بقلم: د.حسن رجب (أستاذ الدراسات الصينية ـ مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس ـ عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية)
في منطقةٍ كثيرًا ما تتبدل فيها خرائط النفوذ والتحالفات أسرع من تبدل خرائط الجغرافيا، تبدو بعض الدول أكبر بكثير من حدودها السياسية الجغرافية، لأن موقعها التاريخي ووزنها المؤسسي يجعل من حضورها جزءًا أصيلًا ولا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي ذاتها.
وفي مقدمة هذه الدول تقف مصر الكنانة؛ فهي ليست مجرد دولة عربية مطلة على بحرين أو مالكة لقناة السويس وجيش عريق، بل هي نقطة الالتقاء الاستراتيجية الفريدة بين المشرق العربي، والخليج، والبحر الأحمر، والمتوسط، والعمق الإفريقي. ومن هذا المنطلق المتجذر في عمق التاريخ والسياسة، تتجلى حقيقة أن القاهرة كانت -وستظل- “رمانة الميزان” الحقيقية والضرورية لترسيخ دعائم الأمان والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط الشديد السيولة.
ولفهم مغزى هذا المشهد الراهن ودور مصر المحوري فيه، لابد من العودة إلى الجذور الراسخة للشراكة الاستراتيجية التي تجمعها بأشقائها، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، فالعلاقات المصرية السعودية لا تعبر عن ظرف سياسي عابر أو تحالف لحظي تفرضه تقلبات الأحداث، بل تمتد جذورها الرسمية إلى معاهدة الصداقة التاريخية الموقعة عام 1926، والتي تكرست بمرحلة أكثر مؤسسية عبر اتفاقية الدفاع المشترك عام 1955.
وعلى امتداد عقود من الاختبارات الكبرى التي مرت بها الأمة العربية، أثبتت الوقائع الميدانية أن أمن القاهرة والرياض يدوران في فلك واحد؛ فخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، قدمت المملكة دعمًا سياسيًا واقتصاديًا بارزًا وأعلنت تعبئة قواتها وساندت مصر ماليًا، وفي حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، اتخذ التضامن بعدًا حاسمًا حين استخدمت الرياض سلاح النفط كأداة ضغط سياسي واقتصادي دعمًا للحق العربي، بالتوازي مع البطولات العسكرية المصرية التي أعادت تشكيل معادلات الصراع على الأرض. ورغم ما شهدته هذه المسيرة الممتدة من محطات تباين فرضتها المتغيرات، إلا أن العلاقات سرعان ما كانت تعود إلى مرتكزه الصُلب، إدراكًا من القيادتين بأن النظام العربي لا يستقيم بغياب أحد مركزي الثقل فيه.
هذا الامتداد التاريخي يفسر العمق الاستراتيجي للتحركات الحديثة بين البلدين، والتي توجت بزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة في 15 سبتمبر 2026 وتدشين “مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي”، ليرسخ ذلك الانتقال الفعلي نحو شراكة مؤسسية شاملة تتجاوز مفهوم الدعم التقليدي إلى التعاون التنموي والاستثماري والعسكري المتكامل. ومن هذا التنسيق المؤسسي يتضح كيف يلتقي الشريان المائي الحيوي للمنطقة بالأمن القومي الشامل؛ إذ لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي يصل بين ضفتين، بل تحول إلى أحد أكثر مسارح التنافس الجيوسياسي حساسية في العالم. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، تتصل ثلاثة ممرات حيوية في سلسلة واحدة، وأي اضطراب في أحد أطرافها ينعكس فورًا على أسعار الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وهنا تحديدا تبرز الشراكة الأمنية والعسكرية العميقة بين مصر والسعودية لحماية هذا الشريان الحيوي المترابط. وتجسد مناورات “الموج الأحمر” البحرية المشتركة -التي تجمع القوات البحرية للبلدين بمشاركة دول موارئة للبحر الأحمر- الجاهزية العملية للتصدي لأي تهديدات تستهدف الملاحة البحرية أو تقوض حرية التجارة الدولية. كما ينخرط البلدان بتنسيق وثيق في الآليات والأطر البحرية الدولية والإقليمية المشتركة لتأمين مضيق باب المندب والبحر الأحمر بالتعاون مع القوى الدولية المعنية، صونًا للسلم والأمن الدوليين وضمانًا لانسيابية حركة التجارة عبر قناة السويس التي تمثل الشريان الرئيسي للربط بين الشرق والغرب، إدراكًا بأن أمن باب المندب يُعد امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري وحمايةً لتدفقات القناة، وفي الوقت نفسه يمثل ركيزة رئيسية لأمن الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية وحركة صادراتها النفطية والتجارية.
إن هذه الأدوار الأمنية والعسكرية تتكامل بانسجام تام مع نوع آخر فريد من النفوذ تمتلكه مصر، يتجاوز حدود القوة الصلبة إلى ما يمكن تسميته “نفوذ الموقع والوساطة”. فالقاهرة، بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي، قريبة من الخليج، وملاصقة استراتيجيًا للقضية الفلسطينية، وذات حضور رئيسي عميق في السودان وليبيا وشرق المتوسط ،ففي ملف القضية الفلسطينية، تشكل مصر الجدار العربي الأكثر اتصالًا مباشرًا بالمشهد ميدانيًا وسياسيًا، وتعمل بالتوازي والتنسيق عالي المستوى مع السعودية للتمسك بحل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، ورفض أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني أو المساس بحقوقه المشروعة، مع الالتزام المتواصل بإنفاذ المساعدات الإنسانية لأهالي غزة والضغط الدولي لوقف العدوان وإعادة الإعمار. ويتسع هذا الاتساق في الرؤى ليشمل الملفين السوداني واليمني، حيث تتطابق الرؤية المصرية السعودية في ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية ودعم استقرار السودان الشقيق لمنع تفككه الذي قد يهدد أمن وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، إلى جانب دعم الجهود للتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية يحفظ للمملكة والإقليم أمنهما واستقرارهما.
إن وصف مصر بـ “رمانة الميزان” ليس مجرد مقولة دعائية أو انطباع بلاغي، بل هو استعارة جيوسياسية ودقيقة لوظيفة الموقع والمكانة المصرية في التوازن الإقليمي برمتها ،فحين يضطرب البحر الأحمر تتأثر حركة التجارة الدولية وقناة السويس، وحين تتفاقم أزمة غزة يمتد أثرها إلى أمن الحدود، وحين ينال الاضطراب من السودان أو اليمن تتداعى التأثيرات على أمن الخليج والقرن الإفريقي. إن المستقبل الإقليمي يتطلب بالضرورة بناء توازنات راسخة تحول المصالح المشتركة إلى مشروعات استراتيجية مؤسسية طويلة الأمد، وتظل الشراكة المصرية السعودية الركيزة الصلبة التي تحمي شبكة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وفي زمن تتغير فيه الخرائط وتتبدل فيه موازين القوى، تثبت الأيام حقيقة تاريخية ومستقبلية ثابتة: أن بعض الجغرافيا تحولها الأقدار إلى مسؤولية سياسية وتاريخية، ومصر ستظل دائمًا وأبدًا الحصن الحصين ورمانة الميزان للأمن والاستقرار العربي والإقليمي.
/
ظهرت المقالة مصر الكنانة..رمانة ميزان الأمن الإقليمى في الشرق الأوسط أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة مصر الكنانة رمانة ميزان الأمن الإقليمى في الشرق الأوسط
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مصر الكنانة رمانة ميزان الأمن الإقليمى في الشرق الأوسط قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مصر الكنانة..رمانة ميزان الأمن الإقليمى في الشرق الأوسط.
في الموقع ايضا :
- عاجل وبالفيديو / في أقل من ساعة بملحمة ميدانية خاطفة.. القوات المسلحة وقبائل الصبيحة يستعيدون جبل نمان
- أول استهداف للعاصمة السعودية.. أصوات انفجارات في الرياض بعد إنذار من "هجوم معاد"
- بث مباشر.. شاهد مباراة توتنهام هوتسبير أمام أستون فيلا في الدوري الإنجليزي