yemenat
يمنات
ابو زيد الكميم
الموت السريري والاضطراب المجنون
أصرّ أخي الشيخ قيس على أن أوقّع ورقة تعهّد بعدم المطالبة بالراتب، وأن أوافق على حلّ نادي المعلمين، حتى يتم الإفراج عني من السجن.
قلت له: «المفروض أن الحكومة هي التي تعمل لي ورقة اعتذار ورد اعتبار عمّا جرى، وتعويضًا ماديًا ومعنويًا عن كل ما تعرّضت له».
طال الحديث بيننا، وكان الرفض مني قاطعًا. وبعد نقاش طويل، وضع أخي مبلغًا عند أحد العساكر لتوفير الغداء والقات لي يوميًا، ثم قال لي: «راجع نفسك، رجاءً، من أجل من يحبك، ومن أجل أسرتك».
فقلت له: «لن أخذل المعلمين والمعلمات المضربين من أجل راتبهم». غضب أخي وقال:
«قد خذلوك كلهم، وفكّوا الإضراب، وما عاد حد مضرب غيرك!».فضحكت وقلت: «صدقت الفندم ».
فقال: «لا والله، بل هذا هو الواقع. أنت حُبست، والإضراب انتهى خلال أسبوع! وأنت الذي تضحي بحياتك من أجل رواتبهم، وهم لم يجلسوا في بيوتهم من أجل رواتبهم، ولا من أجل نقيبهم التربوي!».
خرج أخي غاضبًا، وبقيت أنا غير مصدّق لما سمعت.
كان الإضراب بالنسبة لي آخر أمل لاستعادة الرواتب. وكنت أؤمن أن علينا أن نثبت كما ثبت عمال النظافة والقضاة، لأن مثل هذه الفرصة قد لا تتكرر مرة أخرى.
بعد خروج أخي، تغدينا، ثم بدأت أخزن بأحلى قات، وأنا مركّب المغذية والأجهزة على مدار أربع وعشرين ساعة ،
وعجب العسكر القات والغداء إنهم لم يسبق لهم أن خزنوا بمثل هذا القات ثم قالوا: «بلّغ أخاك تحياتنا وشكرنا».
وبينما أنا مخزّن وأتابع الأخبار عبر التلفاز، وكانت غزة هي شغلي الشاغل، جاء الضابط المكلف بقضيتي وسلّم عليّ، واطمأن على صحتي، ثم قال:
«يا شيخ، وضعك الصحي خطير جدًا، وما نريدك تبقى يومًا واحدًا في السجن. اعمل التعهّد وروّح بيتك، بدل ما ترجع للسجن». قلت: «تعهّد بماذا؟».
قال: «بعدم المطالبة بالرواتب».
فضحكت وقلت:
«أنت بتستلم راتب أم لا؟».
ضحك وقال:
«راتب لا، لكن أستلم نفقات».
قلت: «سلّموا لنا مثلكم نفقات، ما دامت كلمة راتب تزعل!».
قال: «رواتبنا عند العدو السعودي، ونطالبه كلنا بذلك».
قلت: «طيب، من أين يستلم مجلس الرئاسة، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب، ومجلس الشورى، وعمال النظافة، والقضاة، والاتصالات رواتبهم؟!».
بهت وتلعثم وقال: «ما بيستلموا».
ضحكت وقلت: «احلف يمين».
فسكت.
قلت:«يا إما كلنا نستلم رواتب، يا كلنا نجلس بدون رواتب ونطالب العدو السعودي بالرواتب! وبالله عليك، من أحق بالراتب: مجلس الشورى أم التربويون الذين يعلّمون الجيل؟».
قال: «يا شيخنا، يهمني خروجك من السجن. وقّع ومالك دخل بكل هذا».
قلت: «حاضر، لكن خلّ كل من يستلمون رواتب يوقّعون قبلي، واقطعوا رواتبهم، أما دون ذلك فلن أوقّع».
قال:«حياتك في خطر».
قلت: «الأعمار بيد الله».
قال: «والله إن المعلمين قد داوموا ونسوك، ونسوا الرواتب».
قلت:«مش معقول يداوموا مجانًا!».
قال:«بيصرفوا لهم حوافز».
قلت:«هذا بفضل الله وفضل نادي المعلمين. أخيرًا، وبعد سنوات، انتزعنا للمعلمين حوافز».
قال:«الحكومة من نفسها صرفت لهم».
قلت:«أبدًا. بل تم ذلك عندما أعلن وزير التربية، ثاني يوم في الدراسة، وهو في محافظة إب، عن صرف ثلاثة حوافز تباعًا بسبب قوة الإضراب. ولولا الإضراب ما صُرف حافز واحد!!!».
قال:«أين إضراب؟ ما بش إضراب».
قلت:«مادام ما بش إضراب، فلماذا اعتقلتوني؟! ولماذا ما صرفتوا حوافز طوال ثمان سنوات، وصرفتوه هذا العام؟!!!».
ضحك وقال:«أنت ذَرِبة ولقِن، وهذه آخر فرصة لك».
قلت:«بل هذه فرصتك أنت، لكي يذكرك التاريخ أنك أخرجت رئيس نادي المعلمين من المستشفى إلى بيته».
قال ضاحكًا:«عامل لنفسك زحمة والخط فاضي».
قلت:«أنتم من فعلتم لي زحمة باعتقالي، ولا قد كنت فاضي».وضحكت، فضحك الفندم، ثم قال:
«خاطرك، إذا احتجت حاجة، كلم رئيس الحراسة يتصل لي».
قلت:«ما اسمك يا فندم؟».
قال:«قل له صاحب الحدا، وهو سيواصلني».
ثم خرج.
عدت إلى التلفاز، أتابع أخبار غزة.
كانت غزة في ذلك الوقت أهم من الدنيا كلها بالنسبة لي؛ أنستني المرض والتعب والسجن، وأخذت كل اهتمامي.
وقبل النوم جاء أحد الممرضين ومدّد وقت المغذية إلى ست ساعات بدل الساعتين.
وجلس بجواري أثناء نومي عسكري للحراسة، يراقب حالتي، ويراقب المغذية، ويتأكد من عدم انتهائها قبل الوقت المحدد، بينما بقي بقية العسكر خارج الغرفة.
وتجاذبت الحديث معه، وهو لا يعرف من أنا، ولا لماذا حُبست.
سألني عن قصتي، فقلت له:
«ممنوع أقل لك أي معلومات!!!».
ثم عاد الحديث بيننا إلى غزة وما يجري فيها.
وقبل أن يغلبني النوم قلت له:
«صحّيني أصلي الفجر».
فصحّاني، ثم عدت إلى النوم.
وعند الساعة التاسعة صباحًا، بدأت أسمع جلبة شديدة حول سريري.
فتحت عيني قليلًا، فإذا بالأطباء قد تجمعوا حولي، وكان بينهم أطباء جدد، وكل واحد منهم يتحدث عن حالتي، ويطّلع على الملف.
عملت نفسي نائمًا، وبدأت أستمع إلى حديثهم بدقة.
كنت أريد أن أعرف الحقيقة بنفسي؛ حقيقة مرضي، ونهاية هذا العذاب الذي أعيشه.
طال النقاش بينهم، حتى تحدث أحدهم، ومن كلامه بدا أنه متخصص في حالتي، وبروفيسور كبير.
قال كلامًا جعلني أشعر وكأن الدنيا توقفت:
«حالته صعبة ونادرة، ولا علاج لها في اليمن».
سأله طبيب آخر: «وماذا نعمل في المستشفى؟».
فقال:«يبقى هكذا حتى يتوقف الارتفاع والهبوط المجنون».
سأله:«كم يومًا؟».
قال:«يوم، أو أسبوع، أو شهر، أو حتى سنة كاملة».
فسأله طبيب ثالث بدهشة:
«سنة كاملة وهو بهذا الوضع؟».
رد عليه:«للأسف نعم، بل قد تصل حالته إلى سنوات».
ثم تابع:
«المهم ألا يتم فصل المغذية عنه حتى يتوقف هذا الاضطراب المجنون، وتستدعوني لأطلع على حالته. أما الآن فلا تفصلوا المغذية عنه ولو لدقيقة. هو يحتاج إلى عناية مركزة جدًا، والأفضل أن تجيبوا أهله ليبقوا حوله، وألا يتركوه دقيقة واحدة، فقد تكون هذه أيامه الأخيرة في الحياة».
ثم قال كلامًا كان أشد وقعًا:
«من النادر أن يعيش من يحصل له هذا الاضطراب السكري المجنون، وفي أحسن الأحوال قد يموت سريريًا».
نزل كلامه عليّ كالصاعقة.
لم أفتح عيني، ولم يشعر أحد أنني أسمعهم.
لكنني في تلك اللحظة كنت قد فهمت كل شيء.
وجدت نفسي أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن أعيش سنوات تحت رحمة المغذية، أنتظر أن يتوقف هذا الاضطراب المجنون…
وإما أن أصل إلى الموت السريري.
ولأول مرة، شعرت أن السجن الذي كنت أظنه أقسى ما مررت به في حياتي، لم يكن هو الخطر الحقيقي.
الخطر الحقيقي كان جسدي نفسه.
وكان السؤال الذي يدور في داخلي:
هل سأخرج من هذا السجن إلى بيتي… أم سأخرج منه إلى نهاية حياتي؟
للحديث بقية
yemenat
مشاهدة أدب السجون nbsp الحلقة الثالثة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أدب السجون الحلقة الثالثة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أدب السجون (الحلقة الثالثة).
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة السد واستقلال طهران في دوري أبطال آسيا للنخبة
- بث مباشر.. شاهد مباراة شباب الأهلي وتراكتور في دوري أبطال آسيا للنخبة
- بث مباشر.. شاهد مباراة كومو وبارما في الدوري الإيطالي
