»» رحلة عبر التاريخ والحاضر والمستقبل
بقلم : د.شريف فاروق (خبير العلاقات الدولية والأمن الإقليمي والدولي)
انتقل الردع في العصور القديمة من مجرد غريزة فردية للبقاء فى بدء الخليقة إلى أداة سياسية وهندسية استُخدمت لبناء واستقرار الحضارات الكبرى ، حيث امتلكت تلك الحضارات فهماً عميقاً لسيكولوجية الخصم ، واستخدموا العمارة والرمزية كأدوات ردع فعالة.
تُعد الحضارة المصرية القديمة نموذجاً فريداً في تاريخ الردع ، حيث لم تعتمد فقط على القوة المادية ، بل ابتكرت منظومة متكاملة من الردع النفسـي والمعمارى والرمزى الذي حافظ على استقرار الدولة لآلاف السنين ، ففي عهد الأسرة الثانية عشـرة (خاصة سنوسرت الثالث) ، بُنيت قلاع ضخمة في النوبة بتصميمات هندسية معقدة (سلسلة قلاع سمنة وقمنة) والتى تُظهر للقبائل الجنوبية أن الدولة المصرية تمتلك (القدرة التكنولوجية) على سحق أي تحرك .
كما استخدم الفراعنة الفن والعمارة كأدوات (بروباجندا ردعية) لزرع الخوف العقلاني
في قلوب الأعداء ولعل من ابرزها لوحة نارمر والتى تصور الملك مينا وهو يمسك برُؤُوس الأعداء ويستعد لضـربهم بالهراوة ولتكون الرسالة الردعية للرسل الأجانب والوفود التجارية والتى ترى تلك اللوحة بأن (هذا هو مصير من يحاول العبث بأمن مصر) .
تنوعت اساليب وانواع الردع بالحضارة المصرية القديمة من الردع بالدعاية من خلال بناء التماثيل العملاقة والاسطورية لتشكل أبراج مراقبة رمزية لترهب الاعداء وتقنعهم بأن الملك موجود في كل مكان ، إلى (الردع الاستباقي) من خلال بناء طريق حورس بسيناء والذى اشتمل على سلسلة من الحصون وآبار المياه الممتدة من القنطرة شرق حتى غزة ، وليدرك الخصم أن الجيش المصري يمكنه التحرك بسرعة هائلة والوصول لعمق العدو قبل أن يستعد ، الى (الردع بالعقاب) من خلال قيادة تحتمس الثالث لـ 17 حملة عسكرية في آسيا ، والتحرك بقوة خاطفة لتدمير مراكز التمرد ، مما خلق (سمعة عسكرية) تجعل بقية المدن تخشى عواقب العصيان ، الى (الردع بالتطويق الدبلوماسي) من خلال عقد المعاهدات مثل معاهدة قادش (1258 ق.م) بين رمسيس الثاني وملك الحيثيين ، حيث كانت أول معاهدة سلام في التاريخ ، حيث شكلت حالة من (الردع المتبادل) حيث نصت على الدفاع المشترك ، مما جعل أي طرف ثالث يفكر في الهجوم على أحدهما بأن يواجه القوتين معاً .
كما ان زواج الملوك الفراعنة من أميرات الحيثيين أو البابليين مثل نوعاً من (التطويق الاجتماعي) الذي يضمن عدم نشوب حرب ، لأن الخصم لن يهاجم (أصهار عائلته) ، كما ان تطوير مصر للعجلة الحربية لتكون الأخف والأسرع في العالم القديم منح مصـر (التفوق التكنولوجي) وعزز (المصداقية الردعية) ، فضلاً عن تغطية تلك المعارك والانتصارات ونقشها على جدران المعابد اثبت أن المصـريين القدماء كانوا أول من أدرك أن (الهيبة) هي أنسب وسيلة للردع ، فبناء تمثال ضخم أو سور عظيم لمرة واحدة قد يغنيك عن خوض مئة معركة خاسرة .
كما مثل النموذج الإغريقي في الردع أحد أكثر النماذج إثارة ، حيث ارتكز على (الردع بالاستقطاب) ، حيث لاحظ المؤرخ ثوسيديدس فى كتابه (تاريخ حرب البيلوبونيز) أن (نمو قوة أثينا والخوف الذي أثاره ذلك في إسبرطة هو ما جعل الحرب أمراً حتمياً) حيث أدرك الإغريق أن الردع يفشل عندما تشعر القوى العظمى أن (الوضع الراهن) يتغير ضد مصلحتها ، وهو ما سمى بـ (فخ ثوسيديدس) ، حيث اندلعت حرب البيلوبونيز عام 431 ق.م بين الحلف الديلي الذي قادته أثينا وبين حلف الاتحاد البيلوبونيزي بقيادة إسبارطة ، وانتهت بهزيمة أثينا والرضوخ لشروط إسبرطة ، وارتباطاً بالحاضر دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأميركي دونالد ترامب اثناء زيارته للصين خلال مايو 2026 ، إلى تفادي (فخ ثوسيديدس) والعمل على بناء نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى يقوم على التعاون بدلا من الصدام ، وللحديث بقية .
ظهرت المقالة الردع عبر العصور .. الحضارات الكبرى (ج3) أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة الردع عبر العصور الحضارات الكبرى ج3
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الردع عبر العصور الحضارات الكبرى ج3 قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الردع عبر العصور .. الحضارات الكبرى (ج3).
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة تشيلسي وهال سيتي في الدوري الإنجليزي
- “Storm” و”Shield”: شركة AVIRO المصرية تكشف عن جيل جديد من الدرونز وأنظمة الحرب الإلكترونية في العلمين
- عاجل / دوي انفجار يهز (4) أماكن في صنعاء.. معلومات أولية