العدالة والتنمية.. برنامج التصحيح ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

بعد خمس سنوات في المعارضة، يعود حزب العدالة والتنمية إلى انتخابات 23 شتنبر ببرنامج لا يشبه برامج الأحزاب التي غادرت السلطة؛ أي بوصفه لائحة من الوعود التي تفترض أن كل ما فعله في السابق كان خطأ، وأن التاريخ سيبدأ من جديد إذا عاد هو إلى الحكومة.

في الوثيقة التي قدّمها الحزب أمس في الرباط، ثمة شيء آخر أكثر دلالة. الحزب يريد، في مواضع كثيرة، أن يستأنف ويصحّح.

    يحاول أن يستردّ إصلاحات يرى أن مسارها انحرف، ويستأنف إجراءات ألغيت أو تقلصت، ويصحّح مسار وظائف انتقلت من الدولة إلى السوق، وقواعد انتخابية تغيرت، وسياسات بدأها حين كان في الحكم ثم توقفت أو سلكت مسارا مختلفا بعد رحيله.

    لا يتعلق الأمر بالحنين إلى حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، ولا بافتراض أن ما فعله العدالة والتنمية خلال عشر سنوات كان صوابا كله. ففي سجل الحزب من الأخطاء والتراجعات والتناقضات ما يكفي لمنع أي قراءة تمجيدية لتجربته.

    لكن الفارق بينه وبين حزب يكتب برنامجه من مقاعد المعارضة أن العدالة والتنمية لا يستطيع أن يقول للمغاربة “سنفعل” دون أن يسمع السؤال المضاد فورا: ولماذا لم تفعلوا عندما كنتم هناك؟ وهذه، للمفارقة، نقطة ضعف البرنامج ومصدر قوته في الوقت نفسه.

    الوثيقة نفسها تتكئ صراحة على تجربة الحزب في تدبير الشأن الحكومي طيلة عقد من الزمن، وتقدم مقترحاتها باعتبارها قابلة للتحول إلى أرضية للحكم (أو المشاركة فيه)، أو إلى أساس للعمل البرلماني إذا بقي الحزب في المعارضة.

    هذا ما يجعل البرنامج أكثر واقعية من أن يُختزل في منطق المزايدة الانتخابية. فالحزب لا يتصرف، في المجمل، كما لو أن خزينة الدولة بئر بلا قاع. يقترح دعما أكبر للأسر، وتقوية المستشفى العمومي، وإجراءات لفائدة المقاولات الصغيرة والقدرة الشرائية… لكنه يضع في المقابل فصلا كاملا لاستدامة المالية العمومية، ويتحدث فيه عن ترشيد الإنفاق، وحصر الالتزامات، وعدم إطلاق أخرى جديدة دون تحديد مصادر تمويل مستدامة.

    في موسم انتخابي يسهل فيه أن يصبح المال العمومي مادة خاما للخيال، تبدو محاولة الجمع بين الاستجابة لما يطلبه الناس وبين حساب ما تستطيع الدولة تحمله علامة على أن الحزب ما زال يحمل معه ذاكرة الحكومة، لا مجرد شهية الوصول إليها.

    لكن ذاكرة أخرى تحضر في البرنامج بقوة أكبر هي ذاكرة ما تغير بعد 2021. فالحزب يريد إلغاء سقف 35 سنة المفروض على ولوج مباريات توظيف أطر التعليم، واستعادة امتيازات نظام المقاول الذاتي التي جرى تقليصها، وإعادة تشغيل “سامير” لتكرير النفط موازاه مع إحياء تجربة فترة “المقايسة” لضبط ومراقبة أرباح شركات المحروقات، واستئناف إصلاح صندوق المقاصة، وإعادة النظر في طريقة تنزيل الحماية الاجتماعية، بل والعودة عن القاسم الانتخابي الحالي واعتماد قاسم يعيد الاعتبار لأصوات الناخبين…

    كأن الحزب يقول إن شيئا ما ضاع في الطريق، وإنه يريد أن يعيد إحياءه. بعض ذلك استعادة لسياسات بدأها هو نفسه، وبعضه تراجع صريح عن خيارات حكومة أخنوش، وبعض ثالث محاولة لإعادة الأمور إلى نقطة يعتقد الحزب أن المسار انحرف عنها.

    تظهر هذه الفكرة أيضا في الصحة والاقتصاد. فالعدالة والتنمية لا يقترح إلغاء “أمو تضامن”، بل إعادة توجيه المجانية نحو المستشفى العمومي بدل أن تذهب كتلة كبيرة من التمويل إلى المصحات الخاصة. كما لا يقترح تأميم السوق ولا تركها لحالها؛ بل يريد تسقيف هوامش أرباح المحروقات، في مقابل دعم المقاولة الصغيرة، ورفع الضريبة على القطاعات الاحتكارية، وإعادة نسبة 10 في المائة للمقاولات ذات الأرباح الصغيرة.

    يمكن مناقشة قابلية بعض هذه المقترحات للتنفيذ، كما يمكن سؤال الحزب عن الكلفة المالية لوعود لا يقدم لها دائما تفصيلا كافيا؛ فصندوق دعم زواج الشباب، مثلا، حاضر في البرنامج دون تحديد حجم الدعم أو شروط الاستفادة أو مصدر تمويله. لكن يصعب، مع ذلك، وصف الوثيقة بأنها برنامج شعبوي منفلت؛ فهي أكثر انضباطا من ذلك، وأكثر وعيا بإكراهات الدولة من أن تختزل في وعد انتخابي بلا سقف.

    ثم هناك استرداد آخر، ربما يكون أكثر حساسية من كل ما سبق، هو استرداد الحزب لنفسه. من اللافت أن يخصص العدالة والتنمية واحدا من محاوره الخمسة الكبرى للسياسة الخارجية تحت عنوان “وحدة، وسيادة، وإشعاع”.

    من بين البرامج الانتخابية التي أمكن الاطلاع عليها حتى الآن، يبدو هذا الحضور المستقل والمفصل للسياسة الخارجية سمة مميزة على الأقل، وإن كان من المتعذر الجزم بأنه الوحيد قبل اكتمال صدور ومراجعة برامج جميع الأحزاب.

    لا يكتفي البرنامج بإشارات عابرة إلى الدبلوماسية، بل يخصص لها صفحات تبدأ بالصحراء والسيادة، ثم فلسطين، فالعلاقات العربية والإسلامية والإفريقية والدولية والدبلوماسية الاقتصادية.

    وفي قلب هذا المحور توجد جملة “رفض ومناهضة جميع أشكال التطبيع” (مع إسرائيل)، بما في ذلك العلاقات والاتفاقيات ومكتب الاتصال ولجنة الصداقة البرلمانية…

    لا يمكن قراءة هذا الاختيار دون استحضار الصورة التي بقيت عالقة من التجربة الحكومية السابقة، لسعد الدين العثماني، رئيس حكومة العدالة والتنمية، وهو يوقع الاتفاق الثلاثي في دجنبر 2020.

    كان ذلك بالنسبة إلى حزب بنى جزءا من هويته السياسية على فلسطين، جرحا في صورته عن نفسه. والبرنامج الحالي يبدو، في جانب منه، محاولة لتضميد ذلك الجرح أيضا.

    لا يستطيع الحزب أن يمحو توقيع رئيس حكومته، ولا أن يتصرف كما لو أن تلك اللحظة لم تقع، لكنه يعود اليوم إلى الموقع الذي كان يعتقد أنه يمثله قبلها، ويضع مناهضة التطبيع داخل وثيقة انتخابية يفترض، نظريا، أن تصبح جزءا من أساس تفاوضه على “الحكم” إذا عاد إليه.

    هكذا يمكن النظر إلى حزب العدالة والتنمية من مسافة أبعد. فقد كان، مهما اختلفنا معه، إحدى الفرص السياسية المهمة التي عرفها المغرب في عهد محمد السادس، كما كان الاتحاد الاشتراكي إحدى الفرص الكبرى التي عرفها عهد الحسن الثاني.

    لا أعني بالفرصة النجاح المحقق، فالتجربتان انتهتا بكثير من الخيبات والتناقضات، بل أعني تلك اللحظة التي تسمح فيها الدولة والمجتمع لقوة سياسية لها امتداد اجتماعي وفكرة وهوية وتاريخ في المعارضة بأن تدخل مركز القرار، فتختبر نفسها ويختبرها الآخرون.

    دخل الاتحاد الاشتراكي الحكومة سنة 1998 محملا بتاريخ المعارضة، ووصل العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة سنة 2011 محملا بوعد آخر. والحزبان تعلما، كل بطريقته، أن الاقتراب من الدولة لا يغير الدولة وحدها؛ بل يغير الحزب أيضا.

    لهذا قد يكون أهم سؤال في انتخابات 2026 بالنسبة إلى العدالة والتنمية ليس: هل يستطيع العودة إلى الحكومة؟ بل: أي حزب سيعود؟ وثمة مؤشر أول يستحق التسجيل.

    يكمن هذا المؤشر في موسم تحول فيه الانتقال بين الأحزاب إلى “ميركاتو” معلن، خصوصا بين أحزاب الأغلبية، ولم يظهر العدالة والتنمية حتى الآن معنيا بسباق استقطاب الأعيان والمرشحين الجاهزين. وهذا ينسجم، على الأقل من حيث المبدأ، مع برنامج يقترح محاربة الترحال، وشفافية مساطر التزكية، ومنع المنتخب باسم حزب من الترشح في الانتخابات الموالية باسم آخر.

    هذا ليس مجرد حزب يمنح الدولة المغربية فرصة التوفر على بديل قد تحتاج إليه حين تتبدّل الظروف الدولية وتقرر التراجع عن خيارات لا شعبية ومفارقة للضمير الوطني؛ بل حزب اضطر إلى ترك أشياء كثيرة عند باب الدولة، وتنازل عن أشياء أخرى، وفقد بعضها في الطريق، ودفع ثمن بعضها في صناديق الاقتراع.

    لذلك لا يبدو برنامجه الجديد محاولة لاختراع شيء جديد، بقدر ما يبدو، في جانب معتبر منه، محاولة لاسترداد الحزب القديم بعد تجربة “عبور الصحراء”.

    لا يمنح ذلك لحزب المصباح صك براءة، ولا ضمانة للنجاح، ولا يعفيه من مساءلة ما فعله حين كان في موقع القرار. لكنه يجعل عودته إلى انتخابات 23 شتنبر أكثر إثارة من مجرد حساب عدد المقاعد التي يمكن أن يسترجعها.

    المغرب لا يحتاج فقط إلى أحزاب تفوز وتنهزم؛ بل يحتاج، وقبل ذلك، إلى أحزاب تستطيع أن “تدخل” الدولة، ثم تخرج منها وهي ما تزال تعرف من تكون.

    العدالة والتنمية.. برنامج التصحيح صوت المغرب.

    مشاهدة العدالة والتنمية برنامج التصحيح

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العدالة والتنمية برنامج التصحيح قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، العدالة والتنمية.. برنامج التصحيح.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار