أصبح التعاون الأمني والقضائي الدولي ضرورة عملية في مواجهة الجريمة العابرة للحدود، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بقدر كبير من الثقة بين الدول والالتزام الصارم بالاتفاقيات الثنائية والمساطر القانونية، وهو ما يجعل تحويل القضايا الأمنية الحساسة إلى مادة للتسريب والتوظيف الإعلامي عاملا مربكا لهذا التعاون.
وقد برز ذلك أخيرا في حملة إعلامية فرنسية استندت إلى وثيقة داخلية منسوبة إلى الفرقة الوطنية للبحث عن الأشخاص الفارين من العدالة التابعة للشرطة القضائية الفرنسية، لترويج سردية مغلوطة ومبتورة تدعي أن المغرب أضحى “ملاذا” للفارين من العدالة.
إن تفكيك هذه الادعاءات لا يتطلب الدخول في سجالات عقيمة، وإنما يستوجب الاحتكام إلى لغة الأرقام الصارمة ومبادئ القانون الدولي، لفهم البون الشاسع بين ضوابط العمل الأمني المؤسساتي والإثارة الصحفية التي تقتات على معطيات مجتزأة وتفتقر إلى أدنى مقومات التحليل الموضوعي.
إن محاولة البعض في فرنسا الترويج لفكرة تساهل السلطات المغربية مع المطلوبين دوليا تسقط بمجرد تسليط الضوء على حجم العمل اليومي الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية المغربية في تفاعلها مع النشرات الحمراء للإنتربول، فالمعطيات الإحصائية الموثقة منذ بداية عام 2020، حسب ما كشف عنه مصدر أمني رسمي، تكشف عن مجهود ضخم لا يمكن القفز عليه.
فقد شهدت هذه الفترة معالجة وإدماج ما يناهز 4568 مذكرة بحث دولية صادرة عن السلطات القضائية الفرنسية ضمن قواعد البيانات الوطنية المغربية بشكل آلي وفوري، وهو رقم يعكس يقظة أمنية واستجابة استراتيجية تضع تعقب المبحوث عنهم في صلب الأولويات.
وللتدليل على الفعالية الميدانية، استعرض المصدر الأمني نفسه حصيلة التوقيفات، مؤكدا أن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تمكن خلال الفترة نفسها من توقيف 124 شخصا يشكلون موضوع مذكرات بحث فرنسية، وفي المقابل، وبمنطق المعاملة بالمثل الذي تكشف الأرقام اختلاله لصالح الجهد المغربي، لم توقف السلطات الفرنسية سوى 47 شخصا مطلوبا للعدالة المغربية.
أما على مستوى تسليم المجرمين، فقد أبان المغرب عن التزام مطلق بالاتفاقيات الثنائية، إذ سلم 101 شخص إلى السلطات الفرنسية، بينما لم يتسلم من باريس سوى 16 موقوفا فقط، وهذه الأرقام المجردة لا تترك مجالا للشك، وتنسف من الأساس فرضية “الملاذ”، كما تؤكد أن المملكة المغربية تلعب دورا رياديا ومتقدما جدا في مكافحة الجريمة المنظمة مقارنة بشركائها.
ويبدو أن الخلل الحقيقي لا يكمن في غياب التعاون، وإنما في محاولة بعض الأطراف الفرنسية نقل النقاش من أروقة القضاء وقنوات التواصل الأمني المؤسساتي المعتمدة إلى صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، إذ إن التعاون الثنائي في مجال توقيف الأشخاص المبحوث عنهم تحكمه مساطر قانونية دولية وقنوات قضائية واضحة المعالم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدار عبر تسريب معطيات منقوصة ومبتورة من سياقها إلى الصحافة.
وتسريب وثائق داخلية تابعة لمديرية الشرطة القضائية الفرنسية وتفريغها من سياقها القانوني يعكس أحد أمرين، إما قصورا في فهم آليات التعاون الدولي، أو توجيها متعمدا للإساءة إلى جهود شريك استراتيجي، فالعمل الأمني يحتاج إلى السرية والثقة واحترام المساطر، وليس إلى خلق فقاعات إعلامية تبني استنتاجاتها على جهل مطبق بقواعد وضوابط آليات التعاون الثنائي.
أزمة الملفات الناقصة
من أبرز المغالطات التي روجت لها المنابر الفرنسية العزف على وتر عدم تسليم بعض الموقوفين، وهنا تتجلى أهمية الثقافة القانونية التي يبدو أن الإعلام الفرنسي تعمد تغييبها، فكما هو متعارف عليه دوليا، يمنع التشريع المغربي تسليم المواطنين المغاربة أو حاملي الجنسية المزدوجة إلى دول أجنبية، وهو مبدأ سيادي معمول به في جل الديمقراطيات، بما فيها فرنسا نفسها.
غير أن هذا المنع لا يعني الإفلات من العقاب، وإنما يلزم بتطبيق “مسطرة الشكاية الرسمية”، التي تعني محاكمة هؤلاء الموقوفين أمام المحاكم المغربية بناء على الملفات التي تحيلها الدولة الطالبة.
وهنا تبرز المفارقة العجيبة، إذ أفاد المصدر الأمني الذي تواصلت معه الجريدة بأنه من أصل 53 شخصا يحملون الجنسية المغربية جرى توقيفهم بناء على مذكرات فرنسية، لم ترسل السلطات القضائية الفرنسية سوى 33 ملف شكاية رسمية فقط.
وهذا يعني أن العائق أمام استكمال المتابعة القضائية لعدد من المطلوبين ليس “تراخي” السلطات المغربية، وإنما التقاعس أو البطء الإداري الفرنسي في توجيه الملفات والشكايات الرسمية داخل الآجال المحددة ووفق ما تنص عليه الاتفاقيات الثنائية.
وقد تمت محاكمة هؤلاء الأشخاص في المغرب فور التوصل بالملفات الـ33، وهو ما يؤكد أن الكرة كانت في الملعب الفرنسي، وأن التأخير مصدره الجهة التي تشتكي اليوم عبر منابرها الإعلامية.
يقظة ميدانية
إن التزام المغرب بمحاربة الجريمة العابرة للقارات ليس التزاما موسميا، ولا ينتظر تقييمات إعلامية من وراء البحار، ولعل ما يؤكد هذه الدينامية استمرارية العمليات الأمنية الدقيقة التي تستهدف المطلوبين للعدالة الدولية على التراب الوطني.
وخير دليل على هذه اليقظة المستدامة ما أسفرت عنه الحملات الأمنية السابقة لتوقيف المطلوبين دوليا، وتحديدا العمليات النوعية التي شهدتها مدن كبرى مثل مراكش والدار البيضاء، والتي أثمرت الإطاحة بعشرات المبحوث عنهم بموجب نشرات حمراء في قضايا تتعلق بالتهريب الدولي للمخدرات وتبييض الأموال وشبكات المافيا.
وهذه التوقيفات التي تمت بتنسيق عالي المستوى تؤكد أن الأجهزة الأمنية المغربية تمشط التراب الوطني باستمرار، ولا تسمح بتحويل المدن المغربية إلى نقط عبور أو استقرار لأي نشاط إجرامي دولي.
يتبين بوضوح أن معالجة الإعلام الفرنسي للمعطيات الإحصائية اتسمت بالانتقائية والتعميم والافتقار إلى الأسس المهنية السليمة، فالمغرب، الذي برهن بالأرقام الموثقة والتدخلات الميدانية الصارمة عن التزام لا غبار عليه في ملاحقة الفارين من العدالة، يرفض أن يقحم في مزايدات إعلامية رخيصة.
والتعاون الأمني الناجح يتطلب احترام القوانين الوطنية للدول، وتسريع الإجراءات القضائية المتعلقة بإرسال ملفات التسليم والشكايات الرسمية، والابتعاد عن منطق الاستعلاء وتسريب الوثائق الداخلية للتغطية على قصور إداري داخلي.
ومن جهته سيبقى المغرب شريكا موثوقا في معادلة الأمن الدولي، لكنه شريك يتطلب التعامل معه عبر القنوات الرسمية والمؤسساتية، بعيدا عن ضجيج الصحافة واستنتاجاتها المتسرعة.
المغرب والتسريبات الفرنسية.. يقظة أمنية لا تنتظر صكوك الغفران الإعلامية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة المغرب والتسريبات الفرنسية يقظة أمنية لا تنتظر صكوك الغفران الإعلامية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب والتسريبات الفرنسية يقظة أمنية لا تنتظر صكوك الغفران الإعلامية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب والتسريبات الفرنسية.. يقظة أمنية لا تنتظر صكوك الغفران الإعلامية.
في الموقع ايضا :
- السعودية.. إطلاق الإنذار المبكر في مكة وجدة والطائف
- "شعب سوريا له في القلب وجدُ".. الشرع يُلقي كلمات من أشعار محمد بن راشد عن سوريا
- حسام المندوه: زيارة الأمير محمد بن سلمان لمصر تعزز التعاون المشترك وتفتح آفاقاً جديدة للشراكة التعليمية