البراري يكتب : الخنق المزدوج: هرمز وباب المندب في لعبة الإكراه الجيوسياسي ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
البراري يكتب : الخنق المزدوج: هرمز وباب المندب في لعبة الإكراه الجيوسياسي
كتب ا.د حسن البراري  لم يعد من الممكن قراءة التطورات المتسارعة في اليمن ضمن إطار الحرب الأهلية التي اندلعت قبل أكثر من عقد فحسب؛ فالمشهد الراهن يكشف عن تحول تدريجي في طبيعة الصراع، فمن التنافس على المدن ومؤسسات الدولة إلى التنافس على الممرات البحرية والمواقع الجيوستراتيجية. وفي هذا السياق، باتت السواحل والجزر والمضائق تكتسب أهمية تفوق، في بعض الأحيان، أهمية السيطرة على مساحات واسعة من اليابسة. ويأتي باب المندب، باعتباره أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية، في صميم هذه المعادلة الجديدة. من هذه الزاوية، يمكن فهم التحركات الحوثية الأخيرة باعتبارها جزءاً من استراتيجية تهدف إلى توسيع نطاق التأثير خارج الحدود التقليدية للصراع اليمني. فالقدرة على التأثير في حركة الملاحة في البحر الأحمر، أو تهديد السفن بالقرب من باب المندب، تمنح الحوثيين وزناً استراتيجياً يتجاوز حجم سيطرتهم الجغرافية داخل اليمن. كما أن امتلاك القدرة على تهديد الساحل الغربي والممرات البحرية يحوّل الجغرافيا اليمنية إلى رافعة تفاوضية وسياسية يمكن توظيفها في أي تسوية داخلية، أو في سياق مواجهة إقليمية أوسع. وتزداد أهمية هذا التطور عند وضعه في سياق المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فطهران تمتلك موقعاً جغرافياً يمنحها قدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بينما يمتلك الحوثيون، بحكم موقعهم على الساحل الغربي لليمن، القدرة على تهديد الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ومن هنا تبرز فكرة «الخنق المزدوج»: الضغط على هرمز شرقاً، وباب المندب غرباً. ولا تحتاج هذه الاستراتيجية بالضرورة إلى إغلاق المضيقين بصورة كاملة حتى تحقق أهدافها. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر والشكوك المرتبطة بأمن الملاحة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، ودفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها، وإطالة زمن الرحلات، واضطراب سلاسل الإمداد، فضلاً عن ارتفاع علاوة المخاطر في أسواق الطاقة. وهنا تتحول القوة العسكرية إلى قوة جيو-اقتصادية. فالصاروخ أو الطائرة المسيّرة لا تُقاس أهميتهما فقط بحجم الأضرار المادية التي يمكن أن يحدثاها، وإنما أيضاً بقدرتهما على تغيير حسابات شركات الشحن والأسواق والحكومات. وكلما ارتفعت كلفة المرور في البحر الأحمر، ازدادت القيمة الاستراتيجية للقدرة الحوثية على التهديد، وتعززت في المقابل قدرة إيران على توظيف حلفائها وأدوات نفوذها ضمن سياسة ضغط موزعة على أكثر من جبهة. ولعل جوهر الحساب الإيراني يكمن في إدراك أن أسعار النفط لا تتحرك وفق معادلة العرض والطلب وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بما يمكن تسميته «تسعير المخاطر». فكلما ارتفعت احتمالات تعرض طرق الإمداد الحيوية للاضطراب، ارتفعت علاوة المخاطر، حتى قبل حدوث انقطاع فعلي في تدفقات الطاقة. من يدفع ثمن التصعيد؟ السؤال الأكثر أهمية هنا هو: من هم الخاسرون من تحول اليمن إلى ساحة لصراع الممرات؟ الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تبدو الخاسر المباشر، في ظل استمرار الانقسام الداخلي وتعدد مراكز النفوذ والتنافس بين القوى المناهضة للحوثيين. لكن الخاسر الاستراتيجي الأكثر تعرضاً للمخاطر قد يكون السعودية، التي عملت خلال السنوات الماضية على خفض مستوى انخراطها العسكري المباشر في اليمن، والسعي إلى ترتيبات تقلل احتمالات استهداف أراضيها ومنشآتها الحيوية. عودة التصعيد تضع الرياض أمام معضلة أمنية أكثر تعقيداً: إيران في الشرق، والحوثيون في الجنوب والجنوب الغربي. وبينما تسعى السعودية إلى تثبيت بيئة إقليمية أكثر استقراراً، فإن استمرار التهديدات على الممرات البحرية يعيد إنتاج المخاطر الأمنية والاقتصادية التي حاولت المملكة احتواءها خلال السنوات الماضية. ولا تقتصر تداعيات اضطراب البحر الأحمر على أطراف الصراع المباشرة. فـمصر تتأثر بصورة خاصة بأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة، نظراً إلى أهمية قناة السويس بالنسبة إلى الاقتصاد المصري وحركة التجارة العالمية. كما تنظر إسرائيل إلى تنامي القدرات الحوثية باعتباره تهديداً لأمنها البحري ولمصالحها التجارية ومسارات الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر. أما الولايات المتحدة فتواجه اختباراً مختلفاً يتمثل في قدرتها على حماية حرية الملاحة الدولية، ليس فقط من خلال التفوق العسكري، وإنما عبر تحويل هذا التفوق إلى ترتيبات أمنية إقليمية قادرة على إنتاج قدر مستدام من الاستقرار. فالقوة العسكرية قد تنجح في ردع هجوم أو اعتراض صاروخ، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الأسباب السياسية والاستراتيجية التي تنتج تهديدات الملاحة. حرب الممرات بدل حرب المدن المفارقة الاستراتيجية في الحالة اليمنية أن الحوثيين لا يحتاجون إلى السيطرة الكاملة على باب المندب حتى يتحولوا إلى لاعب مؤثر في أمنه. فامتلاك قدرة موثوقة على تهديد الملاحة وتعطيلها أو رفع كلفة استخدامها قد يكون أكثر أهمية من السيطرة العسكرية المباشرة على الممر نفسه. وهنا تتضح طبيعة «حرب الممرات»: القوة لا تكمن بالضرورة في امتلاك البحر، وإنما في امتلاك القدرة على جعل استخدامه أكثر خطورة وكلفة بالنسبة إلى الآخرين. وبناءً على ذلك، قد تكون المعركة الأكثر أهمية في اليمن خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بالساحل والجزر والموانئ وباب المندب أكثر من ارتباطها بصنعاء وحدها. فامتلاك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم يمنح الطرف المسيطر على هذه الورقة رافعة تفاوضية تتجاوز حدود اليمن، وتمنحه القدرة على التأثير في حسابات قوى إقليمية ودولية. والأخطر من ذلك أن الجمع بين القدرة على الضغط في مضيق هرمز والقدرة على تهديد باب المندب يفتح المجال أمام ما يمكن وصفه بـ«الخنق المزدوج» لأحد أهم مسارات التجارة والطاقة العالمية. وفي هذه المعادلة تحديداً تظهر إيران باعتبارها المستفيد المحتمل من امتلاك شبكة من أدوات الضغط غير المباشر، من دون أن تضطر بالضرورة إلى الانخراط المباشر في كل جبهة. الجغرافيا بوصفها أداة للإكراه في المحصلة، تكشف تطورات اليمن عن تحول أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي؛ إذ لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة تجري فوقها العمليات العسكرية، وإنما أصبحت أداة من أدوات القوة والإكراه السياسي والاقتصادي. فالسواحل والموانئ والجزر والمضائق يمكن أن تتحول إلى أوراق استراتيجية تفوق قيمتها العسكرية المباشرة، لأنها تمنح أصحابها القدرة على التأثير في التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد. ومن هنا، فإن التلويح بالضغط المتزامن على هرمز وباب المندب يمنح إيران والحوثيين، بدرجات مختلفة، قدرة تفاوضية تتجاوز حدود الساحة اليمنية. وفي المقابل، تتسع دائرة المتضررين لتشمل السعودية ومصر وإسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن الاقتصاد العالمي الذي يبقى شديد الحساسية تجاه أي اضطراب مستدام في الممرات البحرية الحيوية. وعليه، فإن الصراع على باب المندب قد لا يكون مجرد فصل جديد من فصول الحرب اليمنية، بل يمكن أن يصبح أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. فالمعادلة الجديدة لا تتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما بمن يمتلك القدرة على التحكم في حركة التجارة والطاقة، ومن يستطيع تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للقوة السياسية والاقتصادية. وفي عالم تتزايد فيه هشاشة سلاسل الإمداد وتتصاعد فيه المنافسة على الممرات الاستراتيجية، قد يصبح السؤال الأكثر أهمية في اليمن خلال المرحلة المقبلة ليس: من يسيطر على صنعاء؟ بل: من يمتلك القدرة على التحكم في الطريق المؤدي إلى العالم؟.

مشاهدة البراري يكتب الخنق المزدوج هرمز وباب المندب في لعبة الإكراه الجيوسياسي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ البراري يكتب الخنق المزدوج هرمز وباب المندب في لعبة الإكراه الجيوسياسي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، البراري يكتب : الخنق المزدوج: هرمز وباب المندب في لعبة الإكراه الجيوسياسي .

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار