الواضح أن أزمتنا اليوم ليست بين من يريد الحرب ومن يريد الحوار، بل في من يملك شروط الانتقال من الميدان إلى السياسة، ومتى يحدث ذلك، وتحت أي ميزان؟ في هذا المقال نحاول قراءة هذه الموازين، وما تخفيه من صراع على شروط نهاية الحرب ومآلاتها.
ومن هذا المنطلق ينبغي أن يبدأ التفكير في مستقبل الحرب والحوار، فالحرب ليست بندقية في جبهة القتال، والحوار ليس مجرد طاولة يجلس حولها السياسيون، فكلاهما جزء من معركة تتداخل فيها القوة العسكرية والاقتصاد والدبلوماسية والمصالح الإقليمية والدولية، والقدرة على التأثير في مستقبل الدولة السودانية.
ولهذا فإن فتح باب الحوار لا يعني التراخي عن حماية البلاد ، كما أن استمرار العمليات لا يعني إغلاق باب السياسة. فالخطأ وضع المسارين في مواجهة متقابلة، بينما الحقيقة أن اليقظة والاستنفار لحماية الدولة يحددان شروط الحوار، والحوار الرشيد يحمي ما تحققه الدولة في الميدان.
وتزداد الصورة وضوحاً في التقرير الاخير لفريق خبراء مجلس الأمن، المقدم بموجب القرار 2791 في سبتمبر 2025، الذي وثّق شبكات عابرة للحدود لتجنيد وتدريب ونقل السلاح والمسيّرات والدعم اللوجستي إلى المليشيا، بما في ذلك صلات بمقاتلين كولومبيين وشبكات مقرها الإمارات. ومع دعوة بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى توسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان، وطرح واشنطن مشروعاً في الاتجاه نفسه، حيث أصبح الدعم العسكري الخارجي مجرد اتهام ، بل ملفاً موثقاً أممياً، تتزايد تبعاته القانونية والدبلوماسية والأخلاقية ، بعدما خلص التقرير إلى أنه أسهم في تعزيز القدرات العسكرية وإطالة أمد الحرب.
وهنا ينبغي أن تتوقف القراءة السياسية، طويلاً أمام هذه التوصية. فإن كان الهدف هو وقف تدفق السلاح الذي يطيل الحرب، فإن تعميم الحظر على كامل البلاد، دون التمييز بين القوات المسلحة للدولة والمليشيا المتمردة عليها، يثير إشكالاً سياسياً وقانونياً بالغ الحساسية و التعقيد. إذ لا يستوي في ميزان الدولة والقانون، وضع الجيش الوطني المسؤول عن حماية البلاد وشعبها مع تشكيل مسلح متمرد خارج بنيتها الشرعية.
وقد تُفهم هذه المعادلة، كمساواة غير عادلة بين الدولة والمليشيا، خصوصاً مع تراجع الأخيرة ميدانياً. فالمليشيا قوة متمردة على الدولة وليست فصيلاً سياسياً مساوياً لها ، ومن ثم فإن أي إجراء دولي ينبغي ألا يقيّد قدرة الجيش على استعادة سيادة البلاد وحماية المدنيين، أو يمنح التمرد فرصة لإعادة التموضع. فالحوار يُفتح أمام القوى السياسية والمجتمعية، أما السلاح فلا يصنع للمتمرد حقاً سياسياً، ولا يمنحه موقعاً في تقرير مستقبل السودان.
وتكمن المفارقة في أن أي حظر لا يراعي طبيعة الصراع قد لا ينهي الحرب، بل يجمّدها عند “توازن ضعف” يمنح التمرد مساحة لإعادة التموضع. وقد يسعى، في ظل ذلك، إلى إحداث مفاجأة بالسيطرة على منطقة حاكمة أو ذات ثقل استراتيجي، فتربك المشهد وتعيد خلط الأوراق.
ومن هنا يتشكل “توازن الضعف” ، كتقاطع مصالح يطيل أمد الحرب، في مقدمتها الدعم الإقليمي الذي يمد المتمردين بالسلاح والتمويل ، فضلاً عن ضغوط دولية قد تدفع نحو وقف القتال قبل معالجة الأزمة. لذلك قد يصبح منع الهزيمة هدفاً بحد ذاته إلى حين تغير الموازين. ومن ثم، فإن الحفاظ على المبادرة الميدانية مهم، ليس رفضاً للحوار، بل شرطاً لدخوله من موقع قوة وسيطرة ، لأن الحوار الذي يسبق تثبيت قدرة الدولة على حماية نفسها قد ينتهي إلى تسوية تفرضها موازين الحرب علي إرادة السودانيين.
كذلك تبرز الجبهة الاقتصادية ، فالعملة والأسعار والسيولة والإنتاج والتجارة أصبحت جزءاً من معركة الصمود. ومع تآكل القدرة الشرائية للعملة الوطنية، واستنزاف المواطن، قد تتزايد جاذبية أي تسوية تنهي المعاناة، حتى إن لم تعالج الأزمة، بما يفتح الباب أمام توازن الإنهاك.
عليه ، يتطلب صمود الدولة السودانية لتحركاً اقتصادياً موازياً وعاجلا ، استعادة الثقة في العملة والمصارف، تنشيط الإنتاج والصادرات، كبح المضاربة والتهريب، وتوفير النقد الأجنبي، مع توسيع الدعم والاستثمار والتجارة الإقليمية والدولية. فالاقتصاد ليس ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، بل ساحة حاسمة في معركة بقاء الدولة وقدرتها على فرض خياراتها.
وفي الخارج، تحتاج الخرطوم إلى الانتقال من دبلوماسية رد الفعل الي دبلوماسية صناعة الأجندة ، مستندةً إلى التقرير الأممي لملاحقة شبكات التمويل والتسليح والتجنيد ومساءلة من يطيلون أمد الحرب. فالمعركة ليست حظر السلاح ، بل تجفيف مصادره، وإغلاق مسارات الالتفاف عليه، وتحديد من يقف خلفه. إذ لا معنى لوقف الحرب إذا تُركت آلياتها فاعلة، فالسلام يبدأ بإسكات البنادق، لكنه لا يكتمل إلا بتجفيف منابعها.
وفي الداخل، ينبغي أن يتجه الحوار السوداني إلى إعادة بناء الدولة لا إعادة توزيع السلطة بين النخب، حواراً يقود إلى المشاركة والانتخابات والعدالة والمصالحة، لا إلى تسوية مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة لا ينبغي أن يكون بديلاً عن موازين القوة، كما لا يجوز أن يتحول الحسم إلى بديل عن السياسة.
وبحسب #وجه_الحقيقة، تختصر المعادلة في قاعدة مهمة، السلاح للدولة، والسياسة للحوار والانتخابات، والجرائم للعدالة، والقرار للشعب. وهنا يتجلى مأزق السودان بين الحوار والحرب، فالحسم الميداني يمنع فرض التمرد لواقعه، والدبلوماسية تجفف مصادر تسليحه، والحوار يفتح طريق المستقبل دون أن يمنح السلاح حق صياغته. فالقضية ليست كيف تنتهي الحرب، بل بأي شروط تنتهي، ومن يحفظ للسودان حقه في كتابة ما بعدها.
دمتم بخير وعافية
الإثنين 7 سبتمبر 2026م [email protected]
مأزق السودان.. بين الحرب والحوار سوداني نت.
مشاهدة مأزق السودان بين الحرب والحوار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مأزق السودان بين الحرب والحوار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سوداني نت ( السودان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مأزق السودان.. بين الحرب والحوار.
في الموقع ايضا :
- المحامية ذكرى معتوق : رهاننا على مؤتمر كبير وقيادة نقابية موحدة ومستقلة لا تملي عليها أي جهة قراراتها
- قيادة صيادي جمعية الحسى السمكية بميفع تبارك للمهندس يسلم سعيد بابلغوم تقلده وكيل وزارة الثروة السمكية بالجمهورية
- إغلاق الانتقالات الصيفية في دوري روشن