بعد أشهر فقط من أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الجزائر ومالي، اختارت الجزائر العودة إلى باماكو من الباب السياسي، في تحرك يعكس محاولة واضحة لإعادة ترتيب أوراقها في منطقة الساحل، بعدما فرضت التحولات المتسارعة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو واقعا إقليميا جديدا لم تعد فيه الأدوات التقليدية للسياسة الجزائرية كافية للحفاظ على النفوذ الذي راكمته لعقود.
وحل الوزير الأول الجزائري سيفي غريب، يوم أمس الاثنين، بالعاصمة المالية باماكو بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون، حيث أجرى مباحثات مع نظيره المالي عبد الله مايغا. وقدمت الجزائر الزيارة باعتبارها امتدادا لـ”الديناميكية الجديدة” التي تشهدها العلاقات الثنائية وتجسيدا لإرادة البلدين في الارتقاء بالتعاون، غير أن توقيتها يجعلها أبعد من مجرد محطة دبلوماسية عادية، بالنظر إلى حجم الخلافات التي وضعت البلدين، قبل أشهر، على حافة قطيعة أوسع.
من إسقاط المسيرة إلى المصافحة في باماكو
والمشهد الذي ظهر في باماكو يختلف جذريا عن أجواء أبريل 2025، عندما انفجرت أزمة الطائرة المسيرة بعد إعلان الجزائر إسقاط طائرة مالية، مقابل رفض باماكو للرواية الجزائرية واعتبار ما حدث عملا عدائيا. وسرعان ما تجاوز الخلاف حدود الحادث العسكري، ليتحول إلى مواجهة دبلوماسية كشفت حجم التراكمات التي ظلت تضغط على العلاقات بين الجارين.
فالأزمة كانت أعمق من مسألة طائرة مسيرة، إذ جاءت فوق أرضية سياسية متوترة بسبب الخلاف بشأن شمال مالي ومآل اتفاق السلام والمصالحة الموقع بالجزائر سنة 2015. وإعلان باماكو إنهاء العمل بذلك الاتفاق لم يكن مجرد خلاف حول وثيقة سياسية، بل شكل ضربة مباشرة لإحدى أبرز الأدوات التي بنت عليها الجزائر حضورها في الساحل، باعتبارها وسيطا بين السلطة المركزية في مالي والمجموعات المسلحة في شمال البلاد.
ووصلت المواجهة لاحقا إلى سحب السفراء واتخاذ إجراءات متبادلة وإغلاق المجال الجوي، بالتزامن مع اصطفاف مالي والنيجر وبوركينا فاسو، المنضوية ضمن تحالف دول الساحل، في موقف متقارب تجاه الجزائر. وهكذا وجدت الأخيرة نفسها أمام كتلة إقليمية جديدة تتعامل بمنطق سياسي وأمني مختلف عن المعادلات التي حكمت المنطقة لسنوات.
مالي غيرت موقفها من الصحراء.. والجزائر تعود إليها
غير أن المفارقة السياسية في عودة الجزائر إلى باماكو لا تتوقف عند تجاوز أزمة المسيرة، بل تمتد إلى واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى السياسة الخارجية الجزائرية. ففي 10 أبريل 2026 أعلنت مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وانتقلت إلى إعلان دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية، باعتبارها أساسا جديا وموثوقا لتسوية النزاع.
وبذلك أصبحت الجزائر أمام معادلة سياسية لم تكن مألوفة في خطابها تجاه المنطقة؛ فهي تعيد بناء علاقاتها مع دولة اتخذت موقفا واضحا يناقض أحد أبرز ثوابت الدبلوماسية الجزائرية المتعلقة بنزاع الصحراء. ويكشف ذلك أن حسابات استعادة الحضور في الساحل باتت، بالنسبة إلى الجزائر، تفرض قدرا أكبر من البراغماتية، حتى مع الدول التي اقتربت سياسيا من الموقف المغربي في هذا الملف.
وبدأت ملامح المصالحة تتضح خلال الأسابيع الماضية. ففي 9 غشت أجرى غريب اتصالا هاتفيا مع مايغا، أكد خلاله الطرفان التمسك بحسن الجوار والرغبة في منح العلاقات “دينامية جديدة”، قبل أن يزور رئيس الحكومة المالية الجزائر في 24 غشت. واليوم تنتقل عملية إعادة بناء العلاقة إلى باماكو نفسها، في إشارة إلى رغبة الطرفين في تجاوز مرحلة المواجهة المفتوحة.
الجزائر تغير أدواتها في النيجر أيضا
ولا يبدو التحول مقتصرا على مالي. ففي النيجر، انتقلت الجزائر بدورها من موقف سياسي متحفظ تجاه السلطة التي أفرزها انقلاب يوليوز 2023 على الرئيس محمد بازوم، إلى تعاون مباشر مع النظام القائم في نيامي، بعدما كانت في البداية تدعو إلى العودة للمسار الدستوري وتدفع باتجاه معالجة سياسية للأزمة.
وتجاوز التقارب لاحقا مستوى الاتصالات الدبلوماسية، عندما قدمت الجزائر خلال غشت الماضي هبة عسكرية للجيش النيجري تضمنت أربع مروحيات وتجهيزات ومعدات ووسائل دعم أخرى، في خطوة قالت وزارة الدفاع الجزائرية إنها جاءت بتعليمات من الرئيس تبون وفي إطار تعزيز التعاون الدفاعي والأمني وتبادل الخبرات بين البلدين.
وبعد أسابيع قليلة، ارتفع مستوى التعاون إلى درجة أكبر. ففي 30 غشت أعلنت الجزائر إرسال دوريتين من مقاتلات “سوخوي سو-30″، تضم أربع طائرات، إلى نيامي استجابة لطلب القيادة النيجرية، بعد أحداث أمنية وصفتها الجزائر بمحاولة لزعزعة استقرار البلاد. وحطت المقاتلات بمطار نيامي رفقة طائرة للتزود بالوقود جوا، في تطور يعكس انتقال المقاربة الجزائرية من الوساطة السياسية إلى تقديم دعم أمني وعسكري مباشر.
معركة استرجاع النفوذ في ساحل تغيرت قواعده
وتكشف التحركات المتزامنة تجاه مالي والنيجر أن الجزائر تحاول التكيف مع خريطة إقليمية تغيرت بصورة عميقة. فالنموذج الذي اعتمدت عليه لسنوات، والقائم على الوساطة السياسية والاستفادة من الموقع الجغرافي والقدرات العسكرية واستضافة آليات التنسيق الأمني، بات يواجه منافسة من قوى وتحالفات جديدة داخل المنطقة وخارجها.
فصعود تحالف دول الساحل، وتغير طبيعة الأنظمة الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع الحضور الفرنسي التقليدي، مقابل توسع نفوذ روسيا وتركيا وقوى دولية أخرى، كلها عوامل أعادت توزيع الأوراق في منطقة كانت الجزائر تعتبرها جزءا أساسيا من مجالها الأمني والاستراتيجي المباشر.
ولهذا تبدو المصافحة الجديدة في باماكو أكبر من مجرد مصالحة بعد خلاف عابر. فالجزائر تحاول استعادة موطئ قدم في فضاء تغيرت فيه التحالفات، حتى وإن اقتضى ذلك تجاوز خلافات ثقيلة مع مالي، والتعامل مع تحول موقفها من قضية الصحراء، ودعم سلطة عسكرية في النيجر كانت الجزائر نفسها قد طالبت، عند وصولها إلى الحكم، بالعودة إلى المسار الدستوري.
المقالة من الخصومة إلى باماكو.. حسابات الساحل تدفع الجزائر لتجاوز خلافاتها مع مالي نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز
مشاهدة من الخصومة إلى باماكو حسابات الساحل تدفع الجزائر لتجاوز خلافاتها مع مالي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من الخصومة إلى باماكو حسابات الساحل تدفع الجزائر لتجاوز خلافاتها مع مالي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على آش نيوز ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من الخصومة إلى باماكو.. حسابات الساحل تدفع الجزائر لتجاوز خلافاتها مع مالي.
في الموقع ايضا :
- «النفط» يرتفع مع توقّف خط أنابيب سعودي ووقوع هجمات جديدة
- محكمة أميركية ترفض طلب إدارة ترامب تقييد التصويت عبر البريد في انتخابات نوفمبر
- لماذا لا يزال آيفون 15 خياراً ذكياً؟ إليك أبرز مميزاته التي تغنيك عن الترقية