yemenat
يمنات
محمد المخلافي
عادل أحمد عمر باموسى صديق بمكانة أخ عزيز، تربطني به صداقة منذ عام 2003، عندما كان في السنة الثانية بكلية طب الأسنان بجامعة عدن. كان طيب القلب، راقيًا في تعامله، متعاونًا وطموحًا جدًا.
كنا نلتقي في سكنه في خور مكسر، مع الأصدقاء لطفي البيض وعمه عبدالله وبعض الشباب، ونقضي أوقاتًا جميلة. وعندما أنهيت دراستي الجامعية في عدن وانتقلت إلى صنعاء، استقبلني في شقته بشارع هائل، وأقمت معه لمدة شهرين.
أتذكر بعض المواقف من تلك الفترة، منها عندما تعرضت الشقة للسرقة، وسُرقت منها أشياء ثمينة، بينها كاميرا ديجيتال حديثة كان يستخدمها في توثيق الأماكن التي يزورها. واضطررنا إلى الخروج من الشقة في نفس اليوم، ونقلنا الأثاث إلى منزل أحد أقاربي.
وفي إحدى المرات رافقني إلى قريتي في ريف تعز الشمالي. سافرنا قرابة الساعة الثامنة مساءً، ووصلنا عند الفجر، وبقينا هناك ثلاثة أيام. استمتعنا بأجواء القرية، والتقط صورًا للذكرى مع إخواني وأهل القرية، صغارًا وكبارًا، وتمشينا في الوديان وصعدنا الجبل.
بقيت صداقتنا متينة كما كانت إلى اليوم، رغم بُعد المسافات وطول السنين، وستظل كما هي. وقبل أسبوع تواصلت معه واستأذنته في كتابة هذا المقال.
بعد أن أكمل عادل أحمد عمر باموسى المرحلة الثانوية عام 2000، كان يحلم بدراسة طب الأسنان، لكنه لم يكن يعرف بعد إلى أي بلد سيسافر لإكمال دراسته.
وخلال النقاش الذي دار داخل الأسرة حول المكان الذي يمكن أن يدرس فيه، اقترح جده لأبيه، رحمه الله، أن تكون اليمن وجهته، سواء صنعاء أو عدن. وكان يرى أن اليمن مناسبة له، خصوصًا أن أصول الأسرة تعود إليها، إضافة إلى التقارب في العادات والتقاليد بين اليمن والسعودية.
كانت زيارته الأولى إلى اليمن برفقة والديه، فهو الابن الأكبر في العائلة، وكان والداه يريدان أن يطمئنا عليه بأنفسهما. وكانت صنعاء وجهتهم الأولى.
قضوا فيها ستة أيام جميلة، تجولوا خلالها في شوارعها وأسواقها الشعبية، واشتروا بعض الهدايا التذكارية، وتناولوا السلتة والفحسة وغيرها من الأكلات الشعبية. وزاروا أيضًا بعض معالمها التاريخية، مثل صنعاء القديمة ودار الحجر، وخرجوا في نزهة إلى قرى بني مطر والحيمة، حيث استمتعوا بالطبيعة هناك. وزاروا جامعة صنعاء، وتعرفوا عن قرب على أجواء الدراسة فيها.
بعدها اتجهوا إلى عدن بسيارة جيب استأجروها من صنعاء. وعندما وصلوا عدن، شعر عادل بارتياح كبير، وأحس أن أجواءها الساحلية تشبه إلى حد ما مسقط رأسه الدمام، كما أعجب ببساطة الناس فيها.
وخلال إقامتهم في عدن، ذهبوا في نزهة إلى منتجع العروسة، وقضوا وقتًا جميلًا هناك. سبح عادل واستمتع كثيرًا، وفي تلك اللحظة قرر أن عدن هي المكان الأنسب له.
أخبر والديه بذلك، فوافقاه، وبدأوا بعدها في ترتيب أموره. استأجرا له سكنًا مريحًا تتوفر فيه الخدمات الأساسية في منطقة خور مكسر، وكان قريبًا من كلية طب الأسنان.
بدأ عادل الدراسة في كلية طب الأسنان، وكانت تلك الأيام صعبة عليه، فهو بعيد عن أهله، كما أن الدراسة باللغة الإنجليزية كانت تتطلب منه جهدًا أكبر. ومع مرور الوقت بدأ يتأقلم مع الدراسة والحياة في عدن، وتعرّف على طلاب من مناطق مختلفة، كانوا متعاونين معه. وكان مستوى التعليم جيدًا، والدكاترة يتمتعون بكفاءة عالية.
وفي إجازة نهاية الأسبوع، كان يخرج عادةً مع أصدقائه إلى الشابات، وهو مكان مفتوح توجد فيه مطاعم، وكانوا يتناولون الغداء هناك: زربيان، ومظبي، وحنيذ بالطريقة الحضرمية.
وبعد الغداء كانوا يعودون إلى السكن، ويأخذون قيلولة، ثم يتوجهون بعد العصر إلى الشابات مرة أخرى للعب البلياردو. وأحيانًا يقضون وقتًا جميلًا في منتجع العروسة وخليج الفيل في التواهي، ويسبحون حتى صلاة المغرب.
وفي الغالب كانوا يذهبون أيضًا إلى مدينة كريتر التاريخية، ويتجولون في أسواقها الشعبية، وبعد صلاة العشاء يتجهون إلى صيرة لتناول السمك الطازج.
ومن الأشياء التي يتذكرها من فترة عدن، أنه بعد عودة أسرته إلى السعودية بقي للمرة الأولى وحده بعيدًا عنهم، وكان عليه أن يعتمد على نفسه، ويحقق الهدف الذي جاء من أجله، وأن يكون عند حسن ظن أسرته.
وبعد عامين من الدراسة في عدن، عام 2003، حصل على الجنسية السعودية. وأبلغته الملحقية الثقافية في السفارة السعودية بصنعاء بأنه أصبح طالبًا مبتعثًا على نفقة المملكة، وأن عليه الانتقال إلى جامعة العلوم والتكنولوجيا في صنعاء، كونها معتمدة في السعودية، وكان قسم طب الأسنان فيها من أفضل وأقوى أقسام طب الأسنان في الجامعات اليمنية. والأجمل أنه واصل دراسته من المستوى الثالث.
لكنه كان حزينًا في الوقت نفسه لأنه سيترك المدينة التي أحبها وينتقل إلى صنعاء، ليبدأ مرحلة جديدة في ظروف مختلفة عن عدن؛ فهي مدينة جبلية وباردة.
كان مجتهدًا كعادته، وحصد درجات عالية، ثم انتقل إلى العمل في العيادات، التي كانت مجهزة بإمكانيات جيدة. وكان المحاضرون يتمتعون بكفاءة عالية، معظمهم درس في بريطانيا، وآخرون في أمريكا. وخلال هذه الفترة، تعرّف على الكثير من الزملاء والأصدقاء.
ومن أكثر الأماكن التي أحبها في صنعاء (صنعاء القديمة)، فهو يعشق التراث والأشياء الكلاسيكية والعتيقة. وكان كل جمعة يذهب لأداء صلاة الجمعة في الجامع الكبير وسط صنعاء القديمة، الذي يُعد ثالث مسجد بُني في الإسلام، بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
كانت فترة التحضير لزواجه من الفترات الجميلة في حياته؛ استمرت بضعة أشهر جهّز خلالها السكن والأثاث، ثم جاء الزواج ليصبح من أجمل ذكرياته.
وبعد أن أكمل دراسته وحصل على درجة البكالوريوس، أُقيم حفل التخرج، وذهب مع زملائه ودكاترة القسم إلى مطعم الحمراء في حدة لتناول الغداء، وكانت زخات المطر الخفيفة تتساقط وسط أجواء صنعاء الباردة.
وبعد أن أكمل المعاملات المتعلقة بتصديق شهاداته في الملحقية الثقافية بالسفارة، تم تكريمهم من قبل السفارة بحضور السفير، الذي بارك لهم ومنحهم شهادات شكر وتقدير. ثم عاد إلى بلده السعودية ليبدأ مرحلة جديدة.
أكمل سنة الامتياز عام 2008، وقدم أوراقه إلى وزارة الخدمة المدنية، وتم تعيينه طبيب أسنان عام. وعمل في المراكز الصحية في الأحياء التابعة لمدينة الدمام، وبقي هناك لمدة سنتين ونصف موظفًا حكوميًا في وزارة الصحة.
وفي عام 2011، قدم في كليات الرياض لطب الأسنان والصيدلة، التي تسمى اليوم (جامعة رياض العلم)، لدراسة الماجستير. وقُبل في تخصص طب أسنان الأطفال، ثم تم تفريغه لدراسة الماجستير على نفقة وزارة الصحة حتى عام 2014.
أكمل رسالته في بداية العام الثالث، ليكون أول طبيب في دفعته ينهي رسالته قبل الموعد بأشهر. وتم اعتمادها ليُلقيها بنفسه في المؤتمر السعودي العالمي لطب الأسنان في الرياض عام 2014، وقُبلت أيضًا في مؤتمر إيدك العالمي في دبي في العام نفسه، كما نُشرت في مجلة محكّمة.
وبعد أن أكمل درجة الماجستير، كان من المفترض أن يعود إلى مكان عمله السابق في مجمع الدمام الطبي. وأثناء إجراءات الانتقال إلى المجمع الطبي في الدمام، قدم على دراسة البورد السعودي، وهو (برنامج شهادة الاختصاص) في السعودية، في مستشفى الملك عبدالعزيز للحرس الوطني بمدينة الأحساء، التي تبعد عن الدمام 120 كيلومترًا.
وتم قبوله، وواصل بعدها الدراسة لمدة أربع سنوات، حتى حصل على شهادة (البورد السعودي) وأصبح استشاريًا في طب أسنان الأطفال.
اختار عادل هذا التخصص من السنة الثالثة في كلية طب الأسنان، لأنه متنوع ويدخل فيه أكثر من مجال في طب الأسنان، مثل تقويم الأسنان والجراحة وعلاج اللثة والحشوات والتركيبات. وكان مدرس المادة الدكتور العراقي علي المشهداني، وهو خريج جامعة سيدني في أستراليا، متميزًا جدًا، وجعل المادة ممتعة. كل هذا جعله يحب التخصص أكثر.
والعناية بالأسنان تبدأ من الطفولة، لكن التعامل مع الأطفال يحتاج إلى صبر واهتمام، خصوصًا أن الطبيب يحتاج إلى فهم سلوك الطفل والتعامل معه بطريقة مناسبة. وعادل بطبيعته يحب الأطفال، ويرى فيهم البراءة والصدق، ويتعامل معهم وكأنهم أبناؤه. وهناك الكثير ممن يشرف على علاجهم منذ الصغر وحتى الآن، بعضهم يتابع حالاتهم منذ عشر سنوات.
ومن الحالات التي بقيت معه حتى الآن طفل مصاب بمرض التوحد، وكانت حالته صعبة جدًا، وكان قرار المستشفى أن يخضع للتخدير الكامل. لكن أهله كانوا خائفين ورفضوا ذلك، فقدم لهم خطة وشرحها لهم بالتفصيل، موضحًا أن ابنهم يحتاج في البداية إلى أن يتعود على العيادة، مع محاولة تحسين سلوكه تدريجيًا.
كان عمره حينها ست سنوات، وفعلاً بدأ الوضع يتحسن معه، وأصبح يأتي إلى العيادة ويحبها، ويعرف الدكتور عادل ويناديه باسمه. واستمر في متابعته طوال هذه السنوات، حتى أصبح عمره الآن 16 سنة.
ومنذ عام 2022، بدأ يعمل في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة في مجال تقويم الأسنان إلى المملكة العربية السعودية بعد حصوله على وكالة حصرية لشركة كورية متخصصة في تقنيات موسعات الفك، ثم توسعت التجربة لتشمل تنظيم ورش علمية متخصصة في عدد من مدن المملكة، بالتعاون مع جهات وهيئات علمية ومهنية ذات علاقة، من بينها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية والجمعية السعودية لتقويم الأسنان، إلى جانب مشاركته في المؤتمرات العلمية السنوية لتقويم الأسنان في المملكة.
وخلال أربع سنوات، استفاد من هذه البرامج التدريبية ما يقارب 700 طبيب تقويم أسنان من مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والجامعات، مع استمرار العمل على إيصال هذه التقنيات إلى أكبر شريحة ممكنة من أطباء تقويم الأسنان في المملكة.
ويرى عادل أن المهم في النهاية هو أن تصل هذه المعرفة إلى الطبيب، وأن يستفيد منها المريض من خلال خيارات علاجية أفضل وطرق أكثر تطورًا في التشخيص والعلاج.
في عام 2025، قام بزيارات علمية إلى لوس أنجلوس وفيلادلفيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم إلى ريو دي جانيرو في البرازيل خلال شهر أغسطس، وكان الهدف من هذه الزيارات الاطلاع على ما هو جديد في المجال، والتعرف على تجارب أخرى، وفتح مجالات للتعاون العلمي والتقني في مجال تقويم الأسنان في المملكة.
وفي بداية عام 2026، زار سيؤول في كوريا الجنوبية، للمشاركة في عمل بحثي في مجال تقويم الأسنان وطب أسنان الأطفال، يتعلق بتقنية متطورة تخدم حالات مرحلة الأسنان المختلطة. وأُجري البحث بالتعاون مع فريق من الباحثين في كوريا الجنوبية، ثم تمت الموافقة على نشره في مجلة أمريكية محكّمة متخصصة في تقويم الأسنان والفكين. ويقول عادل إن هذه المشاركة كانت تجربة مهمة بالنسبة له، وتعلم منها الكثير، خصوصًا في الجانب البحثي.
وفي الوقت نفسه، يعمل الآن على تجهيز مكتبة خاصة به لتكون مرجعًا في هذا المجال، ويعمل أيضًا على إعداد مقاطع ريلز قصيرة ومفيدة ينشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تصل إلى أكبر عدد ممكن، ويستفيد منها الأطفال وأسرهم.
وهناك أيضًا مبادرات مع وزارة الصحة في مجال التوعية، منها دليل توعوي عن ذوي الاحتياجات الخاصة، ومقاطع فيديو يشرح فيها بعض العلاجات، إلى جانب تهيئة الحالات التي تحتاج إلى التخدير الكامل ومتابعتها.
كما استضافته إذاعة الرياض هذا العام، وطلبوا منه تقديم سلسلة حلقات عن طب أسنان الأطفال، يتحدث فيها عن مواضيع مختلفة، مثل الوقاية والعناية بالأسنان في المنزل، وذوي الاحتياجات الخاصة، ومواضيع أخرى تخص صحة الفم والأسنان.
وفي إجازة نهاية الأسبوع، يقضي يوم الجمعة عادةً مع عائلته، يخرج معهم إلى بعض الحدائق والمنتزهات، وأحيانًا يأخذهم في رحلات إلى بعض الأماكن الجميلة. أما يوم السبت، يمارس هوايته في ركوب الدراجة الهوائية، ويقطع بها عدة كيلومترات تساعده على تصفية ذهنه بعيدًا عن العمل. كما يحب السفر والتصوير.
ويعود عادل بالفضل في جانب كبير من هذه الرحلة إلى والديه، اللذين شجعاه ودعماه في مختلف مراحل دراسته. وكذلك زوجته التي كانت دائمًا سندًا له.
أما العائلة بالنسبة له، فهي الأمان والاستقرار، ويحرص دائمًا على توفير سبل الراحة لها، ويتمنى أن يرى أولاده في أفضل وأعلى المراتب.
yemenat
مشاهدة من عدن بدأت الحكاية عادل باموسى بين الدراسة والعمل ونقل المعرفة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من عدن بدأت الحكاية عادل باموسى بين الدراسة والعمل ونقل المعرفة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من عدن بدأت الحكاية.. عادل باموسى بين الدراسة والعمل ونقل المعرفة.
في الموقع ايضا :
- عاجل: الخارجية الأمريكية: من المقرر عقد اجتماع بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في نيويورك يوم 23 سبتمبر
- وول ستريت جورنال عن زيلنسكي: الولايات المتحدة ستسعى للتوصل إلى اتفاق لوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة
- إيران ترد على تهديد ترامب بـ"إبادتها".. ماذا قالت؟
