قبل نحو سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2027، ترسم أحدث موجات الاستطلاع الانتخابي صورة لبلد يتقدم فيه مطلب التغيير إلى واجهة النقاش العام، وسط تشاؤم متزايد بشأن الاقتصاد والمالية العامة والقدرة الشرائية، ورغبة واضحة لدى قطاع واسع من الناخبين في طي صفحة سياسية امتدت على ولايتين رئاسيتين لإيمانويل ماكرون.
وأُنجزت الموجة الثالثة من الدراسة من طرف “إبسوس بي في إيه – سيسي” للهندسة لصالح صحيفة “لوموند”، بالشراكة مع مركز البحوث السياسية في معهد العلوم السياسية بباريس “سيفيبوف”، ومؤسسة جان جوريس، ومعهد مونتين، وشملت أكثر من 13 ألف شخص، وهو حجم عينة يمنح الاستطلاع قدرة أكبر على رصد التحولات داخل الكتل الانتخابية المختلفة.
وتظهر النتائج أن 71 في المائة من المستجوبين ينتظرون من الانتخابات الرئاسية المقبلة “تغييرا اجتماعيا وسياسيا حقيقيا”، مقابل 51 في المائة فقط قبيل انتخابات 2022، فيما يرى 54 في المائة أن المجتمع الفرنسي يحتاج إلى تغيير “عميق”، ويذهب 26 في المائة إلى المطالبة بتحول “جذري”.
وتكشف هذه الأرقام أن الرغبة في التغيير لم تعد مقتصرة على رفض شخصية سياسية أو حكومة بعينها، وإنما باتت مرتبطة بتقييم أوسع لمسار البلاد خلال السنوات الماضية، وبمدى قدرة القوى السياسية على تقديم أجوبة عملية في ملفات يعتبرها الناخبون أكثر إلحاحا، وفي مقدمتها الاقتصاد والميزانية والدين العام والقدرة الشرائية.
ويأتي ذلك فيما تتجه الأنظار إلى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل 2027، وسط تقدم واضح لمارين لوبان في نوايا التصويت، وتنافس بين جان لوك ميلونشون وإدوار فيليب على المواقع التالية بحسب السيناريوهات الانتخابية المختبرة.
يعكس الاستطلاع مستوى مرتفعا من القلق داخل المجتمع الفرنسي، إذ قال 59 في المائة من المستجوبين إنهم يشعرون بـ”القلق”، مقابل 38 في المائة في أكتوبر 2021، فيما تحدث 51 في المائة عن “عدم اليقين”، وعبّر 30 في المائة عن “الغضب”، بعدما لم تكن هذه النسبة تتجاوز 16 في المائة قبل نحو خمس سنوات.
ويرى 74 في المائة من الفرنسيين أن أوضاع البلاد ستتدهور خلال الأشهر المقبلة، وهي نسبة أعلى بنحو 30 نقطة مقارنة بما كان مسجلا قبل الانتخابات الرئاسية السابقة، حين لم تتجاوز نسبة المتشائمين 45 في المائة.
وترتبط هذه النظرة، وفق قراءة صحيفة “لوموند”، بالوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي، في ظل مخاوف من تباطؤ الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية، مع تصاعد النقاش بشأن العجز في الميزانية وحجم الدين العام ومستوى الإنفاق العمومي.
وتظهر الدراسة أن القضايا الاقتصادية لا تشغل الناخبين باعتبارها أرقاما مالية مجردة، وإنما لأنها تمس مباشرة توزيع الأعباء داخل المجتمع ومستوى المعيشة وقدرة الدولة على مواصلة تمويل الخدمات العامة، وهي عناصر مرشحة لاحتلال موقع مركزي في البرامج الانتخابية خلال الأشهر المقبلة.
وتفيد النتائج أيضا بأن عددا من الناخبين لا يرفضون مبدأ الإصلاحات الصعبة في حد ذاته، لكنهم يطالبون بتوزيع تكلفتها بصورة أكثر إنصافا، وهو ما يفسر دعم جزء من المستجوبين إجراءات من قبيل زيادة الضرائب على أرباح الشركات.
وتضع هذه المعطيات المرشحين أمام معادلة دقيقة، إذ ينتظر منهم تقديم حلول لتقليص العجز والدين والإنفاق، مع تفادي تحميل فئات بعينها العبء الأكبر للإصلاحات.
وتعتبر “لوموند” أن ارتفاع مستوى التوقعات سيجعل من الصعب على المرشحين الاكتفاء بوعود عامة، إذ ينتظر الناخبون إجابات واضحة وغير غامضة بشأن كيفية إدارة الملفات الاقتصادية والمالية، وطريقة تمويل البرامج المقترحة وتوزيع آثارها الاجتماعية.
ويزداد هذا التحدي مع ارتفاع نسبة الذين يطالبون بتغييرات عميقة في بنية السياسات العمومية، وليس بمجرد تعديلات محدودة، وهو ما يرفع سقف المنافسة بين المرشحين ويدفع حتى القوى التقليدية إلى تقديم مقترحات أكثر جرأة مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
لوبان وميلونشون يستفيدان من مطلب القطيعة
في الجانب الانتخابي، تؤكد نتائج الدراسة استمرار تقدم مارين لوبان، مرشحة حزب التجمع الوطني، بفارق واضح في الجولة الأولى، إذ تتراوح نوايا التصويت لصالحها بين 33 و35 في المائة بحسب السيناريوهات المختلفة التي اختبرها الاستطلاع.
ويأتي خلفها، بحسب تركيبة الترشيحات، زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلونشون أو رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، المنتمي إلى يمين الوسط.
واختبر الاستطلاع ستة سيناريوهات انتخابية، يتمكن ميلونشون في أربعة منها من الوصول إلى الجولة الثانية بنسبة تتراوح بين 15.5 و17 في المائة، بينما يتقدم عليه فيليب عندما يكون المرشح الوحيد للكتلة الوسطية، أي في غياب رئيس الوزراء السابق غابرييل أتال.
وتلفت نتائج الدراسة إلى أن لوبان وميلونشون يجمعان معا ما بين 48.5 و52 في المائة من نوايا التصويت في مختلف السيناريوهات، وهو رقم تعكسه قراءة “لوموند” باعتباره مؤشرا على قوة الطلب على القطيعة مع الأساليب السياسية التي سادت خلال السنوات الأخيرة.
ويعتبر بريس تانتيورييه، المدير العام المنتدب في “إبسوس”، أن فرنسا تعرف مستوى غير مسبوق من الرغبة في التغيير، غير أن هذا الطلب لا يعني أن الناخبين مستعدون لقبول أي شكل من أشكال القطيعة مهما كانت كلفته.
ووصف تانتيورييه هذه الحالة بصورة مجازية بأنها رغبة في “قلب الطاولة من دون تكسير الأواني”، أي إن شريحة واسعة من الفرنسيين تريد تغييرا قويا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بضمانات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي.
وتكشف هذه الازدواجية عن تحد صعب أمام مختلف المرشحين، لأن الخطاب الذي يركز على الاستمرارية وحدها قد يبدو غير كاف أمام ناخبين يطالبون بتغيير ملموس، في حين أن البرامج شديدة الراديكالية قد تثير بدورها مخاوف لدى جزء من الجسم الانتخابي.
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن أقل بقليل من نصف المستجوبين يعتبرون أنه لا توجد “سلوكيات راديكالية” كافية للبحث عن طرق جديدة لتحريك الأوضاع، وهو مؤشر على اتساع القبول بأفكار كانت توصف قبل سنوات بأنها بعيدة عن التيار السياسي الرئيسي.
ومع ذلك، لا تسمح الأرقام بالجزم بنتيجة الانتخابات المقبلة، إذ يظهر الاستطلاع وجود مسافة بين الرغبة في التغيير وبين الاختيار النهائي للمرشح، كما أن توازنات الجولة الثانية ستظل مرتبطة بتركيبة الترشيحات وقدرة كل مرشح على توسيع قاعدته خارج جمهوره التقليدي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى الكتلة الوسطية، التي سيتوقف وزنها إلى حد بعيد على قدرة مرشحيها على تفادي تشتت الأصوات، وعلى تقديم عرض سياسي مقنع للناخبين الذين يرغبون في تغيير السياسات من دون الانتقال إلى خيارات يعتبرونها أكثر حدة.
اهتمام انتخابي مرتفع ومؤشرات على تعبئة قوية
لا يظهر الاستطلاع ارتفاعا في التشاؤم فقط، إذ يكشف أيضا عن اهتمام لافت بالاستحقاق الرئاسي، فقد أفاد نحو ثلاثة أرباع المشاركين بأنهم يتابعون بداية الحملة باهتمام، وهو مستوى تصفه “لوموند” بالمرتفع مقارنة بالمراحل المماثلة من الانتخابات السابقة.
كما تقول أغلبية واسعة من المستجوبين إنها متأكدة من التوجه إلى صناديق الاقتراع، بنسبة تتجاوز ما كان مسجلا في الفترة نفسها سنة 2021، وتقترب من المستويات التي سبقت انتخابات 2017.
وكانت نسبة المشاركة في الجولة الأولى من انتخابات 2017 قد بلغت 78.7 في المائة، وهو ما يجعل المؤشرات الحالية تفتح احتمال تسجيل تعبئة انتخابية قوية خلال جولتي 18 أبريل و2 ماي 2027.
ويرتبط ارتفاع الاهتمام بالانتخابات، وفق نتائج الدراسة، بالشعور بأن الاستحقاق المقبل قد يشكل نقطة تحول في مسار البلاد، خصوصا لدى الناخبين الذين يعتبرون الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمالية قضايا تحتاج إلى قرارات سريعة وواضحة.
ويبدو أن مطلب التغيير يعيد أيضا رفع قيمة المشاركة السياسية لدى فئات من الناخبين، إذ إن الشعور بأن الانتخابات قد تؤثر مباشرة في اتجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية يدفع عددا أكبر من المستجوبين إلى التأكيد أنهم سيشاركون في الاقتراع.
وفي الوقت نفسه، تكشف النتائج أن المرشحين سيواجهون جمهورا أكثر تطلبا، فلا يكفي تقديم وعود عامة بشأن تحسين القدرة الشرائية أو إصلاح المالية العامة، إذ ينتظر الناخبون توضيح الآليات والكلفة والجدول الزمني والجهات التي ستتحمل العبء الأكبر من الإصلاحات.
ويظل الاقتصاد في قلب المعادلة، لأن الرغبة في تغيير السياسات تتقاطع مع مخاوف واسعة من تراجع الوضع الاجتماعي، ما يجعل أي برنامج انتخابي مطالبا بالتوفيق بين الانضباط المالي والحفاظ على القدرة الشرائية والخدمات العامة.
كما أن ارتفاع وزن مارين لوبان وجان لوك ميلونشون في نوايا التصويت يفرض على المرشحين الآخرين التعامل مع خطاب القطيعة بوصفه جزءا أساسيا من الحملة، سواء عبر تبني بعض مطالبه أو تقديم بدائل أكثر اعتدالا تحقق التغيير من دون رفع مستوى المخاطر.
وأُجريت الدراسة عبر الإنترنت بين 3 و9 شتنبر، وشملت 13 ألفا و60 شخصا مسجلين في اللوائح الانتخابية وفق طريقة الحصص، فيما تراوح هامش الخطأ بين 0.2 و0.9 نقطة مئوية.
وتضع هذه الأرقام الانتخابات الرئاسية المقبلة أمام مشهد مفتوح، تتقاطع فيه ثلاثة اتجاهات واضحة: رغبة قوية في التغيير، تشاؤم واسع بشأن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي، واستعداد مرتفع للمشاركة في التصويت، وهي عوامل ستجعل الأشهر السبعة المقبلة اختبارا لقدرة المرشحين على تحويل خطاب التغيير إلى عروض سياسية قابلة للإقناع والتنفيذ.
غالبية الفرنسيين يريدون "تغييرا عميقا" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة غالبية الفرنسيين يريدون تغييرا عميقا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ غالبية الفرنسيين يريدون تغييرا عميقا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، غالبية الفرنسيين يريدون "تغييرا عميقا".
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة السد واستقلال طهران في دوري أبطال آسيا للنخبة
- بث مباشر.. شاهد مباراة شباب الأهلي وتراكتور في دوري أبطال آسيا للنخبة
- بث مباشر.. شاهد مباراة كومو وبارما في الدوري الإيطالي