بقلم: د. يوسف صالح منصور
(أستاذ علم الاجتماع الإعلامي بجامعة طرابلس ، وعضو لجنة الشؤون الإعلامية والاتصالية بالمنظمة العربية للحوار)
يشهد العالم اليوم تحولاً رقمياً متسارعاً تجاوز حدود الفضاء الافتراضي ليمس عمق البنية الاجتماعية اليومية. ولم تعد التكنولوجيا مجرد وسائط لنقل البيانات، بل أصبحت شريكاً خفياً يُشَكِّل الوعي ويُوجّه السلوك البشري. وفي قلب هذا التحول، يقف “الذكاء الاصطناعي” بخوارزمياته المتطورة وتطبيقاته المتنوعة كأبرز ظاهرة تقنية في العصر الحديث. ومع هذا التغلغل الواسع، يبرز تساؤل محوري حول ماهية هذا الكيان: هل يظل الذكاء الاصطناعي مجرد “أداة” تُستخدم لصناعة المحتوى وتسهيل المهام، أم إنه بات يمارس أدواراً تجعله في مقام “الفاعل الاجتماعي” المؤثر في علاقاتنا، ومعارفنا، وقيمنا؟
بدايةً، انطلق الذكاء الاصطناعي في الوعي الجمعي باعتباره وسيلة تقنية متقدمة غايتها اختصار الوقت والجهد، وتوليد النصوص، وتحليل البيانات، وتوفير المحتوى الرقمي بمختلف أشكاله. وفي هذا النطاق، يمثل الذكاء الاصطناعي الامتداد الطبيعي للآلات التي صنعها الإنسان لخدمته. غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن نطاق تأثيره تجاوز الوظيفة التجميعية أو الإنتاجية البسيطة، ليدخل في تفاصيل السلوك الإنساني. فقد أصبح هذا الكيان التكنولوجي حاضراً في تفاصيل الأسرة، وفي نمط التفاعل بين الأقارب، بل وحتى في إعادة تشكيل الأذواق والخيارات الفردية. لقد تحول من مجرد وسيلة صامتة إلى “مرشد” وموجه يقتحم العقول ويُملي عليها رؤاها وأفعالها.
ويتجلى هذا التأثير العميق في المجالات الأكاديمية والبحثية؛ حيث تراجعت مكانة المراجع والكتب التي باتت حبيسة الأرفف والمكتبات، لصالح المعلومة الجاهزة والسريعة التي تقدمها خوارزميات التوليد الرقمي. ورغم ما يوفره ذلك من سهولة، إلا أنه كَرَّس حالة من الاتكالية الفكرية وضمر معها الحس النقدي والبحث الاستكشافي الاصيل. ولم يتوقف الأمر عند المعرفة العلمية، بل امتد إلى الفتاوى والمعارف الدينية، حيث أضحى البعض يلجأ لهذه البرامج للاستفادة من تفاسير وتحليلات قد تخطئ وتصيب، وتفتقر إلى المقاصد الشرعية والياقات الثقافية والاجتماعية، مما يعرض البناء الفكري للمجتمع لانسياق وراء إجابات ميكانيكية مقطوعة عن سياقها الإنساني.
وهنا تبرز المشكلة السوسيولوجية الاساسية. هل يمتلك الذكاء الاصطناعي صفة “الفاعل الاجتماعي” ؟
إن الفاعل الاجتماعي في المعنى العلمي والإنساني يقتضي وجود الوعي، والقصدية، والمسؤولية الأخلاقية، والقدرة على فهم السياقات الاجتماعية والاستجابة لها بتفاعل عاطفي ووجداني. والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت درجة تعقيده وخوارزمياته، يظل مجرد أداء ومعالجة متطورة للبيانات الضخمة. إنه لا يمتلك “المعنى” ولا يعي التأثيرات الأخلاقية والمجتمعية لما ينتجه، بل يعكس الانحيازات والبيانات التي غُذي بها من قبل صانعيه “الانسان”.
بناءً على ذلك، فإن القول بأن الذكاء الاصطناعي “فاعل اجتماعي” هو وصف مجازي يعكس حجم التأثير لا طبيعة الكيان. فالذكاء الاصطناعي لا يتفاعل بل يـُشَغَّل، ولا يفكر بل يـَتَوَقَّع. وإن خطورة إضفاء صفة “الفاعلية الاجتماعية” عليه تكمن في إعفاء الإنسان من مسؤوليته المباشرة عن كيفية تصميم هذه التقنيات وتوجيهها واستخدامها. إن الخلل لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في تراجع الدور الفاعل للإنسان الذي تنازل طواعية عن سلطته الفكرية والنقدية لصالح إجابات جاهزة تُنتجها خوارزمية.
ختاماً، إن الذكاء الاصطناعي سيظل في جوهره وحقيقته أداة فائقة القدرة لصناعة المحتوى وتنظيم البيانات، ولا يمكن أن يرتقي ليكون فاعلاً اجتماعياً أصيلاً يحل محل العقل والإرادة البشرية. إن حماية الفكر الإنساني والروابط الاجتماعية تقتضي إعادة التوازن لهذه العلاقة: استثمار التقنية كأداة مساعدة لتسهيل الحياة والتطوير، مع الحفاظ على مركزية الإنسان كفاعل حقيقي ومسؤول عن إنتاج المعرفة، وتشكيل القيم، وبناء الفضاء الاجتماعي.
ظهرت المقالة الذكاء الاصطناعي.. من أداة لصناعة المحتوى إلى فاعل اجتماعي أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة الذكاء الاصطناعي من أداة لصناعة المحتوى إلى فاعل اجتماعي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الذكاء الاصطناعي من أداة لصناعة المحتوى إلى فاعل اجتماعي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الذكاء الاصطناعي.. من أداة لصناعة المحتوى إلى فاعل اجتماعي.
في الموقع ايضا :
- السعودية تعترض مسيّرة أطلقها الحوثيون قرب مكة، والولايات المتحدة توصي مواطنيها بـ"إعادة النظر في السفر" إلى المملكة
- 5 وفيات وعشرات المفقودين إثر انهيار عمارة غرب غزة (شاهد)
- نجح العلماء في اختبار الخلايا الشمسية تحت الماء على عمق 32 قدمًا تحت بحر الصين الجنوبي