هل هزم السلاح الشرقي مثيله الغربي في الحرب الروسية–الأوكرانية؟ الحرب التي اختبرت نظريات القتال الحديثة ...لبنان

بتوقيت بيروت_ beiruttime - اخبار عربية
هل هزم السلاح الشرقي مثيله الغربي في الحرب الروسية–الأوكرانية؟ الحرب التي اختبرت نظريات القتال الحديثة

هل

العقيد الركن م. ظافر مراد

    في بداية الحرب الروسية–الأوكرانية، نظر الخبراء والعسكريون إلى المشهد على اعتبار أنه مواجهة بين مدرستين عسكريتين: مدرسة شرقية تعتمد على الكتلة النارية، المدفعية، الصواريخ، المدرعات والعمق العملياتي، ومدرسة غربية تراهن على التكنولوجيا، الدقة، الإستطلاع، الشبكات، المعلومات والضربات بعيدة المدى. كان الجميع ينتظر نتيجة المواجهة بين السلاح الشرقي والسلاح الغربي، لكن بعد سنوات من القتال، أصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد أيهما أفضل السلاح الشرقي أم الغربي؟ لقد ظهرت عوامل وإعتبارات فرضت نفسها على معادلة القوة: كفاءة القيادة، إرادة القتال الوطنية، إستدامة القدرات العسكرية، إدارة إقتصاد الحرب، عمق التحالفات ودورها في الدعم الحربي، وأخيراً والأهم، القدرة على التكيف وسرعة الإستجابة للمتغيرات العملياتية والتكنولوجية العسكرية، والتي تفرض تغييراً جذرياً في أولويات الصناعات الدفاعية، وفي العقائد القتالية عند الجيوش، وهنا تصبح الحرب الروسية–الأوكرانية اختباراً حقيقياً لبعض أكثر نظريات الحرب تأثيراً، طارحة في عالم الفكر العسكري نظرية جديدة: “دورة التكيف والإستجابة العملياتية” والتي لا شك أنها ستتصدر نقاشات الخبراء والعسكريين لسنوات، وربما لعقود طويلة مستقبلاً.

    بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الروسية–الأوكرانية، لم يعد ممكناً تفسير مسار الصراع من خلال تفوق سلاح على آخر. فقد كشفت الحرب أن القوة العسكرية ليست مجموع الأسلحة، بل قدرة الدولة على تحويل التكنولوجيا والموارد البشرية والصناعة والاستخبارات والقيادة إلى قدرة قتالية مستدامة. لقد تحولت هذه الحرب إلى مختبر عسكري مهم لاختبار بعض النظريات الكلاسيكية والمعاصرة، وفي هذا السياق، تبقى نظرية كارل فون كلاوزفيتز نقطة الانطلاق، فالحرب عنده ليست نشاطاً عسكرياً مستقلاً، بل استمراراً للسياسة لكن بوسائل أخرى، وهي صراع إرادات بين طرفين يسعيان إلى فرض إرادتهما على الخصم. لذلك لا يكفي قياس النجاح بعدد الدبابات المدمرة أو الكيلومترات التي تم احتلالها، بل يجب قياس قدرة كل طرف على تحقيق هدفه السياسي والمحافظة على قدرته على الاستمرار في الحرب، وفي النهاية فرض إرادته، حيث يتم قياس الربح والخسارة في لحظة توقف الحرب أو الصراع بشكلٍ نهائي.

    كشفت المعارك الكبرى هذا التعقيد بوضوح، فمعركة كييف عام 2022 أظهرت حدود القوة الروسية عندما فشلت السرعة والكتلة في تحقيق الحسم السياسي والعسكري السريع، ومنذ ذلك الحين، حصل تغيير جذري في الخطة الروسية لإخضاع أوكرانيا وإستعادة ما أسمته “الأراضي الروسية التاريخية”. أظهرت المعارك في خاركيف وخيرسون قدرة أوكرانيا على استثمار المرونة والمعلومات والمناورة، بينما في عكست المعارك في باخموت وأفدييفكا، تحولاً روسياً نحو حرب استنزاف تعتمد على القوة النارية، والمسيّرات، والقنابل الانزلاقية، والضغط المتواصل على الدفاعات الأوكرانية، وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، يستمر الضغط الروسي في دونيتسك، وتواصل القوات الروسية إستراتيجية القضم البطيء، ولكن الثابت والمتين، فيما تحافظ أوكرانيا على قدرة مؤثرة في الضربات بعيدة المدى والمسيّرات.

    لكن الاختبار الأكثر وضوحاً كان في إستخدام المدرعات الغربية في مواجهة تلك الروسية، فقد أثبتت دبابات Leopard 2 وAbrams  وChallenger قيمة تقنية وتكتيكية محدودة، وبدت وكأنها تقاتل في بيئة غير ملائمة، وعجزت عن التحول إلى أداة اختراق حاسمة في الهجوم الأوكراني عام 2023، فالدبابات الروسية من نوع T-80 و T-90، إضافة إلى اعداد كبيرة محدَّثة من دبابات T-72، كانت أسرع، وطواقمها كانت أكثر خبرة في إستخدام الإرض وسرعة الرصد والإطلاق، إضافة إلى التكامل في خلق بيئة قتال لم تتمكن فيها الدبابات والآليات الغربية من الصمود في معظم الجبهات، فحقول الألغام، والاستطلاع بالمسيّرات، والمدفعية، والحرب الإلكترونية، والقنابل الجوية الروسية جعلت المدرعات الغربية تعمل في بيئة شديدة الخطورة. وهنا تظهر نتيجة أكاديمية مهمة تعطينا الدرس الأول، وهو أن التفوق النوعي للسلاح لا يتحول تلقائياً إلى تفوق عملياتي إذا غابت الخبرة والمنظومة التي تمنحه حرية الحركة والعمل.

    ينطبق الأمر ذاته على المدفعية. فالأنظمة الغربية، وخصوصاً  HIMARS، قدَّمت دقة وقدرة ضرب مهمة، لكن الحرب أثبتت أن الدقة لا تلغي أهمية الكمية، ومعدل الإطلاق، والإمداد، والقدرة الصناعية على إنتاج الذخائر؛ وفي حرب استنزاف طويلة تصبح القاعدة الصناعية جزءاً من القوة العسكرية نفسها، فالعقيدة القتالية الروسية تعتمد على زج قدرات نارية هائلة في المعركة، وهي في سبيل ذلك إمتلكت قدرات ضخمة لتأمين إحتياطيات من قذائف المدفعية وصواريخ الراجمات، لذلك لم تستطع المنظومات الغربية التي منحها الغرب لأوكرانيا من تحقيق الحد الأدنى من التوازن الناري على خط جبهة قتال يمتد لأكثر من ألف كلم، وهذا يقدم لنا الدرس الثاني، وهو أن مناورات الحرب البرية تحتاج لتوازن في القدرات النارية، ولا يمكن الصمود أو التقدم دون غطاء ناري كثيف ومستدام يطال الجبهة والعمق المعادي.

    على مستوى قتال المشاة والقوات الخاصة، حيث يتم الإلتحام القريب والقتال وجهاً لوجه، وعلى الرغم من الخسارات المتتالية للأرض الاوكرانية في معظم المواجهات، إلا أن القتال القريب الذي شاركت فيه القوات الخاصة أو ذات الطابع الخاص، أثبت أهمية هذه القوات ودورها في الحسم، لا سيما في مناطق ماريوبول وباخموت. وقد قدمت “كتيبة آزوف-Azov” الأوكرانية نماذج متقدة وجريئة من اساليب القتال الخاص، لا سيما في معركة آزوفستال في مواجهة القوات الخاصة الروسية ” Spetsnaz”  و”قوات أحمد-Akhmat” الشيشانية، بينما لمع نجم “قوات فاغنر-Wagner Group” كرأس حربة في معظم الهجمات الروسية في المدن الأوكرانية، قبل أن يتم حل هذه القوات وضم ما تبقى منها لوزارة الدفاع الروسية بعد تمرد قائدها. هذه المواجهات تقدم لنا الدرس الثالث، وهو أن قوات المشاة التقليدية لا يمكن أن تضمن النجاح في التقدم البري، وهي تحتاج بشكلٍ ضروري وحاسم للقوات الخاصة لتحسم القتال في العقد العملياتية وفي المناطق الصعبة، حيث يتطلب القتال قدرات جسدية ونفسية إستثنائية، وأعتدة وأساليب قتال وإلتحام خاصة.

    على مستوى القتال الجوي والطائرات الحربية، فشلت القوات الجوية الأوكرانية في التأقلم العملياتي مع المنظومات الغربية مثل F-16  وMirage 2000، فعلى الرغم من تقديم 39 طائرة أف-16 من هولندا والدانمرك للقوات الجوية الأوكرانية، وعدد غير محدد من طائرات ميراج 2000 من فرنسا، إلا أن هذه الإضافة للقدرات الجوية الأوكرانية لم تقدم أي قيمة إستراتيجية أو عملياتية، ولا يعود السبب لضعف قدرات هذه الطائرات، بل للآداء الضعيف والذي جاء دون المستوى المطلوب للطيارين الأوكرانيين، إضافة إلى أن القتال الجوي يحتاج لمنظومات متكاملة ومتناغمة تعمل بشكل متعاون ومنسق، وبنى تحتية وتقنية متقدمة، وهذا ما افتقدته أوكرانيا، وهذا يعطينا درساً إضافياً يؤكد أن التفوق الجوي أو السيطرة الجوية أو حتى التوازن الجوي، لا يمكن بناؤه بين ليلة وضحاها، فهذا يتطلب منظومات بنيوية مادية وتقنية مكلفة ومعقدة، وخبرة كبيرة عند قادة سلاح الجو من كافة المستويات؛ والجدير ذكره هنا، أنه وبوجود منظومات دفاع جوي متقدمة لدى الطرفين، مثل الباتريوت وال S-400، كانت المواجهات الجوية محدودة وغير مرغوب فيها لتحاشي خسارات قد تكون فاضحة، لا سيما عند الجانب الروسي، حيث إقتصرت تدخلاته الجوية في الحرب، على قصف جوي من مسافات بعيدة، وحذر كبير في إستخدام الطائرات الحديثة مثل S-57.

    درس آخر مهم قدمته هذه المرة المسيرات، والتي كانت ولا تزال محور الإبداع والابتكار التكتيكي في الحرب الروسية–الأوكرانية، إذ تحولت من أداة استطلاع إلى سلاح هجوم واستنزاف رخيص وعالي التأثير. برزت عند الجانب الروسي  Lancet  وOrlan-10  ونماذج حديثة ومتطورة Shahed-136، وعند الجانب الأوكراني  Bayraktar TB2  وFPV drones  وLeleka-100، مع تطور سريع في إدخال الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، والأهم أن الطرفين حوّلا المسيّرة إلى عنصر أساسي في حلقة الاستطلاع–الاستهداف–النيران (Kill Chain)، فتغيّرت طبيعة المعركة على المستويين التكتيكي والعملياتي، وفي هذا المجال، حققت أوكرانيا توازن مع القدرات الروسية، فكانت مهام المسيرات وضرباتها مؤثرة جداً على الطرفين، بينما أضافت الصواريخ الروسية الباليستية والجوالة قيمة عالية للإستهداف المهجن المتعدد الأنواع والمستويات، وكانت أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية الضحية الكبرى لهذا الإسلوب الروسي.

    لا تعني هذه النتائج أن السلاح الروسي أثبت تفوقاً مطلقاً؛ روسيا فشلت في الحسم السريع، وتكبدت خسائر كبيرة، واضطرت إلى تعديل غايتها السياسية وعقيدتها العسكرية وأساليبها في القتال، وهي نجحت تدريجياً في مواءمة قواتها مع طبيعة الحرب الجديدة، خصوصاً عبر توسيع استخدام المسيّرات، والقنابل الانزلاقية، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع المستمر، وزيادة الإنتاج العسكري؛ وهنا برهنت روسيا أن قدرتها على التكيُّف كانت أهم من مواصفات السلاح بحد ذاته، وينطبق الأمر على الجيش الأوكراني، ولكن بمستوى أقل، حيث أنه وعلى الرغم من التوازن في القصف للبنى الصناعية ومنشآت الطاقة وإستهداف العمق الإستراتيجي بين الطرفين، إلا أن التقدم الروسي البري لا زال يحصل بوتيرة ثابتة، ويشير إلى أفضلية روسية كبيرة على المستوى العملياتي، وهذه النقطة تقود إلى مفهوم OODA Loop  الذي طوره الأميركي “جون بويد”: Observe – Orient – Decide – Act، جوهر المفهوم أن التفوق لا ينتج فقط من امتلاك قوة أكبر، بل من القدرة على إكمال دورة القرار والتكيف بسرعة وفعالية أكثر من الخصم، ويعتبر أن الحرب هي صراع بين منظومتي تكيُّف؛ في الحرب الروسية-الأوكرانية نرى هذه الدورة عند الطرفين: روسيا تعلمت من إخفاقات 2022 وطورت أساليب الاستطلاع والاقتحام والنيران والمسيّرات، بينما طورت أوكرانيا حرب المسيّرات والضربات العميقة والحرب الإلكترونية لتعويض جزء من الفارق في الكتلة البشرية والنارية، وبذلك تلتقي نظريتا كلاوزفيتز وOODA  في نقطة مركزية، كلاوزفيتز يفسر لماذا تقاتل الدولة وإلى أي غاية سياسية، بينما يفسر OODA كيف تستطيع القوة العسكرية التكيف مع الواقع المتغير للمعركة، بما يضمن إنتاج ظروف ميدانية تحقق الغاية السياسية.

    من هنا يمكن قراءة الحرب الأوكرانية باعتبارها انتقالاً من حرب المناورات التقليدية إلى حرب الشبكات والاستنزاف والتكيُّف المستمر، ولذلك فإن كل تفوق مادي أو تقني يصبح مؤقتاً بمجرد أن يتعلم الخصم كيفية مواجهته.

    لم تحسم الحرب الروسية-الأوكرانية مسألة تفوق السلاح بشكلٍ كامل، بل هي أكَّدت أن الفكر العسكري، والقيادة، والإبتكار، والتركيز على الهدف السياسي، وإستدامة القدرات، هي عوامل مؤثرة وحاسمة في تحديد نتائج الحرب، وهنا يكمن الدرس العسكري الأعمق: في الحروب الحديثة، لا ينتصر بالضرورة من يملك السلاح الأفضل، بل من يستطيع أن يتعلم أسرع، ويعوّض خسائره، ويحافظ على إرادته السياسية، ويحوّل الزمن من عبء إلى مصدر قوة؛ وهذا هو المكان الذي يلتقي فيه كلاوزفيتز مع “جون بويد”، حيث السياسة تحدد الغاية، والسلاح يوفر القدرة، لكن التكيف والاستدامة هما اللذان يحددان نتيجة الحرب.

    المصدر: defensearabia.com

    مشاهدة هل هزم السلاح الشرقي مثيله الغربي في الحرب الروسية ndash الأوكرانية الحرب

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل هزم السلاح الشرقي مثيله الغربي في الحرب الروسية الأوكرانية الحرب التي اختبرت نظريات القتال الحديثة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل هزم السلاح الشرقي مثيله الغربي في الحرب الروسية–الأوكرانية؟ الحرب التي اختبرت نظريات القتال الحديثة.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار