د.خالد محسن يكتب: الإعلام “الخوارزمي”.. بين التنوير والإلهاء !! ...مصر

جريده المساء - اخبار عربية

»» سجن “ذكي” بلا أسوار.. يتنكر للأهمية والقيمة والأثر ..وينتصر لـ”الترند” والتفاعل!!

# من أول السطر

    تكامل وإبداع وبناء معنوي وفكري متجدد، أم صدام وتناقض ،وإعادة تدوير وإحلال للعقول والأفهام ..إلي أين ستقودنا العلاقة بين الإنسان وتطبيقات الذكاء الاصطناعي متسارعة التطور،فائقة المزايا والإمكانيات؟!. في الماضي القريب كان المحرر باعتباره “القائم بالاتصال” ورئيس التحرير ، باعتباره أهم حراس “البوابة الإعلامية”، هما من يقودان “الدفة” الإعلامية ، وصناعة الأجندة ويقرران ما الذي تقرأه أو ما تشاهده أو ما تشاهده، بعض النظر عن نوايا المنفعة أو التوجيه. اليوم القرار بيد “خوارزمية” بديلة.. تعمل عبر منظومة رقمية خفية عبر آلية برمجية تراقبك، تحلل نقراتك، وقت مشاهدتك، تعليقاتك، ثم تقدم لك عالما إخباريا مفصلا “على مقاسك”!. هذا هو الإعلام الخوارزمي، الذي تديره أدوات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات “التوصية’.

    والمعركة القادمة والتي بدأت بودارها ومؤسساتها وتدور رحاها في الأفق ليست بين “إعلام قديم” ،و”إعلام رقمي بديل”، المعركة هي بين إنسان يفكر و”خوارزمية” تقرر عنه،وتقود زمام المشهد. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من يدير من؟ ،هل أنت من يختار ويقرر.. أم أن الخوارزمية هي التي اختارتك؟،وهل نحن أمام ثورة إعلامية محررة، أم سجن رقمي جديد؟. إنها تساولات ستجيب عنها الأيام.

    الإعلام “الخوارزمي” هو الإعلام الذي لا يعتمد على البوابة الرئيسية للموقع أو نشرة الأخبار “الموقوتة” بل يعتمد على منصات التواصل، وتطبيقات الأخبار، ويوتيوب، وتيك توك. الخوارزمية هناك هي “رئيس التحرير الجديد”، مهمتها: أن تبقيك أطول فترة ممكنة، وأن تعرض لك ما “ستتفاعل معه” لا ما “تحتاج لمعرفته”.

    »» إيجابيات

    من الإيجابيات التي يراها البعض لإعلام الخوارزميات ،أننا بصدد الحصول علي إعلام بلا بواب،أو رقيب، بينما يراها البعض علي قائمة “المثالب”!. ومن بين الفوائد: ـ التخصيص والدقة: “الخوارزمية” تعرف أنك مهتم مثلا بالاقتصاد والرياضة وتكره السياسة، فتقدم لك ما تهتم به فقط. وهذا قد يوفر وقتك ويعطيك محتوى أقرب لاهتماماتك، ولم يعد المواطن مضطرًا للغوص في 10 صفحات ليجد خبرًا واحدًا يهمه. ـ كسر احتكار “التحرير”: في السابق كانت هناك عدة مؤسسات إعلامية كبيرة تحدد الأجندة، اليوم أي صانع محتوى في القاهرة أو الإسماعيلية أو أسوان يستطيع الوصول لمليون شخص إذا نجحت خوارزميته،ومن ثم تعزيز الديمقراطية الإعلامية، بينما يحذر الخبراء من الانفلات الإعلامي وآفات وأضرار صحافة المواطن اللامحدودة. ـ سرعة الانتشار : الفيديو الذي يوثق أزمة أو كارثة يصل للعالم في دقائق بفضل “الخوارزمية”. فالإعلام الخوارزمي جعل من كل مواطن مراسلًا، وهناك قضايا كثيرة كانت ستدفن في “قاع الهامور” خرجت للنور بسبب “ترند”. ـ تعدد الأصوات: لم تعد مضطرًا لصحيفة واحدة، فيمكنك متابعة 20 محللا وصحفيا وباحثا من 20 مدرسة فكرية مختلفة،ومن ثم أصبح التنوع متاحا وأكثر ثراء.

    »» سلبيات يري بعض خبراء الاعلام أن إعلام الخوارزميات له بعض الفوائد والكثير من السلبيات ،فهو سجن ذكي بلا أسوار بين فقاعة الصدي وغياب التأثير الإيجابي. ومن بين هذه السلبيات: ـ فقاعات “الفلترة” Echo Chambers* الخوارزمية تعطيك ما تحب، لا ما تحتاج، وإذا كنت ضد فكرة معينة، ستغذيك بكل ما يؤكد رأيك، وإذا كنت معها، ستغذيك بما يؤيدها. والنتيجة قد تؤدي لمجتمع مفكك فكريا، كل فريق يعيش في “حقيقة” مختلفة،واختفاء التوافق والحوار العام. ـ تغليب “الترند” على “الأهمية”: الخوارزمية لا تسأل: “هل هذا الخبر مهم للوطن؟” بل تسأل: “هل سيجلب تفاعلا؟”،فينتصر “فيديو” للرقص على تقرير عن التعليم، وتتصدر جريمة القتل على خبر عن مشروع قومي. الإعلام يتحول من “تنوير” إلى “إلهاء”. ـ تضخيم الاستقطاب والكراهية: الغضب يجلب تفاعلا والخوارزمية تعرف ذلك، لذلك تدفع بالعناوين الصادمة، والأخبار الكاذبة، والمثيرة وتعزز خطاب الشقاق والكراهية. وقد أثبتت دراسات كثيرة أن المحتوى المتطرف ينتشر أسرع بمعدل 6 مرات من المحتوى المعتدل. ـ موت الصحافة الاستقصائية: التحقيق الصحفي قد يحتاج لعدة أسابيع وأموال ولا يضمن تفاعلا، بينما فيديو 30 ثانية قد يحقق الملايين من المشاهدات، فانسحبت بعض المضامين التي تبثها بعض المؤسسات من العمق إلى “التفاهة”، والتبسيط المخل والمعلومة صارت سريعة، وسطحية. ـ فقدان السيطرة على الأجندة الوطنية: كما أن الخطورة تنبع عندما تصبح الخوارزمية الأجنبية هي من تحدد ما هو “مهم” لشعبك، ومن ثم قد تفقد الدولة جزءًا من سيادتها الناعمة،وهناك قضايا مصيرية قد تعمل وربما تُدفن لأنها “لا ترند”!. ـ من يتحكم فيمن؟: وهنا المفارقة التي اكتشفناها مع الايام ،فقد كنا نظن أننا نستخدم المنصات لكن الحقيقة المؤكدة أن المنصات تستخدم “بياناتنا” لتدريب خوارزمياتها علينا، فنحن لا نختار الأخبار، “الخوارزمية” تختار لنا، ثم تقنعنا أننا اخترنا. وقد يخلق هذا نوعًا جديدًا من التبعية، “تبعية خوارزمية”،وهي أخطر بمراحل من تبعية الإعلام القديم، لأنها غير مرئية.

    »» كيف نتعامل مع الإعلام الخوارزمي؟

    والحل يكمن في”الوعي الخوارزمي”، فلا يمكننا إلغاء الخوارزميات. لكن يمكننا ترويضها: ـ على مستوى الفرد: كسر الفقاعة بيدك، تابع صفحات تختلف معك، ابحث بنفسك ولا تنتظر الـ Feed. اسأل دائمًا: “لماذا ظهر لي هذا الخبر الآن؟”. ـ على مستوى المؤسسات الإعلامية: يجب أن تتعلم لغة “الخوارزمية” دون أن تصبح أسيرتها، فمن الممكن تقديم محتوى جذاب لكنه عميق، وتوظيف البيانات لخدمة الجمهور لا لاستغلاله. ـ على مستوى الدولة: وضع تشريعات لشفافية “الخوارزميات”، إلزام المنصات بكشف لماذا تم حجب أو دفع محتوى معين، ودعم إعلام إيجابي قوي لا يخضع لمنطق “الترند فقط”. والخلاصة أن الإعلام الخوارزمي ليس شرًا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا، بل هو تقنية مساعده ، إذا استخدمناها بوعي كان أداة نافعة وتعددية وتوزيع للمعرفة. وإذا تركناه يقودنا كان سجنًا يعمق انقساماتنا ويغيب عقولنا.

    وفي تقديري أن الكارثة ومردوداتها السلبية تنبع من الارتباط العصري الوثيق بين “الإعلام الخوارزمي”، والإدمان الرقمي،والتعرض المباشر لـ “مافيا هندسة العقول”. فلم يعد الإدمان الرقمي مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح نتيجة مباشرة لتصميمات متعمدة تقودها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. هذه الخوارزميات لا تعمل فقط على تنظيم المحتوى أو تحسين تجربة المستخدم، بل تُعيد تشكيل سلوك الإنسان عبر استغلال أضعف غرائزه النفسية. فربما تأتيك إشعارات غير متوقعة، تمرير بلا نهاية، ومكافآت فورية تُحفّز الدماغ بدفعات صغيرة من “الدوبامين”، كلها أدوات هندسية تجعل من الصعب الانفصال عن الهاتف أو التطبيقات حتى مع إدراك الأضرار. وقد اعترف خبراء من داخل صناعة التكنولوجيا مثل “تريستان هاريس” بأن ما يحدث هو “سباق نحو قاع الدماغ”، حيث تتنافس التطبيقات على استغلال انتباهنا بأكثر الطرق تأثيرًا على الجهاز العصبي. كما أكد مسؤولون سابقون في فيسبوك مثل “شامات باليهابيتيا” و”شون باركر” أن هذه التصاميم ليست عرضًا جانبيًا، بل استراتيجية تجارية تهدف إلى خلق حلقات تغذية قصيرة المدى مدمرة للمجتمع.

    والخطورة هنا أن الذكاء الاصطناعي هنا ليس مجرد أداة محايدة، بل هو القوة التي تعيد تشكيل حياتنا اليومية، فهو يضاعف الإدمان الرقمي عبر التخصيص المفرط للمحتوى، مما يجعل كل مستخدم يعيش في “فقاعة رقمية” مصممة خصيصًا له، ويزيد من صعوبة الانفصال عن الشاشة. وهذا التأثير يمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية، حيث ترتبط الظاهرة بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، إضافة إلى ضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية. كما أن التعليم والإنتاجية يتأثران بشكل مباشر، إذ أثبتت الدراسات أن الطلاب والموظفين يحتاجون أكثر من 23 دقيقة لاستعادة تركيزهم بعد أي مقاطعة رقمية. ولعل أبرز مثال واقعي على خطورة هذه الظاهرة ما حدث في كوريا الجنوبية عام 2025، حين أعلنت وزارة الصحة عن حالة وفاة شاب في العشرينات بعد جلسة ألعاب إلكترونية استمرت أكثر من 40 ساعة متواصلة. وقد أثبتت التحقيقات أن اللعبة كانت مصممة بخوارزميات ذكاء اصطناعي تعتمد على المكافآت المتغيرة، ما جعله غير قادر على التوقف. هذه الحادثة لم تكن مجرد مأساة فردية، بل جرس إنذار عالمي . كما أن خطورة الإدمان الرقمي تكمن في أنه لا يقتل الجسد مباشرة مثل المخدرات أو الكحول، لكنه يقتل الوقت، العلاقات، والإبداع. ومع انتشار الهواتف الذكية بين الأطفال والمراهقين، يصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا استراتيجيًا في تشكيل جيل يعاني من هشاشة معرفية ونفسية. لذلك إذا لم نضع ضوابط أخلاقية وتقنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم التطبيقات، فإننا نخاطر بخلق مجتمع يعيش في حالة تشتت دائم، علاقات سطحية، وإبداع مهدد بالانقراض. الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لتحرير الإنسان لا لاستعباده عبر الإدمان الرقمي. ومن اسوأ التحديات ،ما أطلق عليه”فقاعات الصدى”،فكل واحد منا الآن يعيش في “فقاعة”، وعالم خاص به فالخوارزميات تعرض له فقط ما يوافق رأيه. فلا يسمع الرأي الآخر، ولا يناقش، ولا يطور فكره ،فتصبح المجتمعات جزرا منعزلة فكرياً، سهلة التفريق والتوجيه السلبي. وهذا ما سنتناوله بمزيد من النقاش والتحليل في مقالات قادمة بإذن الله.

    # من الحكمة: “إن الحروف مثل السيوف.. منها ما يشهر كالبرق، يذوُد عن حقٌ، ومنها ما يُغمد في خاصرٍة النقاء ، فينزف القلب قبل الورق .. ومنها ما يجيءُ ڪنبع صاف، يروي عطش الأرواح، ومنهـا ما يتساقط كقطرٍت سمّ، فتذبل بَه الوجوه وتخور القلوب”. ـ “لا تنظر إلى ما مضى بانكسار، بل ارفع رأسك وافتخر بكل محنة تجاوزتها؛ فما ظننته يومًا نهاية، ربما كان بداية لقوة جديدة فيك. ـ تقبّل الهموم دون انكسار، واستقبل النجاح دون غرور، وتمسّك بأخلاقك مهما تبدلت الأيام؛ لأن أعظم انتصار أن تبقى ثابتًا حين تتغير الحياة من حولك. #.

    ظهرت المقالة د.خالد محسن يكتب: الإعلام “الخوارزمي”.. بين التنوير والإلهاء !! أولاً على جريدة المساء.

    مشاهدة د خالد محسن يكتب الإعلام ldquo الخوارزمي rdquo بين التنوير والإلهاء

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ د خالد محسن يكتب الإعلام الخوارزمي بين التنوير والإلهاء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، د.خالد محسن يكتب: الإعلام “الخوارزمي”.. بين التنوير والإلهاء !!.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار