بقلم :مدحت الشيخ (كاتب في الشؤون السياسية والاجتماعية)
ليست الأوطان مجرد أرض نعيش فوقها، وإنما ذاكرة وهوية وانتماء يتشكل عبر السنوات، ويكبر مع الإنسان كلما كبرت تجربته في الحياة. ومصر تحديدًا ليست مكانًا عابرًا في حياة أبنائها، فهي حاضرة في الوجدان، في التفاصيل اليومية، وفي الذاكرة التي يحملها المصري أينما ذهب.
ومنذ آلاف السنين، ظلت العلاقة بين مصر وأبنائها واحدة من أهم ملامح هذه الأرض. أجيال جاءت وأخرى رحلت، وتغيرت الظروف وتبدلت ملامح الحياة، لكن بقيت مصر قادرة على أن تجمع أبناءها حول معنى أكبر من اختلافاتهم اليومية.
أبناء مصر هم الحكاية الحقيقية لهذا الوطن. فهناك العامل الذي يبدأ يومه مبكرًا، والفلاح الذي يحافظ على أرضه، والطبيب الذي يحمل مسؤولية إنسانية، والمعلم الذي يصنع عقول الأجيال، والمهندس الذي يشارك في البناء، والجندي الذي يؤدي واجبه، والشاب الذي يبحث عن فرصة ويضع لنفسه مكانًا في المستقبل.
كل هؤلاء، وغيرهم، يشكلون صورة مصر التي لا تظهر دائمًا في العناوين، لكنها موجودة في كل تفاصيل الحياة.
ولعل أعظم ما يملكه الوطن ليس فقط ما يوجد في أرضه من ثروات، وإنما ما يمتلكه من بشر قادرين على العمل والتعلم والإبداع وتحمل المسؤولية.
ولهذا فإن الحديث عن مصر لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن أبنائها.
فمصر تحتاج إلى شبابها، ليس فقط باعتبارهم المستقبل، وإنما باعتبارهم جزءًا من حاضرها أيضًا. تحتاج إلى أفكارهم وطموحاتهم وقدرتهم على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
وتحتاج في الوقت نفسه إلى خبرات الكبار، وإلى أصحاب التجارب الذين يعرفون أن بناء الإنسان والوطن يحتاج إلى سنوات من العمل والصبر.
إن الأجيال لا تتنافس على مصر، وإنما تكمل بعضها بعضًا.
جيل يسلم جيلًا آخر خبرته، وجيل يضيف إليها ما اكتسبه من معرفة، حتى تستمر المسيرة ولا تنقطع.
وهنا تظهر مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات المجتمع، لأن بناء المواطن لا يبدأ عندما يدخل سوق العمل، وإنما يبدأ منذ سنواته الأولى.
فالطفل الذي يتعلم احترام الآخرين، ويعرف قيمة الوقت، ويدرك معنى المسؤولية، ويحترم القانون، ويتعلم أن النجاح لا يأتي بلا جهد، يصبح غدًا مواطنًا أكثر قدرة على المشاركة في بناء وطنه.
كما أن مصر في حاجة إلى أبنائها الذين يعيشون خارج حدودها.
فالمصري في الخارج لا يحمل معه حقيبته فقط، وإنما يحمل اسم بلده وتاريخه وسمعته. وكل نجاح يحققه بإخلاص يمكن أن يكون صورة جيدة عن الإنسان المصري وقدرته على العمل والتفوق.
لكن العلاقة بين الوطن وأبنائه ليست مسؤولية من طرف واحد.
فكما ينتظر المواطن من وطنه أن يوفر له فرصًا أفضل وحياة أكثر استقرارًا، فإن الوطن يحتاج من مواطنيه إلى العمل والإخلاص واحترام القانون والحفاظ على المصلحة العامة.
وهذه العلاقة المتبادلة هي التي تمنح الانتماء معناه الحقيقي.
فالانتماء ليس كلمات نرددها، وإنما إحساس بالمسؤولية يجعل الإنسان يسأل نفسه قبل أن يسأل غيره: ماذا يمكنني أن أقدم؟
قد تكون الإجابة بسيطة.
أن يؤدي الموظف عمله بإتقان، وأن يحافظ العامل على أدوات عمله، وأن يحافظ المواطن على الشارع الذي يعيش فيه، وأن يحرص الأب والأم على تربية أبنائهما، وأن ينجح الشاب في دراسته، وأن يحترم كل إنسان حقوق الآخرين.
هذه التفاصيل الصغيرة، عندما تتحول إلى ثقافة عامة، تصبح قوة كبيرة لأي وطن.
ومصر اليوم، مثلها مثل أي دولة تواجه تحديات ومتغيرات، تحتاج إلى أن يشعر أبناؤها بأنهم شركاء في المستقبل.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى العلم أكثر من أي وقت مضى، وإلى العمل الجاد، وإلى تشجيع الابتكار، وإلى منح الشباب مساحة أكبر للحلم والطموح، وإلى احترام أصحاب الخبرات والاستفادة مما لديهم من معرفة.
ولا يمكن أن نبني مستقبلًا مختلفًا إذا ظللنا ننظر إلى الوطن باعتباره مسؤولية الآخرين.
مصر مسؤولية الجميع.
مسؤولية الدولة في توفير الظروف المناسبة، ومسؤولية المؤسسات في أداء دورها، ومسؤولية المواطن في أن يكون إيجابيًا وقادرًا على المشاركة.
وفي النهاية، تظل مصر أكبر من كل ظرف عابر، وأبقى من كل خلاف مؤقت، وأوسع من أن تختصر في مرحلة أو جيل.
هي وطن تعاقبت عليه الأجيال، وكل جيل ترك بصمته وأضاف شيئًا إلى مسيرتها.
واليوم جاء دورنا.
أن نحافظ على ما وصل إلينا، وأن نضيف إليه، وأن نترك لمن يأتي بعدنا وطنًا أكثر قوة وقدرة على مواجهة المستقبل.
فمصر ليست فقط ما نراه حولنا، وإنما هي أيضًا ما نصنعه بأيدينا.
وأبناؤها ليسوا مجرد سكان يعيشون على أرضها، وإنما هم شركاء في حاضرها، وأمناء على مستقبلها.
مصر وأبناؤها.. علاقة لا تختصرها الكلمات، وإنما يثبتها العمل، ويحميها الوعي، ويمنحها المستقبل معناها الحقيقي.
ظهرت المقالة مصر وأبناؤها أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة مصر وأبناؤها
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مصر وأبناؤها قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مصر وأبناؤها.
في الموقع ايضا :
- “القبة الفولاذية” و”تولغا” تفتحان بابًا جديدًا للصناعة الدفاعية مع مصر.. شراكة جديدة بين مصر وتركيا تحت سماء العلمين
- من قلب المخا.. تصريح هام لقائد اللواء السادس مشاه عن مستجدات المعارك في الساحل الغربي.. فيديو
- عاجل / معسكر خالد ابن الوليد تحت القصف