بقلم: محمد غزال (باحث، في الشؤون السياسية والاقتصادية )
»» شراكة بين قوة المؤسسات وفاعلية المشاركة
في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية، لم تعد الديمقراطية مجرد مصطلح يرتبط بالانتخابات أو بتداول الأصوات داخل صناديق الاقتراع، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، وإدارة الاختلاف، واستيعاب التنوع، وتحويل مشاركة المواطنين من مجرد ممارسة انتخابية إلى طاقة فاعلة في صناعة المستقبل.
وتأتي مناسبة اليوم الدولي للديمقراطية لتفتح من جديد ملف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الاستقرار والمشاركة، وبين قوة المؤسسات واتساع المجال العام. وهي علاقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها علاقة تناقض، وإنما باعتبارها معادلة متكاملة؛ فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية تحتاج إلى مجتمع مشارك وواعٍ، والمجتمع الذي يطمح إلى ممارسة سياسية فاعلة يحتاج إلى دولة مستقرة وقادرة على تطبيق القانون وحماية المصلحة العامة.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم لم يعد: هل نريد دولة قوية أم مجتمعًا ديمقراطيًا؟ وإنما: كيف يمكن بناء دولة قوية بمؤسساتها، وديمقراطية في ممارساتها، وقادرة في الوقت نفسه على إدارة الاختلاف وحماية الاستقرار؟.
تأتي مناسبة اليوم الدولي للديمقراطية لتعيد طرح واحد من أهم الأسئلة المرتبطة بمسيرة الدولة الحديثة، وهو: كيف يمكن بناء نظام سياسي قادر على تحقيق التوازن بين قوة الدولة واستقرار مؤسساتها، وبين اتساع مساحة المشاركة السياسية والمجتمعية؟.
فالديمقراطية، في مفهومها الحديث، لا تختزل في إجراء الانتخابات أو التوجه إلى صناديق الاقتراع في مواعيد محددة، وإنما تمثل منظومة متكاملة للحكم الرشيد، تقوم على سيادة القانون، وفاعلية المؤسسات، واحترام الحقوق والحريات، وإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في الشأن العام، إلى جانب وجود حياة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار والبرامج والبدائل.
ومن هذا المنطلق، فإن قوة الدولة لا تتعارض مع الديمقراطية، كما أن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عاملًا يهدد استقرار الدولة. بل إن التجارب السياسية الحديثة تؤكد أن استقرار المؤسسات وفاعلية المشاركة يمكن أن يشكلا ركيزتين متكاملتين لبناء دولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وإدارة الاختلافات بصورة سلمية ومنظمة.
_ الديمقراطية تتجاوز الانتخابات:
من الأخطاء الشائعة اختزال الديمقراطية في الانتخابات وحدها، باعتبارها الوسيلة الأساسية لاختيار ممثلي المواطنين. ورغم أن الانتخابات تمثل عنصرًا محوريًا في أي نظام ديمقراطي، فإن الديمقراطية أوسع من ذلك بكثير.
فهي ترتبط كذلك بوجود مؤسسات فعالة، وقواعد قانونية واضحة، وآليات للمساءلة، وحق المواطنين في التعبير والمشاركة، وقدرة المجتمع على مناقشة السياسات العامة وتقييمها، فضلًا عن وجود بيئة سياسية تسمح بتعدد الرؤى والبرامج في إطار الدستور والقانون.
وبالتالي، فإن نجاح العملية الديمقراطية لا يقاس فقط بنسبة المشاركة في الانتخابات، وإنما كذلك بمدى قدرة المؤسسات السياسية والمجتمعية على تحويل المشاركة إلى تأثير حقيقي في صناعة السياسات العامة.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من مفهوم المشاركة الشكلية إلى المشاركة الفاعلة، بحيث يشعر المواطن بأن صوته ورأيه ومشاركته جزء من عملية عامة لها نتائج وتأثيرات ملموسة.
_ سيادة القانون أساس الاستقرار السياسي:
لا يمكن الحديث عن ديمقراطية مستقرة من دون سيادة القانون. فالقانون يمثل الإطار الذي ينظم العلاقة بين الدولة والمواطن، ويحدد الحقوق والواجبات، ويضع القواعد التي تحكم ممارسة السلطة والمشاركة السياسية.
وكلما ازدادت الثقة في تطبيق القانون بصورة عادلة ومنظمة، ازدادت قدرة المجتمع على إدارة الاختلاف بعيدًا عن الصدام أو الفوضى.
ومن هنا، فإن ترسيخ سيادة القانون لا يمثل فقط مطلبًا سياسيًا أو حقوقيًا، بل يعد أحد مقومات الاستقرار ذاته؛ لأن المجتمعات التي تمتلك قواعد واضحة لإدارة الاختلاف تكون أكثر قدرة على احتواء التباينات وتحويلها من مصدر للتوتر إلى مساحة للنقاش والتفاعل.
_ المؤسسات القوية والمشاركة الفاعلة:
الدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات قوية وقادرة على أداء وظائفها بكفاءة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى مجتمع يمتلك قنوات منظمة للتعبير والمشاركة.
ولا ينبغي النظر إلى الأمر باعتباره معادلة صفرية يكون فيها تعزيز المؤسسات على حساب المشاركة، أو توسيع المشاركة على حساب استقرار الدولة.
فالمؤسسات القوية تحتاج إلى مجتمع يشارك في تطوير السياسات العامة، والمجتمع يحتاج إلى مؤسسات مستقرة وقادرة على تنفيذ القانون وحماية المصلحة العامة.
وتكمن أهمية هذه المعادلة في أنها تساعد على بناء علاقة أكثر نضجًا بين الدولة والمواطن، تقوم على الثقة والمسؤولية المتبادلة، بدلًا من الاقتصار على علاقة قائمة على المطالب من جانب واحد أو القرارات من جانب آخر.
_ الحياة الحزبية وصناعة البدائل:
تمثل الحياة السياسية أحد المكونات المهمة للممارسة الديمقراطية، خصوصًا عندما تكون قادرة على تقديم برامج واقعية وقابلة للتطبيق، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات أو المواقف العامة.
فالحياة السياسية الفاعلة لا تقاس بكثرة الكيانات أو عدد الخطابات السياسية، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج الأفكار، وإعداد الكوادر، ومناقشة القضايا الوطنية، وتقديم رؤى وبدائل مختلفة يمكن للمواطن تقييمها والمفاضلة بينها وفقًا لما يراه مناسبًا.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير العمل السياسي على أساس البرامج، بحيث تتحول المنافسة السياسية من مجرد اختلاف في المواقف إلى منافسة حول السياسات والحلول والأولويات.
كما أن تطوير الحياة السياسية يتطلب الاستثمار في الكوادر الجديدة، وإتاحة الفرصة أمام الشباب والمرأة للمشاركة الفعلية في العمل العام، ليس فقط باعتبارهم فئات مستهدفة بالتمثيل، وإنما باعتبارهم عناصر أساسية في تجديد الحياة السياسية وإنتاج رؤى جديدة تتناسب مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
_ إدارة الاختلاف .. من الصراع إلى الحوار:
الاختلاف السياسي جزء طبيعي من أي مجتمع، ولا يمكن تصور حياة عامة خالية من تعدد الآراء أو تباين المواقف.
لكن الفارق بين الاختلاف الذي يثري الحياة السياسية والاختلاف الذي يتحول إلى مصدر للتوتر يكمن في طريقة إدارته.
فالاختلاف المسؤول هو الذي يتحرك داخل إطار الدستور والقانون، ويحترم حق الآخرين في التعبير، ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الضيقة، ويبحث عن نقاط الالتقاء دون إلغاء التباين.
وفي هذا السياق، يصبح الحوار السياسي أداة مهمة لإدارة الاختلاف، لأنه يتيح الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق النقاش، ومن محاولة فرض الرأي إلى البحث عن حلول أكثر قابلية للتطبيق.
وكلما ترسخت ثقافة الحوار داخل المجتمع، أصبح الاختلاف عنصرًا من عناصر الحيوية السياسية، بدلًا من أن يتحول إلى مصدر للانقسام.
_الديمقراطية مسار وطني تراكمي:
في الحالة المصرية، فإن تطوير الممارسة الديمقراطية ينبغي النظر إليه باعتباره مسارًا وطنيًا تراكميًا يرتبط بتطور الدولة ومؤسساتها والمجتمع في آن واحد.
فلا توجد صيغة واحدة ثابتة يمكن تطبيقها على جميع المجتمعات، كما أن بناء الممارسة الديمقراطية لا يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما يتطلب تراكمًا في الخبرات والممارسات، وتطويرًا مستمرًا للمؤسسات، وتعزيزًا لثقافة المشاركة والمسؤولية.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تفرض الحاجة إلى مواصلة العمل على تطوير الحياة السياسية، وتوسيع دوائر المشاركة، وتعزيز دور المؤسسات، وفتح مساحات أكبر للحوار المجتمعي المنظم، بما يضمن أن تكون المشاركة السياسية جزءًا من عملية بناء الدولة وليس منفصلة عنها.
المواطن محور العملية الديمقراطية:
في النهاية، تظل الديمقراطية مرتبطة بالمواطن باعتباره طرفًا أساسيًا في المعادلة السياسية.
فالمواطن ليس مجرد ناخب يظهر دوره في مواسم الانتخابات، وإنما هو شريك في المجتمع والدولة، وله دور في النقاش العام، وفي متابعة السياسات، وفي ممارسة حقوقه والقيام بواجباته.
وهذا المفهوم يتطلب تعزيز الوعي السياسي والمجتمعي، لأن المشاركة الفاعلة لا تقوم فقط على إتاحة المجال، وإنما تحتاج أيضًا إلى مواطن يمتلك المعرفة والقدرة على التمييز بين البرامج والمواقف، ويدرك أن ممارسة الحقوق ترتبط كذلك بالمسؤولية.
كما أن رفع مستوى الوعي بالقضايا العامة يساعد على مواجهة الاستقطاب والشائعات والمعلومات المضللة، ويجعل النقاش السياسي أكثر ارتباطًا بالحقائق والبرامج والمصالح العامة.
_نحو دولة قوية ومجتمع أكثر مشاركة:
إن بناء الجمهورية الحديثة لا يقوم على الاختيار بين الدولة القوية والديمقراطية، وإنما على تحقيق التكامل بينهما.
فالدولة القوية هي التي تمتلك مؤسسات مستقرة وقادرة، وتطبق القانون، وتحمي المصلحة العامة، وتستوعب التنوع، وتوفر الأطر المنظمة للمشاركة.
والمجتمع الديمقراطي هو الذي يمارس حقوقه بمسؤولية، ويحترم القانون، ويقبل التعدد، ويدير الاختلاف بالحوار، ويسهم في إنتاج الأفكار والحلول.
ومن هنا، فإن اليوم الدولي للديمقراطية يمثل مناسبة للتأكيد على أن الديمقراطية ليست مجرد ممارسة انتخابية مؤقتة، وإنما ثقافة ومؤسسات ومسؤولية ومشاركة مستمرة.
كما أن تطوير الحياة الديمقراطية لا يعني إضعاف الدولة أو مؤسساتها، بل يمكن أن يسهم في تعزيز شرعيتها المجتمعية، وزيادة الثقة بينها وبين المواطنين، وتحسين قدرتها على الاستجابة للتحديات.
ويبقى التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تحويل المشاركة السياسية من مفهوم نظري إلى ممارسة مؤسسية مستمرة، وتحويل الحوار من مجرد شعار إلى آلية لإدارة الاختلاف، وتحويل الحياة السياسية من مساحة للمواقف إلى مجال لإنتاج البرامج والسياسات.
وعندما تتكامل سيادة القانون مع قوة المؤسسات، وتتسع المشاركة مع ترسيخ المسؤولية، وتتحول الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية إلى منصات حقيقية للأفكار والبرامج، تصبح الديمقراطية جزءًا أصيلًا من عملية بناء الدولة، لا مسارًا منفصلًا عنها.
وهكذا، فإن الدولة العصرية القوية والمجتمع الديمقراطي لا يمثلان طريقين متعارضين، وإنما ركيزتان متكاملتان لبناء دولة أكثر استقرارًا، ومجتمع أكثر وعيًا ومشاركة، ومستقبل أكثر قدرة على الاستجابة لطموحات المواطنين وتحديات العصر.
ظهرت المقالة الديمقراطية ..وبناء الدولة الحديثة أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الديمقراطية ..وبناء الدولة الحديثة.
في الموقع ايضا :
- وثيقة / اعترافات مسربة للقيادي الأملحي كشف عن محاصرة لواءين كاملين في مأرب وكهبوب ومصرع قائد قوات الساحل ومذبحة القيادات بالطيران في صنعاء
- عاجل / سماع دوي انفجارات متتالية وتحليق مكثف في سماء صعدة
- غارات جوية في صنعاء الآن.. معلومات أولية