريخية المتعلقة بالكلية السليمانية والتكية والمدرسة السليمانية البرانية.

    مشاهدة زيارتي للتكية السليمانية في دمشق حكاية مكان جمع العلم والعبادة والوقف وخدمة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ زيارتي للتكية السليمانية في دمشق حكاية مكان جمع العلم والعبادة والوقف وخدمة الحجاج قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، زيارتي للتكية السليمانية في دمشق؛ حكاية مكان جمع العلم والعبادة والوقف وخدمة الحجاج.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار