حلمي الأسمر يكتب: الكيان على طريق جنوب أفريقيا! ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
حلمي الأسمر يكتب: الكيان على طريق جنوب أفريقيا!
  كتب - حلمي الأسمر  حين تُغلق أبواب الدبلوماسية في وجهك، لا يعود أمامك سوى أن تسمع وقع الأقدام قادمة من باب الاقتصاد. هذا ما يحدث الآن. اثنتا عشرة دولة غربية لم تنتظر بياناً مشتركاً من بروكسل، ولم تستأذن واشنطن، ولم تُعِر اعتباراً لتحذيرات تل أبيب. تحرّكت وحدها، كلٌّ على طريقتها، لكن في الاتجاه ذاته: سلع المستوطنات ليست سلعاً عادية، ومن يبيعها يجب أن يدفع الثمن. «يديعوت أحرونوت» — وهي ليست صحيفة معارضة راديكالية، بل صوت المؤسسة نفسها — لم تجمّل الصورة: تراجع دبلوماسي، وفشل ثقيل. حين تعترف الصحافة الإسرائيلية بذلك بصيغة الوقائع لا التمنيات، فاعلم أن الأمر تجاوز كونه إحراجاً عابراً، وأننا أمام صدع حقيقي في جدار الحماية الغربي الذي ظلّ لعقود درعاً منيعاً بوجه كل محاولة للمساءلة. المشهد واضح: أوروبا الموحدة تعثّرت — لأن قراراً واحداً يحتاج إجماعاً، والإجماع يحتاج جرأة، والجرأة تتبخر حين يقترب القرار من مصالح الدول. فسقط المسار الجماعي، لكن الملف لم يمت. انتقل إلى البرلمانات الوطنية، وهناك لا يوجد فيتو يُعطّل، ولا وزير خارجية يُجمّد، ولا حسابات تحالفات معقدة. إسبانيا سبقت، هولندا على العتبة، وبريطانيا وفرنسا وكندا تسير في الطريق ذاته. هذه ليست هدية متفرقة هنا وهناك؛ هذه سابقة قانونية تُبنى طوبةً فوق طوبة، وكل دولة تنضم إليها تجعل الباب الذي دخلت منه الدولة السابقة يبدو عادياً مألوفاً، حتى يصبح المسار الطبيعي. قد يقول قائل: الأثر المباشر محدود. وهذا صحيح، لكنه الخطأ الاستراتيجي الأكبر في تقدير الخطر. الحرب لا تُخاض بالضربة الأولى، بل بالمنحى. والخطر هنا ليس في قيمة الصادرات المقيّدة اليوم، بل في التصنيف الذي يتشكّل غداً في غرف الاجتماعات وفي أقسام المخاطر في البنوك وشركات التأمين: منتج عالي المخاطر. هذه العبارة القاتلة لا تُطلق رصاصاً، لكنها ترفع الكلفة، وتُطيل مدة الفحص القانوني، وتجعل المدير المالي في هامبورغ أو أمستردام يفضّل مصدراً آخر لتفادي الصداع. حين يحدث ذلك، لا تعود القضية قضية أخلاق، بل قضية جدوى. ولمن لا يتذكر: هكذا بدأت جنوب أفريقيا تسقط. لم يكن يوماً واحداً، ولم يكن قراراً واحداً. كانت قيوداً محدودة، منعت هنا وسماً، وحظرت هناك استثماراً. قيود بدت هامشية، وربما ساخرة في حينها. لكنها تراكمت، حتى صارت عزلة اقتصادية دولية، وحتى أصبح النظام العنصري يلهث وراء كل نافذة تُفتح له ثم تُغلق. لم تسقط جنوب أفريقيا بضربة واحدة، بل بالاستنزاف. بالتدفق البطيء، الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، حتى استفاق النظام ليجد نفسه وحيداً في غرفة فارغة. والسؤال الآن: ما الذي يمنع تكرار السيناريو؟ إذا بقي الأمر في دائرة «السلع» وحدها، فربما — ربما فقط — يستطيع الكيان أن يحتوي الصدمة، أن يعيد توجيه الشحنات، أن يجد أسواقاً بديلة، أن يبتلع الإحراج. لكن القفزة النوعية — والخطر الحقيقي — تبدأ حين ينتقل الملف من السلعة إلى المنظومة: حين يُسأل البنك عن تمويل مشروع، وحين ترفع شركة الشحن تأمينها على مسار معيّن، وحين ترفض شركة التأمين تغطية بضاعة مصدرها مستوطنة. عند هذه النقطة، لا يوجد خطاب دبلوماسي ينفع، ولا ضغط سياسي يُجدي، ولا علاقات تاريخية تُشفع. عند هذه النقطة، يتحوّل الضغط الرمزي إلى واقع تجاري دائم، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه كيان يعتمد على الاندماج في الاقتصاد العالمي كشرط بقاء. وهنا المفارقة المدمّرة: كل خطوة من هذا القبيل تُقدَّم على أنها «رمزية»، وكل مسؤول يستعجل التأكيد أنه لا يقصد أكثر من ذلك. لكن التاريخ لا يقرأ البيانات الرسمية، بل يقرأ الاتجاه. والاتجاه الآن واحد، من إسبانيا إلى هولندا، ومن لندن إلى أوتاوا: تقنين متزايد، وتشريع وطني، وسابقة تلو سابقة. الكيان لا يسقط في يوم، ولا يسقط ببيان. لكنه — إن سارت الأمور على هذا النحو — قد يجد نفسه ذات صباح أمام الحقيقة التي واجهها نظام الفصل العنصري في بريتوريا: أن الاعتذار في المتأخر، لا يُلغي ما تراكم في السنين. وأن الأبواب التي أُغلقت ليست باباً واحداً يمكن طرقه، بل جدار طبقة إضافية: لمن تبقّى واقفاً على الرصيف! وبينما تتساقط أوراق الحماية الغربية واحدة تلو الأخرى، وبينما تُبنى السابقة القانونية طوبةً فوق طوبة في مدريد وأمستردام ولندن وأوتاوا، يبقى سؤال يُلحّ كالجمر تحت الرماد: وأين نحن من كل هذا؟ النظام العربي الرسمي — بمعظمه، وباستثناءات يُحصى لها — يقف على الرصيف. يتابع المشهد كأنه ليس معنيّاً به، وكأن ما يجري في لاهاي وبروكسل شأن أوروبي داخلي، وكأن القرار يُتخذ في مكان لا يعنينا، وكأننا ضيوف على مأدبة لم تُعدّ لنا، فنجلس في آخر الصالة ونراقب العابرين. لكن الحقيقة القاتلة: هذه ليست مأدبة أوروبية. هذه أول شقّة في جدار الحماية الذي ظلّ يُغطّي الجميع. وحين يسقط ذلك الجدار، لن يسقط على رؤوس تل أبيب وحدها، بل على كل من ارتضى أن يبني استراتيجيته على اساس ان الحماية الغربية خطّ أحمر لا يُمس، وأن التطبيع جواز مرور إلى واشنطن، وأن «السلام الاقتصادي» يُغني عن الحقوق ويُشتري بها. المطبّعون لم يحسبوا هذه الكلفة. حين وقّعوا اتفاقيات (السلام!)، وحين فتحوا السفارات، وحين تصافحوا في الصور وتبادلوا الابتسامات، وحين أعلنوا أن «السلام الاقتصادي» هو الطريق، لم يحسبوا حساب اللحظة التي يبدأ فيها الغرب نفسه — الغرب الذي جعلوه سندهم وغطاءهم — بالتراجع. لم يتخيلوا أن إسبانيا، القوة الأوروبية التي تحتضن الذاكرة الأندلسية، ستكون أول من تفتح الباب. ولم يتصوروا أن هولندا، التجارية الباردة، ستقفل بابها على سلع المستوطنات. ولم يخطر في بال أحدهم أن كندا، حليفة واشنطن المخلصة، ستسير في الاتجاه ذاته. فماذا تفعل الأنظمة المطبّعة الآن؟ تنتظر. تنتظر أن تنقشع الغيمة، أن يعود كل شيء إلى نصابه، أن تُعلّق تلك القوانين الوطنية في أدراج النسيان، أن يُنسى الملف كما نُسي غيره. تنتظر أن يُنقذها نتنياهو من نفسه، أو أن يأتي رئيس أمريكي جديد يُعيد ترتيب الأوراق. تنتظر — وهذا أخطر ما فيه — أن يدفع غيرها الثمن. لكن الانتظار ليس سياسة. الانتظار هو التنازل بصيغة صامتة. والتنازل الصامت لا يُلغي الأخطاء، بل يُراكمها، ثم يقدّم الفاتورة في الوقت الذي لا يكون فيه أحد قادراً على الدفع. الحقائق التي تُواجَه بها الأنظمة المطبّعة قريباً: · شرعية خطاب «السلام الاقتصادي» اهتزّت. إذا كان الغرب نفسه يتراجع عن علاقاته التجارية مع المستوطنات، فما عاد مقنعاً أن يُقدّم التطبيع العربي على أنه «استثمار في الاستقرار». من يستثمر مع من فقد حصانته الدولية؟ · السؤال الأخلاقي لم يعد يُدفن. حين تتحرك الأمم المتحدة والبرلمانات الأوروبية، يصبح من العبث أن يبقى النظام العربي غائباً عن المشهد، أو أن يكون حاضره — إن كان حاضراً — مجرد بيانات تنديد وتعبير عن «القلق العميق». · استراتيجية «الانتظار حتى تنضج الظروف» انتهت. الظروف لا تنضج، بل تتغير. ومن لا يتحرك الآن، سيجد نفسه في موقع المدافع، لا المطالب. فهل هناك فرصة؟ نعم، لكنها تضيق. الفرصة الآن أن ينتقل النظام العربي من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل. أن يتحرك دبلوماسياً، لا فقط في بياناته، بل في مواقفه في المحافل الدولية. أن يوقف التطبيع، أو يُجمّده، أو يُعيد مراجعته، لا لأن الغرب فعل، بل لأن القضية تستحق. أن يقول: نحن لا نستورد من مستوطنات، لا نتعامل مع من يبني على أرض محتلة، ولا نبيع وهم السلام لمن يحتل ويستوطن. هذا لن يُسقط الكيان. لكنه سيجعل السقوط أسرع، وأعمق، وأكثر إيلاماً. وسيجعل الأنظمة التي تختار أن تتحرك اليوم في موقف من يمكن أن يقول غداً: «لقد رأيناها قادمة، وفعلنا ما يجب». أما من يبقى متفرجاً، فسيُسأل — لا في المحافل، بل في التاريخ — سؤالاً واحداً: حين كان الباب يُفتح، هل كنت أنت من فتحه، أم من مرّ منه؟ .

مشاهدة حلمي الأسمر يكتب الكيان على طريق جنوب أفريقيا

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حلمي الأسمر يكتب الكيان على طريق جنوب أفريقيا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حلمي الأسمر يكتب: الكيان على طريق جنوب أفريقيا!.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار