وَاشْ حْنَا هُمَا حْنَا؟ ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

لو عادَ أمسُنا وطرق بابَ يومِنَا، فقد نتردَّدُ في فتح الباب. سنراقبه أولا عبر عين الباب، ثم نسأله عن اسمه وسبب الزيارة، وربما نطلب منه أن يرسل موقعه وهويته في رسالة قصيرة. وعندما يدخل، سيقف وسط البيت مذهولا: الجدران أكثر أناقة، الشاشات أكبر، الأثاث أغلى، غير أن الحديثَ أقصرَ، والوجوهُ تضيئها الهواتف أكثر مما تضيئها المحبة.

سيبحث أمسُنا عن رائحة الخبز، عن صوت الجار، عن كتاب مفتوح، عن أغنية تهز القلب، عن نقاش يرفع حرارة المجلس، سيجد بدل ذلك مجموعة عائلية على واتساب تضم سبعة وأربعين عضوا لا يملك أي واحد منهم وقتا لزيارة أمّه.

    عندها سيجلس، يتأملنا طويلا، ثم يسأل: واشْ حْنا هُمَا حْنا؟ يا لها من عبارة غيوانية أثيرة! أربع كلمات فقط، ومع ذلك تحمل محضر معاينة لمجتمع كامل. جملة صغيرة تحشر أمسنا ويومنا في مصعد معطل، ثم تتركهما يتبادلان نظرات الشّك. لا تسأل عن أسمائنا ولا عن مَلامحنا؛ تسأل عن الشيء الذي بقي منا بعد أن أكلت السّرعة ذاكرتنا، وروّضت المصلحة ضمائرنا.

    في أمسنا الثّقافي، كان الفَقر يقضم وقت المبدع، وكانت الأبواب تغلق طريقها أمام أصوات كثيرة. ومع ذلك، احتفظ الفن بكرامته. كان المغني يحمل همَّ الناس، لا حقيبَة الإشْهار. وكانت القصيدة تعرف خصمها، وكان المسرح يفتح نافذة في جدار الخوف، وكان الكاتب يخسر راحته كي يربح القارئ سُؤالا جديدا.

    كان المثقف يُقلقُ السّلطة، وصار بعض المثقفين يَقْلقُون على عدد المتابعين. كان الكاتب يبحث عن قارئ، وصار بعض الكتّاب يبحثون عن صورة يحملون فيها كتابَهم بجانب فنجان القَهوة السوداء.

    نقرأ العنوان، نعجب بالغلاف، نلتقط الصورة، ثم نترك الصفحات تنام في سلام أبدي. امتلأت الرفوف بالكتب، وفرغت النقاشات من الأفكار. نقيم مهرجانا للتراث، ثم يهدم المقاول دارًا عتيقةً كي يبني موقِفا للسَّيارات. نلتقط صورة أمام باب خشبي قديم، ثم نستبدله في بيوتنا بباب من الألمنيوم.

    نمدح الصناعة التقليدية في الخُطب، ثم نساوم الصانع على درهمين كأن مهارته هواية لا تُطعم أبناءه. هكذا تحولت الثقافة عند كثيرين من فعل يوقظ المجتمع إلى ديكور يجمّل صورته. كل واحد يتكلم، قليلونَ يُفكرون، ونادِرُون يُصغون. أتقنَّا تكبيرَ الصَّوت، وأهملنا تكبير المعنى.

    السياسة في موسم الوعود

    وفي السياسة، يزداد السؤال لَسْعًا: واش حنا هما حنا؟

    لم يعرف أمسنا عدْلا كاملا. دفع كثيرٌ من المناضلين ثمن آرائهم من أعمارهم وأرزاقهم. ومع ذلك، عامَلَ المواطنُ السِّياسة بوصفها قضية تمسّ مصيره. كان الحزبُ يفتح مقرا في الحي، وكان الناس يناقشون، يختلفون، يغضبون، ويحفظون أسماء الأفكار إلى جانب أسماء الزُّعماء.

    أما اليوم، فقد تحوّلت بعض المقرات إلى وكالات موسمية تفتح أبوابها عند اقتراب الانتخابات، مثل محلات بيع لوازم العيد. يدخلُ المرشح الحيَّ باسِما، يصافح الجميع، يقبّل الأطفال، يسأل المرضى عن صحتهم، ويقسم أنه ابن المنطقة.

    يعرض المرشح وظائف، ومستشفيات، وطرقا، ومدارس، وحدائق. تتنازع الأحزاب حول من يقودُ الحافلة، فيما يدفع المواطن الحافلة من الخَلف. يتحدَّث السّياسي عن التّضحية، ويشرحُ للناسِ فضائلَ الصَّبر من مكتبٍ مُكيّف، ويحثُّهم على شدَّ الحِزام بينما يبحثُ هو عن حِزام يُناسب بِدْلتَهُ الجَديدة.

    في أمسنا، كان الجارُ يعرف متى يمرض جارُه، ومتى يحتاجُ إلى طبق طعام، ومتى يُخفي حزنه وراء ابتسامة. عندما يسقطُ شخصٌ، تمتدُّ نحوه أيدٍ كثيرة. اليوم نعرف أخبارَ أشخاصٍ يعيشُون في قارّات بعيدة، ونجهَل اسْم الجار الذي يسكن خلف الجِدار.

    تصلنا أخبار موت قريب عبر إشعار، فنرسل وجها حزينا، ثم ننتقل بعد ثوان إلى مقطعٍ رَاقص. اختصرنا المواساة في رمْزٍ، واختصرنا الزّيارة في تسجيل صَوتي. حتى الصّدقَة أصابَها هوَسُ العَرض. يقدِّم بعض النّاس كيسَ الدَّقيق بِيَدٍ، ويُمسكون الهاتف باليَد الأخرى حتى لا تمرَّ الحَسنة من دُون جمهور.

    يحتاج الفقير إلى الطعام، فيمنحُه المُحْسِن لَقطة مُصوَّرة أيضا. يأخُذ الإنسان نَصيبه من المساعدة، وتأخذُ الكاميرا نصيبها من كرامته.

    ومع ذلك، لا يعيش يوْمنا داخل خَرابٍ كامل. ما زال فنَّان يرفض أن يبيع صوته، وصحفي يفتّش عن الحقيقة، ومُدرس يشتري لتلاميذه كُتبا من مَاله، وطبيبٌ يعامل الفقير كإنسان، وشابّ يساعد شيْخا من دون أن يشغل الكاميرا؛ كلُّ واحد منهم يقولُ بطريقته: نعم، ما زلنا نحن، وإن أتعبَتْنا الطريق.

    هويةٌ بِعْنَاها بالتَّقسيط

    الحقيقة أن أحدا لم يسرق هويتنا في ليلة واحدة. نحن بِعْنا أجزاء منها بالتّقسيط: جُزءا للسرعة، وجزءا للمصلحة، وجزءا للخَوف، وجزءا للرّغبة في التَّشبه بمن لا يعرفنا ولا يهتم بنا. أبقينا التراث للزينة، والأخلاق للخُطب، والوطنية للمباريات، والدّين للمواعظ، والحداثة للملابس، ثم تركنا الإنسان يبحث عن مكانه بين هذه الواجهات.

    لسنا مطالبين بالعودة إلى زمن المصباح الزيتي. الحنينُ يدفئ القلب، لكنه لا يُدير دولة، ولا يُصلح مدرسة، ولا يعالج مريضا. نحتاج إلى حداثة تحمل ذاكرة، وسياسة تحمل ضميرا، وثقافة تحمل سؤالا، ومجتمع يمنحُ الفرد حُريته من دون أن يسْلبه دفء الجماعة.

    المرآة لا تجامل أحداً

    نكونُ نحنُ عندما يخدمُ المسؤول المواطنَ ولا يسْتخدمه، وعندما يكتبُ المثقف ما يؤمن به لا ما تطلبه المنصّة، وعندما يصنعُ الفنّان الجمال من وجَع الناس لا من جُوع السُّوق. فإذا عاد أمسُنا يوما وطرق بابنا مرة أخرى، نريد أن نفتح له بوجهٍ إنسانيّ، وأن نجلسه إلى مائدة تتَّسع للجميع، وأن نقولَ له: نعمْ، تغيَّرنا، أخطأْنا، تعثَّرنا، لكننا لم نفرِّط في آخر خيط يصلنا بأنفسنا.

    أما إذا واصلنا بيْع ذاكرتنا، وتأجير ضمَائرنا، وتحويل وطننا إلى واجهة كبيرة لمتجر مُغلق، فسيضَعُ الأمس وردَة سوداء فوق عَتبة يومنا، ويكتبُ الزَّمن على الباب: “هنا عاش قوْمٌ عرفوا أنفسهم جيِّدا، ثم أمضوا حياتهم يقلِّدون الآخرين”.

    وعندها سيرتفعُ صوتٌ غيوانيٌّ من عُمق الجُرح: واشْ حْنا هُما حْنا؟ لنْ ينتظر السُّؤالُ جوابًا؛ فالمرآةُ، هذه المرّة، ستُجِيبُ.

    لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

    وَاشْ حْنَا هُمَا حْنَا؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة و اش ح ن ا ه م ا ح ن ا

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ و اش ح ن ا ه م ا ح ن ا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، وَاشْ حْنَا هُمَا حْنَا؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار