بقلم: د. نجلاء حسين المكابرابي
لم تكن المحادثة الهاتفية بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس جمهورية بوروندي ورئيس الاتحاد الإفريقي إيفاريست ندايشيميي، مجرد اتصال دبلوماسي ، هي تحمل في مضمونها دلالات تتجاوز دعم مبادرة الحوار السوداني-السوداني إلى إعادة قراءة موقع السودان في محيطه الإفريقي، بعد حرب أضعفت حضوره السياسي والاقتصادي وأثرت في علاقاته الإقليمية والدولية.
إشادة رئيس الاتحاد الإفريقي بجهود الحكومة السودانية لتهيئة بيئة الحوار، وترحيبه بمبادرة الحوار السوداني، تمثل رسالة ذات أهمية؛ فالاتحاد الإفريقي ظل ينظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها قضية إفريقية في المقام الأول، وأن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً منفصلاً عن أمن القارة.
إفريقيا.. الجوار الذي لا يمكن للسودان تجاهله
السودان ليس دولة إفريقية هامشية في حسابات القارة. موقعه الجغرافي يجعله جسراً بين القرن الإفريقي وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل والبحر الأحمر، كما أن حدوده المشتركة مع سبع دول تمنحه أهمية استراتيجية مضاعفة.
ولهذا فإن مستقبل العلاقات السودانية الإفريقية بعد الحرب ينبغي ألا يُبنى على ردود الفعل أو البيانات السياسية، وإنما على رؤية جديدة تعيد تعريف المصالح المشتركة.
ولقد أظهرت الحرب أن أزمات السودان الداخلية يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمات عابرة للحدود، من خلال النزوح واللجوء وتجارة الحدود وانتقال السلاح وتداعيات الأمن الغذائي والمائي. وفي المقابل، فإن استقرار السودان يمكن أن يصبح عاملاً مهماً في استقرار محيطه الإفريقي.
من الدبلوماسية السياسية إلى دبلوماسية المصالح
خلال المرحلة المقبلة، يحتاج السودان إلى الانتقال من دبلوماسية تقوم على شرح الأزمة إلى دبلوماسية تقوم على صناعة المصالح.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء العلاقات مع دول الجوار الإفريقي على أساس المصالح المتبادلة، وتفعيل العلاقات مع دول القرن الإفريقي، وتعزيز التعاون مع دول حوض النيل، والانفتاح بصورة أكبر على دول غرب ووسط إفريقيا.
كما أن الاتحاد الإفريقي يمكن أن يكون شريكاً رئيسياً في مرحلة ما بعد الحرب، ليس في ملف السلام، وإنما في ملفات إعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، ودعم الاستقرار، وعودة السودان إلى دوره الفاعل داخل المنظومة الإفريقية.
والأهم أن السودان يجب ألا يتعامل مع الاتحاد الإفريقي باعتباره جهة ضغط أو وساطة فقط، بل باعتباره فضاءً استراتيجياً يمكن أن تتحول فيه عضوية السودان إلى قوة ناعمة ومجال واسع للمصالح الاقتصادية والسياسية.
الاقتصاد.. البوابة الأهم للعلاقات الجديدة
إذا كانت الحرب قد أضعفت الاقتصاد السوداني، فإن مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تجعل الاقتصاد مدخلاً لإعادة بناء العلاقات الإفريقية.
يمتلك السودان موارد زراعية ومعدنية وحيوانية وموقعاً بحرياً استراتيجياً، فضلاً عن إمكانات كبيرة في مجالات الطاقة والنقل والتجارة العابرة للحدود.
ومن هنا يمكن التفكير في مشاريع مشتركة مع دول الجوار في الزراعة والثروة الحيوانية والنقل والطاقة والموانئ، وتطوير المعابر الحدودية، وربط الأسواق السودانية بالأسواق الإفريقية.
فالسودان لا يحتاج بعد الحرب إلى مساعدات ، وإنما يحتاج إلى شراكات إنتاجية تعيد تشغيل اقتصاده وتخلق فرص العمل وتفتح الأسواق أمام منتجاته.
البحر الأحمر والقرن الإفريقي
يمثل البحر الأحمر إحدى أهم دوائر المستقبل في السياسة الخارجية السودانية.
فالسودان يقع على الضفة الغربية للبحر الأحمر في منطقة تتقاطع فيها المصالح الإفريقية والعربية والدولية. ولذلك فإن إعادة بناء العلاقات مع دول القرن الإفريقي ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من استراتيجية السودان الخارجية.
والاستقرار في السودان يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أوسع في أمن البحر الأحمر، ومكافحة الجريمة المنظمة، وتنشيط التجارة والموانئ، وربط الاقتصادات الإفريقية بالممرات البحرية الدولية.
السودان بعد الحرب.. هل يعود إلى إفريقيا أم يعيد تعريف دوره فيها؟
السؤال الحقيقي ليس: هل سيعود السودان إلى الاتحاد الإفريقي؟
هو: أي سودان سيعود إلى إفريقيا؟
فالعودة الشكلية إلى المؤسسات الإفريقية لا تكفي. المطلوب هو عودة السودان لاعباً مؤثراً يمتلك رؤية واضحة، ويقدم مبادرات، ويدافع عن مصالحه، ويساهم في معالجة قضايا القارة.
وفي هذا السياق، فإن الحوار السوداني-السوداني يمثل أكثر من استحقاق داخلي؛ فإذا نجح في إنتاج توافق وطني واسع، فإنه يمكن أن يصبح مدخلاً لاستعادة الثقة الإفريقية بالسودان، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التعاون.
استشراف المستقبل
يمكن تصور العلاقات السودانية الإفريقية خلال السنوات المقبلة عبر ثلاثة مسارات.
الأول: مسار الاستعادة.
ويقوم على إعادة السودان إلى مؤسسات الاتحاد الإفريقي واستعادة علاقاته الطبيعية مع دول الجوار، وإزالة آثار العزلة التي فرضتها الحرب.
الثاني: مسار الشراكة.
وفيه ينتقل السودان من تلقي المبادرات إلى المشاركة في صناعتها، ومن طلب الدعم إلى بناء مشاريع ومصالح مشتركة في الاقتصاد والأمن والتنمية.
الثالث: مسار القيادة الإقليمية.
وهو المسار الأكثر طموحاً، ويقوم على استثمار الموقع الجغرافي والموارد والإرث الدبلوماسي للسودان، ليعود لاعباً في قضايا البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل، والمساهمة في صناعة الحلول الإفريقية للأزمات الإفريقية.
لكن الوصول إلى هذا المستوى مشروط أولاً بإنهاء الحرب، وبناء السلام، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق توافق وطني حقيقي.
اخيرا
الرسالة التي حملها الاتصال بين الخرطوم وبوجمبورا تقول إن إفريقيا لا تزال ترى في السودان جزءاً أصيلاً من منظومتها، وأن باب العودة لم يُغلق.
غير أن المستقبل لن ينتظر السودان طويلاً.
فإذا نجح السودان في تحويل الحوار إلى سلام، والسلام إلى استقرار، والاستقرار إلى إنتاج، فإنه يستطيع أن يحول موقعه الجغرافي وثرواته وعلاقاته التاريخية إلى أدوات نفوذ وشراكة.
السودان بعد الحرب لا ينبغي أن يعود إلى إفريقيا كما كان قبلها؛ بل ينبغي أن يعود برؤية جديدة: سودانٌ أكثر انفتاحاً على محيطه، أكثر قدرة على حماية مصالحه، وأكثر استعداداً للمساهمة في صناعة مستقبل القارة.
ومن هنا، فإن العلاقات السودانية الإفريقية القادمة يجب ألا تكون مجرد علاقات جوار، وإنما مشروع شراكة استراتيجية عنوانه: السلام، المصالح، والتنمية.
السودان وإفريقيا بعد الحرب: من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة سوداني نت.
مشاهدة السودان وإفريقيا بعد الحرب من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ السودان وإفريقيا بعد الحرب من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سوداني نت ( السودان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، السودان وإفريقيا بعد الحرب: من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة.
في الموقع ايضا :
- الأرصاد تحذر.. طقس شديد الحرارة وأمطار رعدية في اليمن اليوم
- الاحتفاظ بالصحفي محمد اليوسفي: “حين تتحول حملات التحريض إلى بوابة للتنكيل بالصحفيين”
- "حماس": المقال المنشور على حساب "مجلس السلام" مجحف بحق شعبنا ومقاومته