عندما تحدد القوتان الكبريان مسار السفينة، من يرسم مسار تونس؟ ..اخبار محلية

أنباء تونس - اخبار محلية
عندما تحدد القوتان الكبريان مسار السفينة، من يرسم مسار تونس؟

عندما يقول الرئيس الصيني شي جين بينغ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن عليهما أن يعملا معاً على «توجيه السفينة العملاقة» للعلاقات الصينية الأمريكية، فإن العبارة تختصر، في بساطتها، مشهداً دولياً شديد التعقيد. فواشنطن وبكين تتنافسان على التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإمداد والنفوذ، لكنهما تعرفان أيضاً متى تتفاوضان، وأين تلتقي مصالحهما، وكيف تديران خلافاتهما عندما تفرض المصالح ذلك. وهنا يطرح المشهد سؤالاً يتجاوز القوتين الكبريين: إذا كان الكبار يرسمون مساراتهم، فمن يرسم مسار تونس؟

عبد الوهاب بن موسى *

    السؤال ليس دعوة إلى اختيار واشنطن أو بكين، ولا إلى الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذاك. إنه سؤال عن قدرة تونس على أن تكون صاحبة قرارها في عالم تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة، وتتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والتمويل.

    لم يعد العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية قائماً بالصيغة نفسها. سلاسل الإمداد يعاد تشكيلها، والتنافس التكنولوجي أصبح جزءاً من الصراع على النفوذ، والذكاء الاصطناعي يتحول إلى عامل من عوامل القوة الاقتصادية والاستراتيجية، فيما أصبحت البيانات والبنية الرقمية والأمن السيبراني عناصر أساسية في الاقتصاد الحديث.

    العالم يتغير، هامش الخطأ يضيق والسيادة تبدأ من القدرة

    في هذا المشهد، لا تستطيع الدول المتوسطة أن تكتفي بمراقبة ما يحدث بين الكبار. فالتحولات التي تجري في واشنطن وبكين وبروكسل وغيرها تصل آثارها سريعاً إلى اقتصادات مثل تونس، عبر التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والأسواق. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل ننتظر أن تتكيف تونس مع التحولات التي يصنعها الآخرون، أم نبني القدرة على التأثير في موقعنا داخلها؟

    السيادة اليوم ليست فقط حماية الحدود أو امتلاك الموارد الطبيعية. إنها أيضاً امتلاك هامش حقيقي لاتخاذ القرار، وتنويع الشراكات، وحماية المصالح الوطنية. وهذا لا يعني الانغلاق. تونس في حاجة إلى الانفتاح على أوروبا والصين والولايات المتحدة والعالم العربي وإفريقيا وغيرها، كما تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا والشراكات الدولية. لكن الانفتاح يكون أكثر فاعلية عندما تدخل تونس هذه الشراكات برؤية واضحة لما تريد تحقيقه.

    فالسؤال ليس فقط: من يستثمر في تونس؟ بل: ماذا نريد من هذا الاستثمار؟ هل يضيف معرفة؟ هل يطور الكفاءات؟ هل ينقل التكنولوجيا؟ هل يفتح أسواقاً جديدة؟ هل يخلق سلاسل قيمة محلية؟ وهل يرفع إنتاجية الاقتصاد؟ بهذه المعايير تتحول الشراكة من مجرد تدفق لرؤوس الأموال إلى أداة لبناء القدرة الوطنية.

    الذكاء الاصطناعي يغير معادلة القوة

    وتزداد أهمية هذه المسألة مع صعود الذكاء الاصطناعي. فالبيانات أصبحت مورداً استراتيجياً، ومراكز البيانات بنية تحتية حيوية، والحوسبة السحابية جزءاً من الاقتصاد الحديث، والأمن السيبراني عنصراً أساسياً من حماية الأنظمة الحيوية، فيما أصبحت الكفاءات المتخصصة مورداً تتنافس عليه الدول والشركات. لذلك لم يعد السؤال فقط: من أين نشتري التكنولوجيا؟ بل أيضاً: ماذا نملك نحن من التكنولوجيا والمعرفة والبيانات والمهارات؟ ليس المطلوب أن تبني تونس منظومة تكنولوجية مغلقة، فهذا غير واقعي ولا يخدم اقتصاداً منفتحاً مثل الاقتصاد التونسي. المطلوب هو امتلاك القدرات التي تسمح باستخدام التكنولوجيا العالمية من موقع واعٍ، وحماية المصالح والبيانات والبنى الحيوية، وتطوير جزء من المعرفة والحلول محلياً.

    لكن امتلاك الرؤية لا يكفي. قد تكون لدى تونس استراتيجيات واتفاقيات ومشاريع، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه العناصر إلى نتائج. استثمار منتج، مشروع ينجز في آجاله، خدمة رقمية تعمل بكفاءة، بيانات قابلة للاستغلال، بنية تحتية أكثر مرونة، كفاءات تجد فرصها داخل الاقتصاد، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

    هنا تحديداً تظهر أهمية القدرة على التنفيذ. فالدولة التي تنفذ بسرعة ووضوح تستطيع أن تحول موقعها الجغرافي وشراكاتها الدولية ورأس مالها البشري إلى مزايا اقتصادية. أما إذا بقيت المشاريع رهينة البطء والتعقيد وضعف التنسيق، فإن أفضل الفرص يمكن أن تتحول إلى فرص ضائعة.

    تونس ليست مطالبة باختيار معسكر و لا تحتاج إلى الاختيار بين الشرق والغرب. تحتاج إلى أن تجعل موقعها بينهما مصدر قوة. قربها من أوروبا، وانتماؤها إلى الفضاء العربي، وامتدادها الإفريقي، وانفتاحها على آسيا وأمريكا، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى أوراق قوة إذا أحسن استخدامها ضمن رؤية وطنية واضحة.

    لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ. القدرة هي التي تصنع الفرق. والقدرة تُبنى بالاقتصاد المنتج، والتكنولوجيا، والكفاءات، والمؤسسات الفعالة، والتنفيذ. فمن يرسم مسار تونس؟

    صورة «السفينة العملاقة» التي تحدث عنها شي جين بينغ تختزل درساً بالغ الأهمية: الكبار لا ينتظرون أن يرسم لهم الآخرون اتجاههم. يتنافسون، يتفاوضون، يختلفون، لكنهم يعرفون أين يريدون أن يصلوا. وتونس ليست مطالبة بأن تصبح قوة كبرى حتى تحمي مصالحها. لكنها مطالبة بأن تعرف ما تريد، وأن تحدد أولوياتها، وأن تبني الأدوات التي تجعل خياراتها ممكنة.

    ففي عالم تعيد فيه القوى الكبرى رسم خرائط الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ، لا يكفي أن نكون على الخريطة. يجب أن نعرف ماذا نريد أن نكون عليها. والسؤال، في النهاية، ليس مع من ستكون تونس. السؤال هو: هل ستكون تونس طرفاً في رسم المرحلة المقبلة… أم مجرد موقع تجري فوقه تحولات الآخرين؟

    * مهندس معلوماتية وإطار مصرفي.

    ظهرت المقالة عندما تحدد القوتان الكبريان مسار السفينة، من يرسم مسار تونس؟ أولاً على أنباء تونس.

    مشاهدة عندما تحدد القوتان الكبريان مسار السفينة من يرسم مسار تونس

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عندما تحدد القوتان الكبريان مسار السفينة من يرسم مسار تونس قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عندما تحدد القوتان الكبريان مسار السفينة، من يرسم مسار تونس؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار