لم يعد سؤال الطاقة في المغرب مرتبطا فقط بكيفية تأمين حاجيات البلاد، بل أصبح جزءا من سؤال استراتيجي أكبر يتعلق بموقع المملكة داخل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الطاقي العالمي.
فخلال أكثر من عقدين، انتقل المغرب تدريجيا من موقع البلد المستورد للطاقة إلى بناء نموذج وطني يقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، والاستثمار في البنيات التحتية التي يمكن أن تجعل من المملكة فاعلا مؤثرا في سوق الطاقة النظيفة.
كانت محطة «نور ورزازات» إحدى أبرز العلامات الفارقة في هذا المسار؛ فهي لم تكن مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وإنما تعبيرا عن خيار استراتيجي جعل من الطاقات المتجددة رافعة لسياسة وطنية طويلة المدى.
وبالتوازي مع الطاقة الشمسية، توسعت الاستثمارات في الطاقة الريحية، خصوصا بالمناطق ذات المؤهلات الطبيعية الكبيرة، لترسخ المملكة تدريجيا موقعها كواحدة من الدول الأكثر انخراطا في التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
لكن الرهان المغربي لم يتوقف عند إنتاج الكهرباء النظيفة. فالمرحلة الجديدة تتجه نحو الهيدروجين الأخضر، باعتباره أحد المكونات المحتملة للتحول الصناعي والطاقي العالمي خلال العقود المقبلة.
وهنا تبرز خصوصية النموذج المغربي: امتلاك موارد شمسية وريحية مهمة، وموقع جغرافي يربط أوروبا بإفريقيا والمحيط الأطلسي، إلى جانب شبكة من الموانئ والبنيات الصناعية التي يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير سلاسل إنتاج وتخزين ونقل وتصدير منتجات الطاقة النظيفة.
ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار في الهيدروجين الأخضر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد مشروع لإنتاج مورد طاقي جديد، بل باعتباره محاولة لإعادة صياغة موقع المغرب داخل سلاسل القيمة الصناعية العالمية. فالمنافسة المستقبلية لن تكون فقط حول من ينتج الكهرباء بأقل تكلفة، وإنما حول من يمتلك القدرة على إنتاج الطاقة النظيفة، وتحويلها، وتخزينها، ونقلها، وربطها بالصناعة والتصدير والأسواق الدولية.
وتكتسب هذه الرؤية بعدًا أكثر أهمية مع بروز تصورات لإنشاء بنية تحتية وطنية متخصصة في نقل الهيدروجين الأخضر. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن تصور لإحداث أنبوب يربط طانطان بالمحمدية، بطول يقارب 900 كيلومتر، وباستثمار تقديري في حدود 1.35 مليار دولار. غير أن هذا المشروع، وفق المعطيات المتداولة، يظل في إطار التصور والدراسة، وليس مشروعًا منجزًا أو شبكة قائمة بالفعل.
أهمية هذا التصور تتجاوز الأنبوب في حد ذاته؛ فهو يعكس الحاجة إلى بناء منظومة متكاملة تستطيع نقل الهيدروجين أو مشتقاته من مناطق الإنتاج إلى مراكز التخزين والصناعة والموانئ، بما يسمح بتطوير القطاع على نطاق وطني، وربط الإمكانات الطاقية للمناطق الجنوبية بالحاجيات الصناعية ومنافذ التصدير.
وتبرز هنا المؤهلات الكبيرة للأقاليم الجنوبية، التي تتوفر على إمكانات مهمة في الطاقة الشمسية والريحية، وهي موارد أساسية لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
وإذا نجح المغرب في تحويل هذه المؤهلات الطبيعية إلى منظومة صناعية متكاملة، فإن القيمة المضافة لن تكون محصورة في تصدير الطاقة، بل يمكن أن تمتد إلى تطوير صناعات مرتبطة بالهيدروجين ومشتقاته، واستقطاب استثمارات جديدة، وخلق سلاسل قيمة وفرص اقتصادية في مختلف حلقات الإنتاج.
إن جوهر التحول الذي يعيشه المغرب يكمن، إذن، في الانتقال من منطق تأمين الطاقة إلى منطق صناعة الطاقة، ومن استهلاك الموارد إلى الاستثمار في موقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي الجديد للطاقة.
وهي رؤية ترتبط بخيار استراتيجي واضح، قوامه استغلال الموقع الجغرافي والمؤهلات الطبيعية والاستقرار المؤسساتي والبنية التحتية المتنامية، من أجل بناء قدرة تنافسية في قطاع ستزداد أهميته مع تسارع التحول العالمي نحو إزالة الكربون.
ومع اقتراب أفق 2030، ستكون المعركة الحقيقية أمام المغرب هي الانتقال من مرحلة إطلاق المشاريع وإعلان الاستراتيجيات إلى مرحلة تحقيق التكامل بين الإنتاج والتخزين والنقل والتحويل الصناعي والتصدير. فامتلاك الشمس والرياح وحده لا يصنع قوة طاقية؛ القوة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الموارد إلى صناعة، واستثمار، وقيمة مضافة، وبنية تحتية، وقدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
لذلك، فإن الرهان المغربي على الطاقة النظيفة لا ينبغي اختزاله في عدد المحطات الشمسية أو مزارع الرياح، ولا حتى في حجم الاستثمارات المعلنة. المسألة أعمق من ذلك: إنها إعادة تموضع تدريجية للمملكة داخل خريطة الطاقة العالمية.
فإذا نجح المغرب في بناء هذه السلسلة المتكاملة، من الإنتاج المتجدد إلى الهيدروجين الأخضر، ومن البنية التحتية إلى الصناعة والتصدير، فإنه لن يكون مجرد بلد ينتج طاقة نظيفة، بل قد يتحول إلى منصة إقليمية لصناعة الطاقة النظيفة وتصديرها.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الرهان: المغرب لا ينتظر فقط مستقبل الطاقة العالمية، بل يعمل على بناء موقع له داخل هذا المستقبل.
المغرب.. من تأمين الطاقة إلى صناعة مستقبل الطاقة النظيفة أنا الخبر - Analkhabar.
مشاهدة المغرب من تأمين الطاقة إلى صناعة مستقبل الطاقة النظيفة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب من تأمين الطاقة إلى صناعة مستقبل الطاقة النظيفة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنا الخبر ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب.. من تأمين الطاقة إلى صناعة مستقبل الطاقة النظيفة.
في الموقع ايضا :
- عاجل / السعودية تعلن زوال الخطر عن محافظتي الطائف وينبع
- زيارة مرتقبة لمحمد بن سلمان إلى القاهرة.. الهجمات الإيرانية ووكلاء طهران على طاولة المباحثات
- بريطانيا تدرس: السعودية تستنجد بلندن للمساعدة ضد الحوثيين