بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
في ليلة من ليالي المدينة، دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدموع تسبق كلامه. قال: يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة والجهاد، وأبكي أبوي. فقال له النبي كلمة هزت التاريخ: “ارجع إليهما فأحسن صحبتهما”. لم يقل له الجهاد أولى، ولم يقل له اتركهما. قدم البر على سيف في سبيل الله، لأن الأمة التي تضيع بيوتها لا تنتصر في ميادينها.
منذ أن خلق الله آدم بدأ التاريخ بأسرة. آدم وحواء ثم الأبناء. وقبل أن تنزل الشرائع كان في الفطرة صوت يقول: هذا الذي حملك ضعيفاً لا ترفع عليه صوتك. هذا الذي سهر لأجلك لا تتركه يبكي. فجاءت الرسالات كلها تؤكد ما في الفطرة. في التوراة “أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك”. وفي الإنجيل “من يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً”. وفي صحف إبراهيم وموسى كان العقوق قرين الفساد.
ثم جاء القرآن فوضعه في أعلى الميزان. لم يذكره الله وحده، بل قرنه بعبادته مباشرة خمس مرات. “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا”. القضاء هنا حكم نهائي لا استئناف فيه. “ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين”. يذكرك الله بتعب لم تشهده، بسهر لم ترده، بدموع لم ترها، لتعرف أن الدين يبدأ من البيت.
وسأله الصحابة: أي العمل أحب إلى الله؟ فعدّد لهم الصلاة في وقتها، ثم قال: “بر الوالدين”. ثم قال: “الجهاد في سبيل الله”. قدمه على الجهاد. لأن الجندي الذي يترك أمه تبكي ليذهب للقتال قد ينتصر في المعركة ويهزم في بيته. وكان ابن عمر إذا خرج للحج يقف على قبر أمه فيبكي ويقول: كان لي بابان من الجنة فأغلق أحدهما.
التاريخ الإسلامي كله سيرة في البر. هذا أويس القرني الذي زكاه النبي وقال لعمر: “التمسوه فليستغفر لكم”. لم يكن قائد جيش ولا فقيهاً مشهوراً. كان رجلاً باراً بأمه. وهذا زين العابدين علي بن الحسين، كان لا يأكل مع أمه من صحن واحد، قيل له لماذا؟ قال: أخاف أن تسبق يدي يدها إلى ما تشتهيه فأكون قد عققتها. وهذا الإمام أبو حنيفة، كانت أمه إذا لم يعجبها جوابه قالت: لا أقبل إلا قول زرعة. فيأخذها بيديه ويذهب بها إلى زرعة ليسمع منها نفس الجواب، ثم يرجع بها راضياً. لم يقل أنا الإمام. قال أنا الابن.
وفي حضرموت كان لهم قانون غير مكتوب: “البر قبل العلم”. كان الشيخ لا يأذن لطالب بالتدريس حتى يسأل عنه: كيف حاله مع أمه وأبيه؟ يقولون من لم ينكسر تحت قدمي والديه لن يرفعه الله بالعلم. وكان الحبيب عبد الله بن علوي الحداد يختصر الطريق كله في جملة: “عليك ببر الوالدين، فإن رضا الله في رضاهما”.
لكن التاريخ سجل أيضاً الوجه الآخر. سجل العاق الذي رمى أمه على شاطئ البحر وترك ورقة: “يرجى أخذ هذه العجوز إلى دار الرعاية”. وسجل الشاب الذي دخل محل الذهب مع أمه العجوز، فلما اشترت خاتماً بمائة ريال فرحة بالعيد، رماه وقال: العجائز ليس لهن الذهب. فبكت وقالت: أردت أن أفرح فقتلت فرحتي. ومضت الأيام فخسر تجارته وعقه أبناؤه. الجزاء من جنس العمل، وسنة الله لا تحابي أحداً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : “ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم”. العقوق دين. من اقترضه من والديه سدده أبناؤه له. ومن زرع الرحمة حصدها. بروا آباءكم تبركم أبناؤكم.
الناس اليوم يبحثون عن مفاتيح الرزق والتوفيق والبركة. يركضون في الأرض ويشتكون الضيق. ونسوا المفتاح المعلق على باب البيت. “من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه”. وأعظم الرحم الوالدان. البركة ليست في كثرة المال فقط، البركة أن يكفيك القليل، وأن يبارك الله في عمرك فتعمل في سنة ما لا يعمله غيرك في عشر.
والموت لا يغلق الباب. جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما؟ قال: نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما. فالقبر ليس نهاية. هو محطة انتظار. إما أن تصله بدعوة ترفعه درجة، فيقول: من أين لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك. وإما أن يصله منك نسيان.
ولذلك كان السلف يحاسبون أنفسهم كل ليلة: ماذا قدمت لأمي اليوم؟ هل قبلت يد أبي؟ هل أدخلت السرور؟ فإن وجدوا تقصيراً سارعوا قبل أن يغلق الباب. لأن الفرصة محدودة. لما ماتت أم إياس بن معاوية بكى وقال: كان لي بابان من الجنة فأغلق أحدهما.
بر الوالدين ليس ضعفاً ولا سذاجة. هو قوة. هو أن تختار الأدب مع من أساء إليك. هو أن تقول “سلام عليك سأستغفر لك ربي” كما قال إبراهيم لأبيه الكافر. هو أن توازن بين حق زوجتك وحق أمك بلا ظلم. هو أن تعرف متى تقول لا، ولكن بأدب لا يخدش.
يا من تقرأ الآن. قف لحظة. تخيل جوف الليل. أبوك رافع يديه. مرة يدعو لك بالتوفيق، ومرة يدعو عليك. أيهما أثقل؟ أيهما أسرع إلى السماء؟ القرار بيدك اليوم. قبل أن يأتي يوم تقف فيه على القبر وتقول: يا ليتني.
التاريخ لا يرحم العاق. ولا ينسى البار. والأمم التي عظمت آباءها عمرت، والتي أهانتهم سقطت من الداخل. فابدأ من الآن. اتصل. زر. ابتسم. اخدم. ادع.
فوالله ما رأيت طريقاً إلى الله أقرب، ولا باباً إلى الجنة أوسع، ولا تجارة مع الله أربح، من أن تضع جبينك على يد أمك، وأن تقول لأبيك: أمرك.
`رب ارحمهما كما ربياني صغيرا`
بقلم الشيخ أحمد سعيد العمودي قبل أن يُغلق الباب عن بر الوالدين من كتاب “بر الوالدين : الباب الذي لا يُغلَقُ” من تأليف كاتب هذا المقال
قبل أن يُغلق الباب..! سما نيوز.
مشاهدة قبل أن ي غلق الباب nbsp
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ قبل أن ي غلق الباب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، قبل أن يُغلق الباب..! .
في الموقع ايضا :
- المحامية ذكرى معتوق : رهاننا على مؤتمر كبير وقيادة نقابية موحدة ومستقلة لا تملي عليها أي جهة قراراتها
- قيادة صيادي جمعية الحسى السمكية بميفع تبارك للمهندس يسلم سعيد بابلغوم تقلده وكيل وزارة الثروة السمكية بالجمهورية
- إغلاق الانتقالات الصيفية في دوري روشن
