“ميثاق المنتخب” للعدالة والتنمية.. تعاقد حزبي يعزز المساءلة أم يقيد حرية النائب البرلماني؟ ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

يضع “ميثاق المنتخب” لحزب للعدالة والتنمية جملة من الالتزامات الحزبية والأخلاقية أمام مرشحي ومرشحات الحزب للانتخابات التشريعية لسنة 2026، في خطوة يقدمها الحزب باعتبارها ترجمة لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخا لقيم الأمانة والنزاهة والشفافية في العلاقة بينه وبين ومنتخبيه بمجلس النواب.

ولا يقف الميثاق، الذي تم الإعلان عنه خلال المهرجان الوطني للحزب لإطلاق الحملة الانتخابية نهاية الأسبوع المنصرم، عند حدود الالتزامات المرتبطة بالأداء البرلماني، من حضور الجلسات واجتماعات اللجان والمشاركة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والتواصل مع المواطنين، بل يمتد إلى المجال التنظيمي والحزبي، من خلال الالتزام بقرارات أجهزة الحزب، والتنسيق مع هيئاته، وأداء مساهمة مالية شهرية، فضلا عن إعداد تقرير سنوي حول حصيلة العمل النيابي.

    كما يفرض الميثاق على البرلمانيين التواصل والتنسيق والتشاور والتعاون مع هيئات الحزب الجهوية والإقليمية والمحلية في الدائرة الانتخابية، ويتعهد البرلمانيون بموجبه بالمواظبة على حضور الاجتماعات الحزبية والاستجابة لتأطير اللقاءات الحزبية والتواصلية.

    فهل يمكن لتعاقد حزبي مماثل، أعلن عنه قُبيل الاستحقاقات التشريعية، أن يرفع منسوب المسؤولية والمساءلة لدى المنتخب، دون أن يتحول في المقابل إلى آلية تحد من استقلالية النائب البرلماني في ممارسة وظيفته الدستورية؟

    بين الانضباط الحزبي واستقلالية النائب

    بالنسبة للدكتورة والباحثة في العلوم السياسية، شريفة لومير، فإن قراءة “ميثاق المنتخب للعدالة والتنمية” تقتضي استحضار طبيعة الحزب نفسه “المعروف بتنظيمه القوي وانضباط أعضائه الذي كان طاغيا على مواقفه في العديد من المناسبات سواء خلال فترة توليه رئاسة الحكومة أو حتى خلاله أدائه داخل المعارضة”.

    وترى لومير، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الإعلان عن “هذا الميثاق في هذه المحطة الانتخابية، ومن باب التعاقد المسؤول، يمكن قراءته باعتباره تشديدا على استقلالية مواقف النواب مستقبلا، لأنه يقيس هذه الاستقلالية بطريقة أو بأخرى”.

    واعتبرت لومير أن المقتضيات التنظيمية التي يتضمنها الميثاق تحضر أيضا في القوانين الداخلية لمجموعة من الأحزاب المغربية من باب التزام المنتخبين تجاه الحزب، غير أن الإشكال، في نظرها، يكمن في عدم احترامها بالصورة الكافية، لكونها لا تحمل صفة إلزامية. وقالت إن “التجربة داخل الأحزاب السياسية أبانت عن عدم التزام أغلب منتخبي الأحزاب السياسية تجاه أحزابهم في مجموعة من النقاط التي تتم المصادقة عليها كالتزام تجاه الحزب”.

    أما في الشق المتعلق بالتزام المنتخبين تجاه المؤسسات، فسجلت الباحثة في العلوم السياسية أن الميثاق “يمثل محاولة من الحزب للحفاظ على النهج الذي كان معمولا به”، غير أن انفتاح الحزب على مجموعة من المنتخبين الجدد فرض، كما تقول، إخراج هذا الميثاق وإعطاءه الطابع الإلزامي تجاه الحزب من أجل إنجاحه.

    ومع ذلك، تشدد لومير على أن “المفروض في ممثلي الأمة عموما هو الالتزام بمقتضيات هذه البنود التزاما أخلاقيا، بغض النظر عن إخراج مواثيق تفرض هذه الالتزامات”، منبهة في المقابل إلى أن “حقيقة الممارسة داخل المؤسسة التشريعية أثبتت أن التزام النواب يبقى ضعيفا في التفاعل، وحتى في الحضور الذي يهيمن عليه الغياب، رغم محاولات فرض إلزامية الحضور”، مضيفة أنه في غياب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة تظل هذه السلوكيات “طاغية”.

    من التزكية إلى التعاقد

    ومن زاوية أخرى، تتعلق بالحدود الفاصلة بين تعزيز مسؤولية النائب الحزبية وضمان حريته واستقلاليته كممثل للأمة، يرى رئيس المرصد المغربي للمشاركة السياسية، جواد الشفدي أن وجود ميثاق مكتوب للمنتخب يمكن اعتباره من حيث المبدأ “خطوة إيجابية في اتجاه الانتقال من منطق التزكية الانتخابية إلى منطق التعاقد والمساءلة”.

    ويوضح الشفدي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “التزام المرشح مسبقا بالحضور والمشاركة في التشريع ومراقبة الحكومة والتواصل مع المواطنين، والتصريح بالممتلكات وتقديم حصيلة سنوية، ينقل الالتزامات السياسية العامة إلى التزامات يمكن تتبع جزء مهم منها وقياسه”.

    ويستحضر الشفدي في هذا السياق تجربة المرصد المغربي للمشاركة السياسية في رصد العمل البرلماني في رصد العمل البرلماني من خلال مؤشرات تشمل نسبة الحضور في الجلسات واللجان، عدد الأسئلة الكتابية والشفوية، المقترحات التشريعية، المهام الرقابية، اللقاءات مع المواطنين، ونشر تقرير الحصيلة السنوية، مسجلا أن “القيمة الحقيقية للميثاق لا تكمن في وجوده، وإنما في إمكانية قياس مدى احترام المنتخب له”.

    لكن الإشكال، في نظر الشفدي، يبدأ عندما ينتقل الميثاق من مساءلة المنتخب عن أدائه إلى تقييد استقلاليته في ممارسة وظيفته التمثيلية، منبها إلى أن “البرلماني ليس مجرد منفذ لتعليمات الحزب، بل عضو في مؤسسة دستورية ويمثل الأمة، ولذلك ينبغي التمييز بين الانضباط السياسي المشروع المرتبط بالبرنامج والاختيارات الكبرى للحزب، وبين فرض موقف حزبي في كل القضايا والتفاصيل”.

    ويقول إنه “يمكن قياس هذه المسألة من خلال رصد نسبة التصويت المنسجم مع مواقف الحزب، وحالات الاختلاف المعلل، وطبيعة القرارات التي يفرض فيها الانضباط”، مؤكدا أن “الميثاق الجيد هو الذي يرفع مستوى مسؤولية النائب دون أن يحوله إلى مجرد امتداد للجهاز الحزبي داخل البرلمان”.

    مسؤولية بثلاثة أبعاد

    ويجمع ميثاق المنتخب لحزب العدالة والتنمية في المبادئ والواجبات التي يتضمنها بين الالتزام تجاه المؤسسة البرلمانية والانضباط في المقابل لقرارات الحزب وهيئاته، وهو ما يطرح السؤال حول تحقيق التوازن بين مسؤولية النائب تجاه ناخبيه واستقلاليته من جهة، والتزامه الحزبي من جهة أخرى.

    الجواب عن هذا السؤال، بالنسبة إلى الشفدي، يحيل على “واحدة من الإشكاليات المركزية في الديمقراطية التمثيلية” كما يقول، موضحا أن “النائب يصل إلى البرلمان باسم حزب وبرنامج سياسي، لكنه بمجرد انتخابه يتحمل أيضا مسؤولية وطنية وتمثيلية تتجاوز التنظيم الذي منحه التزكية”، ومن ثم فالتوازن يقتضي، وفق تحليله، أن يكون الالتزام الحزبي واضحا في القضايا المرتبطة بالبرنامج الانتخابي والتوجهات السياسية الكبرى، مقابل ترك مساحة للاجتهاد والمبادرة والترافع عن قضايا الدائرة والناخبين.

    والأهم، بحسب الشفدي، أن يكون “الاختلاف داخل الحزب نفسه مؤسساتيا ومعللا، لا أن يتحول الانضباط إلى طاعة مطلقة، أو تتحول الاستقلالية إلى انفلات من الالتزامات التي انتُخب البرلماني على أساسها”.

    ومن زاوية الرصد، يضيف الشفدي أنه “يمكن قياس هذا التوازن عبر نسبة المبادرات الفردية للبرلماني، عدد القضايا المحلية التي نقلها إلى البرلمان، مستوى تواصله مع دائرته، انتظام تقديم حصيلة عمله، نسبة مشاركته في المبادرات التشريعية والرقابية، إلى جانب تحليل سلوكه في التصويت”.

    وبذلك لا ينبغي، في نظره، قياس جودة البرلماني فقط بعدد المرات التي وافق فيها حزبه، بل بقدرته على الجمع بين ثلاثة مستويات، مشيرا إلى الوفاء للبرنامج الذي انتُخب باسمه، تمثيل مصالح المواطنين، وممارسة وظيفته الدستورية باستقلال ومسؤولية.

    ثقافة جديدة للمساءلة؟

    ولا يتوقف السؤال حول جدوى الالتزام بالميثاق عند حدود التجربة الانتخابية، بل يمتد إلى ما بعدها، أي ما بعد الولاية البرلمانية، وإمكانية أن تتجاوز مثل هذه المواثيق البعد التنظيمي لتصبح ثقافة راسخة للمساءلة داخل الأحزاب السياسية وإعادة تزكية البرلمانيين انطلاقا من حصيلة أدائهم.

    وهنا يرى الشفدي أن “القيمة الأكبر لمثل هذه المواثيق لا تظهر عند توقيعها قبل الانتخابات، وإنما عند نهاية الولاية. فإذا لم تكن هناك آلية لتقييم مدى احترام الالتزامات وربط النتائج بقرار إعادة التزكية، فقد يتحول الميثاق إلى وثيقة تنظيمية أو تواصلية جيدة دون أثر حقيقي”.

    من جهة أخرى، اعتبر المتحدث أنه “إذا أصبحت الأحزاب تعتمد بطاقة أداء للبرلماني تشمل الحضور، والمبادرات التشريعية، والأسئلة والمهام الرقابية، والتواصل مع المواطنين، والحصيلة السنوية، واحترام قواعد النزاهة، فإننا ننتقل تدريجيا من منطق: من يستحق التزكية انتخابيا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا فعل المنتخب بالتزكية السابقة؟”.

    وفي ما يتعلق بغياب مواثيق للمنتخب مماثلة لدى باقي الأحزاب السياسية، يقول الشفدي إن هذا الأمر “يطرح في حد ذاته سؤالا حول مستوى مأسسة العلاقة بين الحزب ومنتخبيه”، موضحا أن “الأحزاب المغربية مطالبة اليوم بالانتقال من تقييم المرشح أساسا وفق قدرته على الفوز بالمقعد إلى تقييم المنتخب وفق أدائه خلال الولاية”.

    وأضاف رئيس المرصد المغربي للمشاركة السياسية أنه “يمكن قياس مدى جدية الأحزاب في ذلك بسؤال بسيط: كم حزبا ينشر معايير اختيار مرشحيه؟ وكم حزبا ينشر حصيلة برلمانييه؟ وكم حزبا يربط إعادة التزكية بمؤشرات أداء معلنة وقابلة للقياس؟”، مسجلا أنه “إذا أصبحت هذه الممارسة معممة، فسنكون أمام تحول مهم، أي من التزكية باعتبارها قرارا داخليا للحزب إلى التزكية باعتبارها نتيجة لتقييم سياسي وانتخابي قابل للمساءلة”.

    ميثاق المنتخب.. آلية تخليق العمل البرلماني

    النقاش حول مواثيق أخلاقية للمرشحين لا يأتي في سياق يخلو من آليات مؤسساتية تروم تأطير سلوك البرلمانيين وتخليق الممارسة النيابية، إذ اعتمد مجلس النواب مدونة السلوك والأخلاقيات البرلمانية، تروم تأطير ممارسة النائب لمهامه وفق مبادئ النزاهة والشفافية والمسؤولية واحترام قواعد العمل البرلماني.

    غير أن استمرار النقاش حول الحضور والمشاركة الفعلية للنواب، وفعالية أدائهم داخل المؤسسة التشريعية، يطرح سؤال مدى كفاية هذه الآليات القائمة، وما إذا كانت مواثيق حزبية أكثر إلزاما قادرة على سد بعض جوانب القصور في الممارسة، أم أنها قد تفتح في المقابل نقاشاً آخر يتعلق بحدود الانضباط الحزبي واستقلالية النائب.

    وفي هذا الإطار ترى لومير أن “واقع ممارسة الفاعل السياسي داخل المؤسسات التشريعية، وحتى مع وجود مدونة الأخلاقيات والسلوك التي لم تشكل فارقا هاما في التزامات النواب تجاه المجلس، رغم تلاقيها في مجموعة من النقاط مع ميثاق المنتخب للعدالة والتنمية، يبرز ضرورة فرض التزامات النواب تجاه الحزب وتجاه مهامهم داخل المجلس”.

    وأوضحت أنه “لا يمكن رفع شعارات الفعالية وتجويد العمل السياسي بعيدا عن تبني هذه المقاربة التي من شأنها أن تفرض هذا الوازع الأخلاقي والمسؤول الذي يفترض أن يتحلى به المنتخبون، رغم أن المفروض في الأصل، التحلي به دون الحاجة إلى هذه الآليات”، مضيفة أن “منطلقات هذا الميثاق من شأنها أن تؤثر بالشكل الذي ينعكس إيجابا على عمل النواب من داخل المؤسسة التشريعية”.

    تعاقد سابق على التزكية؟

    ويبقى أحد أكثر جوانب الميثاق إثارة للنقاش هو علاقته بالتزكية الحزبية نفسها: هل نحن أمام صيغة يمكن أن تكرس فكرة الحصول على التزكية مقابل الالتزام بالميثاق؟

    بالنسبة إلى لومير، فإن فكرة الميثاق تضع المنتخب في خانة الالتزام الضروري، ومعه المساءلة عن تأدية مهامه، وهو “ما يمنح الميثاق تأثيره”.

    لكنها لا ترى أن “الإعلان عن الميثاق في هذه المرحلة يزكي بالضرورة طرح التزكية مقابل الالتزام بالميثاق، لأن المفروض عدم تغييب الثقة بين الحزب ومنتخبه، باعتبار أنها سابقة لهذا الميثاق الذي يحدد مجموعة من المبادئ والواجبات”.

    وتابعت أن “هناك أيضا التزامات أعضاء أو منخرطين تجاه حزب معين و بالتالي لا يجب الخلط بين أهداف هذا الميثاق في سياقه الذي جاء من أجله وبين الالتزام الأخلاقي الذي يجمع الحزب بأعضائه

    وهكذا، يضع “ميثاق المنتخب” النقاش البرلماني والحزبي أمام تحدّ حقيقي يتمثل في نقل الالتزام من مجرد تعهد أخلاقي وسياسي أيضا إلى مسؤولية قابلة للتتبع والمساءلة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية النائب في ممارسة وظيفته الدستورية.

    “ميثاق المنتخب” للعدالة والتنمية.. تعاقد حزبي يعزز المساءلة أم يقيد حرية النائب البرلماني؟ صوت المغرب.

    مشاهدة ldquo ميثاق المنتخب rdquo للعدالة والتنمية تعاقد حزبي يعزز المساءلة أم

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ميثاق المنتخب للعدالة والتنمية تعاقد حزبي يعزز المساءلة أم يقيد حرية النائب البرلماني قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “ميثاق المنتخب” للعدالة والتنمية.. تعاقد حزبي يعزز المساءلة أم يقيد حرية النائب البرلماني؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار