بقلم : د. حسن رجب ( أستاذ الدراسات الصينية. مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس ـ عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية)
لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في سبتمبر 2026 محطة بروتوكولية، بل لحظة تختصر سبعين عامًا من الثقة وتفتح بابًا لمرحلة أعمق في التعاون الاقتصادي والاستراتيجي. فقد جاءت الزيارة يومي 1 و2 سبتمبر، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، في وقت تتحرك فيه المنطقة والعالم وسط تحولات كبرى في الأمن والاقتصاد والنظام الدولي.
وتبدأ قصة التقارب من أبعد من عام 1956؛ فالتواصل بين وادي النيل والصين ارتبط منذ قرون بشبكات التجارة القديمة التي ربطت الشرق والغرب، كما يشير الجانب الصيني إلى وصول مبعوثين من أسرة هان إلى الإسكندرية قبل أكثر من ألفي عام. وفي العصر الحديث، اكتسب التقارب بُعدًا سياسيًا واضحًا مع لقاء جمال عبد الناصر وتشُو إن لاي في باندونج عام 1955، حيث اتجه البلدان إلى بناء علاقات رسمية تكرست في 30 مايو 1956، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
ومنذ ذلك الحين تدرجت العلاقة من الصداقة السياسية إلى الشراكة المؤسسية. فقد شهد عام 1999 الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ثم جاءت النقلة الأبرز في ديسمبر 2014 بإقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج. وبعد ذلك أصبحت مصر إحدى النقاط المحورية في التعاون الصيني ضمن مبادرة الحزام والطريق، مستفيدة من موقعها عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا ومن ثقلها في العالم العربي والقارة الأفريقية.
وجاءت زيارة سبتمبر 2026 لتبني على هذا الرصيد. فقد وصل الرئيس شي إلى القاهرة مساء الأول من سبتمبر، واستقبله الرئيس السيسي، ثم شهد قصر الاتحادية في الثاني من سبتمبر مراسم استقبال رسمية ومباحثات موسعة بين الرئيسين. وانتهت الزيارة بالتوقيع على أكثر من عشرين وثيقة تعاون، شملت الحزام والطريق، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد والتجارة، وسلاسل الصناعة والإمداد، والاقتصاد الرقمي، والعلوم والتكنولوجيا، والتعليم والنقل، إلى جانب إصدار بيان مشترك لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
ويكمن البعد الاقتصادي الأهم في أن التعاون لم يعد محصورًا في تمويل البنية الأساسية أو تنفيذ المشروعات، بل يتجه إلى نقل جزء من القدرات الإنتاجية وسلاسل القيمة إلى مصر. فقد اتفق الجانبان على تعميق المواءمة بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، بما يدعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، مع التركيز على توطين صناعات مثل السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة المتجددة، وتحلية المياه، إلى جانب مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني.
وهنا تظهر قناة السويس في صورة جديدة: ليست ممرًا بحريًا فقط، بل منصة إنتاج ولوجستيات وتصدير. فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أصبحت مجالًا متقدمًا للحضور الصناعي الصيني، من خلال شركات ومشروعات في الصناعات الإلكترونية والمنسوجات وغيرها. وتكشف هذه التحولات أن القيمة المستقبلية للشراكة لا تكمن في حجم التجارة وحده، بل في قدرة مصر على استيعاب التكنولوجيا الصينية وربطها بالعمالة والأسواق والموارد المحلية، ثم إعادة تصدير المنتجات إلى أسواق المنطقة وأفريقيا.
ويؤكد مسار التجارة هذا التحول؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 17.378 مليار دولار في 2024 وفق بيانات وزارة الخارجية الصينية، وهو رقم كبير لكنه يكشف أيضًا اختلالًا واضحًا في الميزان التجاري لمصلحة الصين. ومن ثم فإن القيمة المضافة الحقيقية للمرحلة الجديدة ستكون في زيادة الصادرات المصرية، وجذب الاستثمار الصناعي الصيني، ودمج المنتج المصري في سلاسل التوريد الآسيوية، بدل الاكتفاء بتوسيع حركة الواردات.
أما سياسيًا، فقد حملت الزيارة رسائل متبادلة بالغة الدلالة. جددت مصر التزامها بمبدأ الصين الواحدة واعترافها بأن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، بينما أكدت الصين إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، داعية دول حوض النيل إلى احترام القانون الدولي وعدم التسبب في الضرر. وفي الملف الفلسطيني، أكد الجانبان دعم حل الدولتين، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، بما يعكس تقاربًا في الرؤية تجاه أولوية التسوية السياسية ورفض فرض الوقائع بالقوة.
والأهم أن القاهرة وبكين لا تقدمان علاقتهما بوصفها تحالفًا موجّهًا ضد طرف ثالث، بل نموذجًا لعلاقات الجنوب العالمي القائمة على المساواة والمنفعة المتبادلة واحترام السيادة. وقد شدد البيان المشترك على تعزيز صوت الدول النامية في الحوكمة العالمية، وهو ما يمنح العلاقة بعدًا يتجاوز الثنائية المصرية الصينية إلى مساحة أوسع تتصل بإعادة تشكيل التوازنات الدولية.
لذلك يمكن قراءة زيارة شي جين بينج إلى مصر باعتبارها انتقالًا من مرحلة «التعاون في المشروعات» إلى مرحلة «الشراكة في صناعة المستقبل». فالسنوات المقبلة ستختبر قدرة البلدين على تحويل الاتفاقات إلى مصانع، والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة، والموقع الجغرافي إلى سلاسل إمداد، والثقة السياسية إلى مكاسب اقتصادية طويلة الأمد. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الزيارة مجرد احتفاء بسبعين عامًا مضت، بل إعلانًا عن أن الفصل المقبل من العلاقات المصرية الصينية سيكون عنوانه الأبرز هو الإنتاج المشترك، والتكنولوجيا، والربط بين الأسواق.
ظهرت المقالة مصر والصين.. تعاون مثمر أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة مصر والصين تعاون مثمر nbsp
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مصر والصين تعاون مثمر قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مصر والصين.. تعاون مثمر .
في الموقع ايضا :
- حقوقيون يدعون الجزائر إلى التراجع عن استئناف تنفيذ عقوبة الإعدام
- بعد محاولة استهدافه بمسيرة.. فرق الطوارئ تخفض منسوب خزانات مستودع البريقة في العاصمة الليبية
- بعثة أممية تتهم كيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال بإذكاء نار الحرب في السودان