تحوّل مضيق باب المندب إلى إحدى أبرز ساحات التوتر الإقليمي والدولي، بالتزامن مع توسع نفوذ مليشيا الحوثي في مناطق الساحل الغربي، ما أثار مخاوف متزايدة من توظيف إيران للممر البحري الاستراتيجي ورقةً للضغط وتهديد حركة التجارة والطاقة العالمية.
ويحتل باب المندب موقعاً بالغ الأهمية في منظومة الملاحة الدولية؛ إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل بوابة رئيسية للسفن المتجهة نحو قناة السويس. ولذلك، فإن أي اضطراب فيه تتجاوز تداعياته حدود اليمن والمنطقة لتطال الأسواق وسلاسل الإمداد حول العالم.
ومع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، بات العالم أمام ما يصفه مراقبون بـ«معضلة المضيقين»، وسط مخاوف من استخدام طهران الحوثيين للضغط على الملاحة في باب المندب، خصوصاً بعدما تعثرت مساعيها لفرض نفوذ كامل على مضيق هرمز.
وتتمثل أبرز التداعيات المحتملة لاضطراب الملاحة في ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطرار السفن إلى اتخاذ مسارات أطول، فضلاً عن زيادة الضغوط على التجارة الدولية وأسواق الطاقة، في ظل الترابط الوثيق بين أمن البحر الأحمر وأمن الخليج.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة الموقف العربي، ولا سيما السعودي والمصري، وحدود التحرك الممكن لحماية الممرات البحرية، إلى جانب مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، والدور المتنامي للصين وروسيا في معادلات المنطقة.
جاء ذلك خلال حلقة من برنامج «حديث المساء»، بثتها قناة «يمن شباب» مساء الثلاثاء، وقدمتها الزميلة أماني علوان، بمشاركة عدد من الباحثين الذين ناقشوا أبعاد التصعيد في باب المندب وانعكاساته على اليمن والسعودية ومصر والتوازنات الدولية في البحر الأحمر.
فرصة لإعادة النظر في الأزمة اليمنية
قال رئيس مركز المخا للدراسات الدكتور عاتق جار الله إن سيطرة إيران ومليشيا الحوثي على أجزاء واسعة من الساحل الغربي تمثل «شراً محضاً»، لكنه رأى أن انتقال تداعيات الصراع من اليابسة إلى الساحل وباب المندب قد يدفع المجتمع الدولي إلى إدراك حجم الأزمة اليمنية وخطورتها.
وأوضح أن استمرار الحرب داخل الأراضي اليمنية يعني مزيداً من الاستنزاف البشري والمادي، في وقت لم يُظهر فيه العالم اهتماماً كافياً بمعاناة اليمنيين، مشيراً إلى أن وصول التهديدات إلى الممرات البحرية الدولية جعل الملف أكثر حضوراً في الحسابات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن مناقشة مجلس الأمن تطورات اليمن، إلى جانب التحركات والتحالفات البحرية واللقاءات السعودية المصرية، قد تقود العالم إلى الاقتناع بأن غياب الاستقرار في اليمن سيمنع استقرار المنطقة اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً.
وأكد جار الله أن تحقيق الاستقرار لا يمكن أن يقوم على «سلام هش»، وإنما على استعادة الدولة اليمنية القادرة على حماية أراضيها والممرات البحرية الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي.
وانتقد التدخلات الدولية التي أسهمت، وفق قوله، في إيقاف تقدم القوات الحكومية على مشارف الحديدة وصنعاء، معتبراً أن العالم بات اليوم أمام حقيقة واضحة مفادها أن غياب الدولة يفتح الباب أمام الفوضى والتهديدات العابرة للحدود.
وأشار إلى أن ضعف أداء الحكومة الشرعية في تسويق القضية اليمنية دولياً وحسم المعركة ميدانياً وتحقيق التلاحم الداخلي، أتاح المجال أمام مزيد من التدخلات والتعقيدات.
وحذر من أن استمرار سيطرة الحوثيين على مساحات من الساحل الغربي يربط الأزمة اليمنية بملفات إقليمية ودولية شائكة، تشمل أمن باب المندب والبرنامج النووي الإيراني والعلاقات السعودية الإيرانية، فضلاً عن احتمالات التدخل الإسرائيلي في البحر الأحمر.
مصر تتمسك بمنطق الدولة
وعن الموقف المصري، أكد جار الله أن القاهرة تتبنى منذ عقود نهجاً قائماً على التعامل مع الدول ومؤسساتها الرسمية، وترفض الاعتراف بالجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة.
وأوضح أن موقف مصر من مليشيا الحوثي لا يمثل مجاملة سياسية، بل ينبع من تمسكها بمفهوم الدولة ورفضها التعامل مع جماعات انقلبت على النظام والقانون.
وأشار إلى وجود وعي استراتيجي مرتفع لدى النخب المصرية بأبعاد الأزمة اليمنية، مثمناً موقف القاهرة والمواقف العربية المؤيدة لاستعادة الدولة.
وأكد أن مواجهة المشروع الحوثي تظل مسؤولية اليمنيين بالدرجة الأولى، غير أن تداعياته لم تعد محصورة داخل اليمن، بعدما تحولت الجماعة إلى عامل مؤثر في أمن المنطقة والملاحة الدولية.
انتقادات للسياسة الغربية
ووجّه جار الله انتقادات إلى الموقفين الأمريكي والأوروبي، متهماً الدول الغربية بالتعامل الانتقائي مع سياسة «الأمر الواقع» وفقاً لمصالحها.
وقال إن الحوثيين حظوا خلال السنوات الماضية بما وصفه بـ«دلال أوروبي»، وصل إلى حد منع القوات الحكومية من دخول مدينة الحديدة، فيما انحصر اهتمام المنظمات الدولية في البعد الإنساني، بعيداً عن جذور الحرب وضرورة استعادة الدولة.
وتساءل عن نتائج المساعدات الإنسانية التي قُدمت خلال السنوات الماضية، وما إذا كانت قد نجحت في وقف نزيف الدم أو الحد من النزوح ومعاناة اليمنيين.
ورأى أن أوروبا قد تتخذ موقفاً أكثر صرامة إذا ظهرت صلات عسكرية مباشرة بين الحوثيين وروسيا، خصوصاً في حال حصول الجماعة على صواريخ أو أسلحة روسية متطورة.
واعتبر أن جزءاً من السياسة الغربية يهدف إلى ضمان مرور السفن وحماية المصالح التجارية، مع إبقاء المنطقة في حالة اضطراب تتيح استنزاف دول عربية، في مقدمتها اليمن والسعودية ومصر، وابتزازها عبر جماعات مسلحة مرتبطة بقوى إقليمية.
تهديد مباشر للأمن المصري
من جانبه، قال الباحث في الشأن الإيراني إسلام المنسي إن القاهرة لا تتعامل مع المليشيات باعتبارها ممثلة للدول، وإنما مع الحكومات والعواصم الرسمية.
وأوضح أن الموقف المصري يؤكد أن أمن مصر جزء أصيل من الأمن القومي العربي، وأن حماية حرية الملاحة في المضايق البحرية تمثل مصلحة استراتيجية مباشرة للقاهرة.
وأشار إلى أن باب المندب يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فيما تقع قناة السويس عند مدخله الشمالي، ما يعني أن أي تهديد للملاحة في المضيق اليمني سينعكس مباشرة على الاقتصاد والمصالح القومية المصرية.
وأكد أن التطورات الراهنة تفرض تنسيقاً عربياً أوسع، لأن مخاطرها لا تقتصر على اليمن أو الدول العربية، بل تمتد إلى حركة التجارة العالمية بأكملها.
إيران و«معضلة المضيقين»
ووضع المنسي التطورات ضمن ما وصفه بـ«معضلة المضيقين»، في إشارة إلى مضيقي هرمز وباب المندب.
وأوضح أن إيران، بعدما عجزت عن إحكام سيطرتها على مضيق هرمز، اتجهت إلى توظيف مليشيا الحوثي لتهديد باب المندب، في محاولة لإيصال رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الطرق البديلة لنقل الطاقة والبضائع ليست بعيدة عن الخطر.
وأضاف أن تراجع قدرة طهران على التحكم في هرمز دفعها إلى استخدام الحوثيين في جنوب البحر الأحمر للضغط على مسارات التجارة والطاقة.
وأكد أن مصر تعترف بالحكومة اليمنية ممثلاً شرعياً للبلاد، ولا يمكنها التعامل مع جماعة مسلحة مرتبطة بإيران باعتبارها بديلاً للدولة.
واشنطن وحماية المصالح الخاصة
بدوره، قال الباحث في العلاقات الدولية حازم عياد إن الولايات المتحدة تفضّل مراقبة التطورات من بعيد، وتجنب الانخراط المباشر في أزمة باب المندب.
وأشار إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التواصل مع الحوثيين وضمان عدم استهداف السفن والمصالح الأمريكية، معتبراً أن ذلك يعكس تركيز واشنطن على حماية مصالحها الخاصة.
وانتقد ما وصفه بتخلي الولايات المتحدة عن حلفائها في الخليج، موضحاً أن واشنطن رفضت التدخل رغم المطالب السعودية المتكررة.
وأضاف أن فرنسا واليونان قادتا التحرك داخل مجلس الأمن، استجابةً لضغوط سعودية، لكنه رأى أن الاجتماع قد ينتهي ببيان إدانة من دون مشروع قرار جاد أو إجراءات عملية.
أوروبا تتكيف مع الأمر الواقع
وأوضح عياد أن الدول الأوروبية تسعى إلى الحفاظ على حيادها لضمان استمرار البحر الأحمر ممراً آمناً لتجارتها، لافتاً إلى أن عملية «أسبيدس» الأوروبية لن تتحول، وفق المعطيات الحالية، إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين.
ورأى أن اتصالات بعض الدول الأوروبية والآسيوية والعربية بإيران لا تعكس بالضرورة وجود اتفاقات سرية، وإنما تمثل محاولة للتكيف مع الأمر الواقع وحماية المصالح وتأمين مرور السفن.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في خوض مواجهة جديدة تستنزف مواردها العسكرية والاقتصادية، خصوصاً بعد المواجهات المرتبطة بمضيق هرمز.
وأضاف أن ارتفاع كلفة العمليات العسكرية والضغوط الداخلية الناجمة عن زيادة أسعار الوقود تدفع واشنطن إلى تجنب أزمة جديدة قد تجمع بين الاستنزاف العسكري والتراجع الاقتصادي.
الصين وروسيا على خط الأزمة
وتناول النقاش تنامي الحضور الصيني والروسي في المنطقة، حيث رأى عياد أن أزمة باب المندب ومضيق هرمز قد تفتح المجال أمام بكين للعب دور سياسي ودبلوماسي أوسع.
وأوضح أن الصين تتمتع بعلاقات قوية مع السعودية ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران وقنوات تواصل مع الحوثيين، ما يمنحها قدرة على مخاطبة مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن المواقف الصينية المنتقدة للحوثيين تحظى بأهمية لدى الرياض، مرجحاً أن تؤدي الأزمة إلى تعزيز وزن بكين على حساب واشنطن.
وأضاف أن روسيا تمتلك بدورها أدوات للتأثير، وأن تزايد الزيارات العربية إلى موسكو وبكين يعكس تحولاً تدريجياً في خيارات بعض العواصم العربية.
ورأى أن الصين قد تكون قادرة على تقديم مبادرة مقبولة من أطراف متعددة، نظراً إلى مكانتها الاقتصادية وتأثيرها في إيران.
تحذير من المبالغة في النفوذ الصيني
في المقابل، حذر جار الله من تضخيم المكاسب الصينية وقدرة بكين على حسم الأزمة، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط واضطراب الملاحة في هرمز وباب المندب قد يلحقان بالصين أضراراً تفوق تلك التي تتحملها الولايات المتحدة، باعتبار واشنطن منتجاً رئيسياً للطاقة وأقل اعتماداً على الاستيراد.
وأكد أن تراجع التدخل الأمريكي لا يعني ضعف الولايات المتحدة، لافتاً إلى احتمال أن تنظر واشنطن إلى بقاء الحوثيين بوصفه وسيلة لدفع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ورفض تصوير الحوثيين كقوة يصعب على الولايات المتحدة أو الدول العربية مواجهتها، مؤكداً أن الجماعة لا تحظى بقبول شعبي أو إقليمي يؤهلها للتحول إلى سلطة مستقرة.
مخاوف من تدخل إسرائيلي
وحذر جار الله من أن إقدام الحوثيين على استهداف سفن في البحر الأحمر قد يمنح إسرائيل ذريعة للتدخل العسكري بحجة حماية الملاحة ومصالحها البحرية.
وأوضح أن دخول الحوثيين على خط الصراع البحري لم يعزز الدور الصيني بقدر ما وفّر مبرراً لتدخلات خارجية أوسع، وفي مقدمتها الوجود العسكري الأمريكي تحت لافتة حماية التجارة الدولية.
واعتبر أن التدخل الإيراني المباشر عبر الحوثيين ساهم في استدعاء مزيد من القوى الخارجية إلى الساحة اليمنية والبحر الأحمر.
تنسيق سعودي مصري
وعن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر، رأى عياد أن الرياض تسعى إلى تعزيز التنسيق مع القاهرة ودفعها إلى ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على الحوثيين.
وأوضح أن مصر تتضرر بشدة من أي اضطراب في حركة الملاحة وتدفقات النفط، كما يهدد استمرار الأزمة مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وأشار إلى أن السعودية تتطلع إلى تطوير الموقف المصري بما يتناسب مع التحولات الراهنة، والاستفادة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية التي تمتلكها القاهرة لاحتواء الهجمات الحوثية ومنع توسعها.
احتمالات التحرك العسكري
وفي شأن احتمال حدوث تدخل عسكري مصري أو عربي، قال جار الله إن طبيعة أي تدخل محتمل لا تزال غير واضحة، سواء كان عبر دعم القوات الحكومية، أو إرسال قوات إلى الساحل الغربي، أو التحرك ضمن تحالف عربي أو قوة بحرية مشتركة.
وأكد أن أي خطوة ستخضع لمحددات الأمن القومي المصري والسعودي، وضرورة حماية حرية الملاحة في الممرات الدولية.
ورجح أن يأتي أي تحرك محتمل ضمن إطار جماعي ومنسق بين دول المنطقة، نظراً إلى الترابط بين أمن اليمن والسعودية ومصر والبحر الأحمر.
نحو موقف عربي موحد
من جانبه، قال عياد إن ولي العهد السعودي يقود جهوداً لتعزيز التنسيق العربي، مشيراً إلى وجود اتصالات رفيعة المستوى بين عدد من العواصم لمناقشة التهديدات المتصاعدة.
ورجح أن تسفر هذه الاتصالات عن تحرك عربي مشترك، يستند إلى ثوابت أساسية، أبرزها حماية حرية الملاحة ورفض تهديد اليمن والسعودية ودول الخليج، والدفاع عن مصالح البحر الأحمر.
وأكد أن طبيعة التهديدات الراهنة تفرض موقفاً عربياً موحداً، حتى وإن اختلفت درجة تأثر كل دولة بها.
تدويل الملف اليمني
وفي ختام النقاش، أكد المشاركون أن أزمة باب المندب لم تعد شأناً يمنياً داخلياً، بل أصبحت نقطة تقاطع بين أمن اليمن والأمن القومي العربي والملاحة الدولية، إلى جانب التنافس بين إيران وخصومها وحسابات الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا.
وشددوا على ضرورة تعامل المجتمع الدولي مع جذور الأزمة اليمنية، والعمل على دعم استعادة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التداعيات الإنسانية والأمنية.
وحذروا من أن تكريس الحوثيين باعتبارهم أمراً واقعاً سيعمق الانقسام ويزيد من تعقيد الأزمة، مؤكدين أن مستقبل باب المندب سيظل مرتبطاً بقدرة اليمنيين على استعادة دولتهم، وفاعلية التحرك العربي، واستعداد المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حاسم من أسباب الصراع وليس نتائجه فقط.
مشاهدة باب المندب في قلب الصراع هل تستخدم إيران الحوثيين لتهديد التجارة العالمية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ باب المندب في قلب الصراع هل تستخدم إيران الحوثيين لتهديد التجارة العالمية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما عدن الإخبارية ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، باب المندب في قلب الصراع.. هل تستخدم إيران الحوثيين لتهديد التجارة العالمية؟.
في الموقع ايضا :
- Sana’a Counts the Saudi Raids During the Past 24 Hours and Vows: They Will Not Pass Without Punishment
- A Military Source in Sana’a: There Is No Danger from Yemen to the Holy Sites, and Saudi Arabia Is Soliciting Sympathy with Misleading Discourse
- الوزير اليافعي يبحث مع مدير عام منظمة العمل العربية ونظرائه العرب تعزيز التعاون وتبادل الخبرات في أسواق العمل
