yemenat
يمنات
عدنان الدوسري
كانت باريس، في ذلك الخريف، تبدو كأنها خرجت لتوّها من لوحة رسمها عاشق ولم يفرغ من وضع لمساته الأخيرة. كانت أوراق الكستناء تنحدر ببطء على الأرصفة المبتلّة، ويجري السين تحت الجسور كشيخٍ يعرف حكايات العاشقين جميعًا، لكنه يدفنها في مائه ولا يبوح.في المقاهي الصغيرة كانت رائحة القهوة تصعد مع بخار النوافذ، وكانت الشرفات العتيقة تنفض عن حديدها مطرًا خفيفًا يزيد المدينة غموضًا. كل شيء في باريس كان جميلًا، إلا أنني كنت أملك موهبة نادرة في ألا أرى جمال الأشياء حين أكون وحيدًا.كنت لاجئًا أسكن غرفة ضيقة في بيلفيل، في بناية قديمة يتجاور فيها العمال والمهاجرون والطلبة وأولئك الذين يعرفون، بدقة مؤلمة، كيف يقسمون ما تبقى من الشهر على ما تبقى في جيوبهم. وكانت غرفتي تتسع لسرير ضيق وطاولة خشبية ورفوف مائلة تحمل كتبًا أكثر مما تحمل من الأمل.كنت كاتبًا أيضًا. وهذه كانت سخريتي الخفية من العالم: أستطيع على الورق أن أشيد قصورًا وأمنح أبطالي مدنًا لا تنام، بينما لا أملك في الواقع سوى مفتاح لغرفة باردة، ونافذة تطل على أسطح لا أعرف أصحابها.
لم يكن الفقر يؤلمني بقدر ما كانت الغربة تفعل. الفقير يستطيع أن يحلم بالغنى، أما المنفي فيحلم بعنوان قديم، بباب يعرفه، وبصوت يناديه من خلفه. وكان أكثر ما يرعبني أن أعتاد المنفى حتى لا أعود أعرف إلى أي مكان ينبغي أن أعود.في مساء بارد، خرجت من مكتبة صغيرة وأنا أحمل كتابين مستعارين. عند الباب اصطدمت بامرأة كانت تعبر مسرعة، فسقط من يدها كتاب ذو غلاف أزرق. انحنيت والتقطته، فظهرت أمامي بطاقة الاستعارة، وعلى السطر الأول اسم واحد:
(لونا)
رفعت رأسي، وفي اللحظة نفسها بدا لي أن باريس كلها توقفت، لا لتتأملها، بل لتمنحني وقتًا كافيًا كي أضيع فيها.كان شعرها بلون الفضة، ينسدل على كتفيها في هدوء، وكانت عيناها داكنتين كنافذتين مضاءتين في آخر الليل. لم يكن جمالها من النوع الذي يملأ المكان صخبًا؛ كان جمالًا خافتًا، يتسلل إلى القلب كما يتسلل الضوء من تحت باب مغلق، ثم يستقر فيه دون استئذان.
مددت الكتاب إليها وقلت بفرنسية متعثرة:
— «Je suis désolé.»
أنا آسف.
ابتسمت، وقالت وهي تأخذ الكتاب من يدي:
— «Ce n’est rien.»
لا بأس.
ثم أضافت، كأنها لاحظت ارتباكي:
— «Vous allez bien ?»
هل أنت بخير؟
أجبتها، وأنا أبحث عن الكلمات في قاع لغتي الفرنسية الضيقة:
— «Oui… très bien.»
نعم… بخير جدًا.
لم أكن بخير. كنت قد خرجت لتوّي من وحدتي، ثم اصطدمت بامرأة جعلت وحدتي تبدو فجأة أكثر اتساعًا، وأكثر قسوة.ابتسمت ومضت بين المارة، بينما بقيت واقفًا عند الباب أراقبها وهي تتعد، وأشعر أن شيئًا مني قد خرج معها دون أن أعرف كيف استرجعه.
عدت إلى غرفتي، فعادت لونا معي. رأيتها في زجاج المترو، بين سطور الكتب، وفي البخار الصاعد من إبريق الشاي الذي كنت أعدّه كل مساء. وحين أطفأت المصباح، لم يختفِ وجهها؛ كان يلمع في رأسي أكثر من نافذة المدينة.فتحت دفتري وكتبت اسمها. ثم كتبت تحته:
( رأيت اليوم امرأة مرّت أمامي، ولم تعرف أنها أخذت معها شيئًا لم أعد أعرف كيف أسترده)
بعد أسبوع، رأيتها في المكتبة نفسها. كانت هناك أمسية أدبية للمهاجرين، وكنت أحد المشاركين فيها. جلست في الصفوف الأمامية، وقد وضعت معطفها على ركبتيها، كأنها جاءت لتصغي لا لتُرى.
قرأت قصة قصيرة بالعربية، ثم حاولت أن أقرأ ترجمتها الفرنسية. كنت أتنقل بين لغتين لا تشبه إحداهما الأخرى؛ لغة أعود بها إلى طفولتي، ولغة أقيم فيها منذ سنوات دون أن أشعر أنها أقامت فيّ.
وحين رفعت عيني عن الورق، وجدتها تنظر إليّ. في تلك اللحظة أدركت أنني لا أقرأ لجمهور، بل لامرأة واحدة، وأن الكلمات، مهما اتسعت، يمكن أن تضيق حتى تصبح جسرًا بين قلبين.بعد انتهاء الأمسية اقتربت مني. كان بيننا ضجيج خافت من الأحاديث، ورائحة قهوة امتزجت برائحة المطر. قالت بالفرنسية:
— «Quand vous lisez en arabe, votre voix change.»
حين تقرأ بالعربية يتغيّر صوتك.
ابتسمت وقلت:
— «Parce que, quand j’écris en arabe, je rentre chez moi.»
لأنني حين أكتب بالعربية أعود إلى بيتي.
تأملتني لحظة، ثم قالت:
— «Et le français ?»
وماذا عن الفرنسية؟
أجبتها:
— «Le français est une maison que je loue.»
الفرنسية بيت أستأجره.
ضحكت، فضحكت. ومن تلك الضحكة بدأ بيننا شيء لم نفهمه.
في الأيام التالية ظل حديثنا بالفرنسية. كانت لغتي تتعثر أحيانًا، فتلتقط هي الجملة من منتصفها، وتعيدها إليّ أكثر نعومة، كأنها لا تصحح لغتي بل تربّت على كتفها.عرفت أنها تعمل في المجال الطبي، وتسكن في الدائرة السادسة عشرة، حيث الشوارع أكثر هدوءًا، والنوافذ أكثر اتساعًا، والبيوت لا تضطر إلى الاعتذار عن مساحتها. قلت لها ذات مساء، ونحن نغادر المكتبة:
— «Alors, vous habitez à l’étage supérieur de la ville ?»
إذن أنت تسكنين في الطابق العلوي من المدينة؟
ابتسمت وقالت:
— «Je ne crois pas aux étages. Nous habitons la même ville, même si nos fenêtres sont différentes.»
لا أؤمن بالطوابق. نحن نسكن المدينة نفسها، حتى لو اختلفت نوافذنا.
قبل أن نفترق سألتني:
— «Vous avez d’autres textes ?»
هل لديك نصوص أخرى؟
قلت:
— «J’en ai beaucoup. Certains ne méritent peut-être pas de survivre.»
لدي الكثير. وبعضها، ربما، لا يستحق القراءة
ضحكت، ثم أخذت دفتري وكتبت في صفحته الأخيرة بريدها الإلكتروني ورقم هاتفها.
— «Envoyez-moi ce que vous aimez.»
أرسل لي ما تحب.
حين أعادت الدفتر، لم تعد الصفحة صفحة. بدت لي بابًا صغيرًا فُتح فجأة في جدار طويل.
في تلك الليلة أرسلت إليها بعض قصصي. ثم فعلت شيئًا لم أكن أنوي فعله:
كتبت لها رسالة حب بالفرنسية. سهرت حتى الفجر، أتنقل بين قلبي والقاموس، أحاول أن أقول بلغة مستعارة ما كان يشتعل في داخلي بلغتي.
جاء ردها في المساء:
— «Tes histoires sont belles. Mais ton français a besoin d’être sauvé.»
قصصك جميلة، لكن لغتك الفرنسية تحتاج إلى إنقاذ.
كدت أموت خجلًا. ثم قرأت السطر التالي:
— «Au fait… je suis algérienne.»
بالمناسبة… أنا جزائرية.
توقفت طويلًا أمام الكلمة. شعرت كأن البحر الابيض المتوسط كله دخل غرفتي، حاملاً معه رائحة الملح والبرتقال وبيوتًا بعيدة لا أعرفها إلا من حكايات الآخرين.
جزائرية.
كانت الكلمة أقرب من أن تكون معلومة، وأعمق من أن تكون مصادفة. فجأة لم تعد لونا امرأة التقيتها في مكتبة باريس فحسب؛ صارت نافذة على جهة من العالم تشبه جهتي، وعلى لغة يمكن أن تصل إليها دون أن تمر عبر قواميس الغربة.ثم تابعت القراءة، فوجدت رسالتها تقول:
— «Tu es un écrivain arabe. Pourquoi essaies-tu de m’aimer dans une langue qui n’est pas la tienne ? Écris-moi en arabe. Je veux lire ton cœur, pas ton dictionnaire.»
أنت كاتب عربي. لماذا تحاول أن تحبني بلغة ليست لغتك؟ اكتب لي بالعربية. أريد أن أقرأ قلبك، لا قاموسك.
وضعت الهاتف على الطاولة، وبقيت طويلًا أحدّق في الكلمة الأخيرة: (قلبك)
حتى تلك اللحظة كنت أظن أن الفرنسية هي الجسر الوحيد بيني وبينها. لكن اكتشافي أنها جزائرية جعل الجسر أقصر من أن يحتاج إلى لغة مستعارة. شعرت أن العربية، التي كنت أخبئها في داخلي كما يخبئ المنفي مفتاح بيته القديم، قد فتحت بابها فجأة.
جلست إلى طاولتي. كان المطر يطرق زجاج النافذة، وكانت أمامي فاتورة الإيجار وأوراق مبعثرة ودفتر قديم حملته معي من حياة لم يعد لي فيها سوى الذكريات.
وللمرة الأولى منذ عرفتها، كتبت إليها بالعربية:
(لونا
هذه المرة لن أستعين بقاموس. سأكتب إليك بلغتي، لأن العربية وحدها تعرف مقدار الخراب الجميل الذي تركته في قلبي منذ رأيتك.أنا لاجئ. أسكن غرفة متواضعة في بيلفيل، وأحسب أحيانًا ثمن القهوة قبل أن أشربها، وأؤجل شراء كتاب أحبه لأن ثمنه قد يكون عشاء يومين. لا أقول هذا لتشفقي عليّ؛ فإذا دخلت الشفقة رسالتي، فأغلقيها قبل أن تكمليها.لا أريد رحمتك، يا لونا. أريد فقط أن تريني كما أنا: رجلًا أخذت منه الحياة أشياء كثيرة، لكنها نسيت أن تأخذ منه قدرته على الحب.
منذ رأيتك وأنا أشتاق إلى أشياء لم تحدث بعد: إلى فنجان قهوة نشربه في مقهى لا يعرفنا، وإلى شارع نمشي فيه تحت المطر، وإلى يدك وهي تبحث عن يدي في برد باريس، وإلى خصام صغير لا يطول، ثم مصالحة تجعل الخصام يبدو ضروريًا. أشتاق إلى صوتك حين يناديني باسمي، كأن اسمي لم يكن جميلًا قبل أن تنطقيه. وأشتاق إلى أن أتوقف، ولو قليلًا، عن استعمال ضمير المفرد:
غرفتي، قهوتي، مسائي، وحدتي. أريد أن أقول:
غرفتنا، قهوتنا، مساؤنا. وحين يسمح لنا الحلم أن يتمادى قليلًا: بيتنا.
لا أملك لك قصرًا، ولا سيارة فاخرة تنتظرك أمام بابك. لكنني أملك قلبًا، إذا دخلته امرأة أحبها، فلن تكون ضيفة فيه. ستصير المعنى الذي يجعل البيت بيتًا.إن أحببتني يومًا، فلا تحبيني لأنني كاتب. أحبيني لأنني الرجل الذي رأى فيك وطنًا في اللحظة التي لم يعد يملك فيها وطنًا.
وإن لم يكن في قلبك مكان لي، فسأحترم المسافة. سأعود إلى كتبي وغرفتي، لكنني سأبقى ممتنًا للمصادفة التي جعلتني أكتشف أن قلبي لم يمت. كنت أظن أن أقسى ما يحدث للإنسان أن يفقد وطنه. ثم عرفتك، فاكتشفت أن الأقسى أن يجد وطنه في امرأة، ثم يقف عند حدود قلبها ولا يعرف إن كان مسموحًا له بالدخول.
إن كان لديك مقعد صغير لرجل أتعبته الطرق، فامنحيه فنجان قهوة. هذا كل ما أطلبه.
أرسلت الرسالة، ثم وضعت الهاتف على الطاولة، كأنني وضعت قلبي نفسه في مكان لا أستطيع استعادته منه.
انتظرت. مرت ساعة بدت أطول من سنوات المنفى. ثم أضاء الهاتف.
كانت رسالة من لونا
ـ الآن فهمت لماذا أنت مرهف. لكن لديك خطأ واحد.
كتبت سريعًا:
ـ أي خطأ؟
جاء جوابها بعد لحظات:
ـ تظن أن المسافة بيننا هي بيلفيل والدائرة السادسة عشرة هي المشكلة .
سألتها:
وما هي إذن؟
تأخر ردها. ظل المؤشر يومض على الشاشة مثل قلب متردد. ثم ظهرت كلمة واحدة
ـ خوفك.
وبعد قليل كتبت:
– السبت، في الخامسة. لا تأتِ إلى حيّنا. سآتي أنا إلى بيلفيل. أريد أن أرى المكان الذي خرجت منه كل هذه الكلمات.
وضعت الهاتف فوق صدري. نظرت إلى السرير الضيق، والكتب المكدسة، والطاولة القديمة، والنافذة التي تطل على أسطح الناس العاديين. للمرة الأولى لم أخجل من شيء.في الخارج كانت باريس تمطر. لكن المدينة لم تعد تبدو لي واسعة كما كانت؛ فقد انكمشت شوارعها، وهدأت جسورها، وصار لها اتجاه واحد:
امرأة جزائرية اسمها لونا تمشي نحوي.
في ذلك المساء فهمت أن الوطن ليس دائمًا أرضًا نعود إليها، ولا بيتًا تحفظه الذاكرة. أحيانًا يكون صوتًا، أو يدًا، أو لغة تستعيد بها نفسك. وأحيانًا يكون موعدًا عند الخامسة مساءً.وأحيانًا، حين يضيق العالم كله، يتسع القلب لامرأة واحدة.
yemenat
مشاهدة حين ضاقت باريس بامرأة واحدة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين ضاقت باريس بامرأة واحدة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين ضاقت باريس بامرأة واحدة.
في الموقع ايضا :
- قصف مبنى في جامعة تعز بطيران مسيّر
- الرابطة الأولى.. برنامج مباريات الأحد
- إصابة مروعة لأيوب الكعبي في الدوري اليوناني (فيديو)
