جهاد إسلام يلماز – خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
استقرار أصوات حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) في نطاق 28-29 بالمئة في ألمانيا قُدّم من قبل العديد من المراقبين على أنه «صدمة». لكن هذا المشهد لم يكن مفاجئًا على الإطلاق؛ بل كان نتيجة طبيعية لمسار ظل يتشكل أمام الأنظار طوال عشر سنوات على الأقل. فحزب البديل من أجل ألمانيا، الذي دخل البوندستاغ باعتباره ثاني أكبر حزب في انتخابات فبراير/شباط 2025، تصدر استطلاعات الرأي خلال عام ونصف العام الذي تلا ذلك، متجاوزًا الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU). ومع تجاوز نسبة التأييد له 40 بالمئة في ساكسونيا أنهالت، وبلوغها 36 بالمئة في مكلنبورغ فوربومرن، لم يعد هذا الصعود «حالة شاذة لحزب هامشي»، بل أصبح مركز الثقل الجديد في السياسة الألمانية.
ولفهم سبب أهمية ذلك إلى هذا الحد، لا بد من النظر إلى موقع ألمانيا في أوروبا. فألمانيا هي العمود الفقري الاقتصادي والسياسي للاتحاد الأوروبي. فهي صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد، وأكبر عدد من السكان، وإحدى العاصمتين اللتين تحددان عمليًا، إلى جانب فرنسا، اتجاه بروكسل. وما يحدث في ألمانيا لا يبقى في ألمانيا وحدها؛ فهذا التحول في بلد يهيمن على القارة في مجالات تتراوح من السياسة النقدية إلى سياسة الهجرة، ومن الإنفاق الدفاعي إلى الموقف من روسيا، يعني أيضًا تغيرًا في الاتجاه بالنسبة إلى بقية أوروبا. وكانت صورة ألمانيا باعتبارها «مرساة الاستقرار» إحدى الفرضيات الأساسية التي قامت عليها البنية الأوروبية بعد الحرب. فإذا كانت هذه المرساة نفسها تهتز، فإن الاهتزاز سينتشر في أنحاء القارة كلها.
وخلف هذا الصعود لا تكمن المخاوف الاقتصادية البحتة أو الإرهاق الناجم عن التضخم فحسب، بل يوجد بوضوح تطبيع لخطاب مناهض للهجرة، ومعادٍ للإسلام، وكاره للأجانب. ولم تعد لغة حملة حزب البديل من أجل ألمانيا تدور حول «تنظيم محدود للهجرة»، بل حول عمليات ترحيل جماعي والمطالبة بتحول «وطني» في هوية النظام التعليمي. والأكثر لفتًا في هذا الخطاب أنه لم يعد مقتصرًا على حزب البديل من أجل ألمانيا وحده. فقد اتخذ الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، مواقف أكثر تشددًا بوضوح في سياسات الهجرة واللجوء والأمن تحت ضغط حزب البديل من أجل ألمانيا؛ وأُلغي مجددًا مسار التجنيس المعجّل، وشُدّد نظام اللجوء الأوروبي المشترك. أي أن يمين الوسط، بدلًا من كبح اليمين المتطرف، يشارك في عملية «إضفاء الشرعية» عليه من خلال استيعاب أجندته. وكان تمرير قانون للهجرة في البوندستاغ بأصوات حزب البديل من أجل ألمانيا، في يناير/كانون الثاني 2025، خلال فترة ميرتس زعيمًا للمعارضة، الدليل الأكثر وضوحًا على مدى تآكل عقيدة «الجدار الناري» التي كانت إحدى المبادئ السياسية الأساسية لألمانيا ما بعد الحرب، أي قاعدة عدم تعاون الأحزاب الرئيسية مع اليمين المتطرف بأي شكل من الأشكال.
ومن بين أكثر الفئات التي ستدفع الثمن الأشد لهذا التآكل يأتي المسلمون، ولا سيما المجتمعات من أصول تركية. ويعيش في ألمانيا نحو ثلاثة ملايين شخص من أصول تركية؛ والغالبية العظمى منهم من الجيلين الثاني والثالث، وهم أفراد وُلدوا في ألمانيا ويحملون الجنسية الألمانية. ومع ذلك، يجري باستمرار وضع هذا المجتمع في مرمى الاستهداف في النقاش العام من خلال مفاهيم مثل «فشل الاندماج» و«المجتمعات الموازية» و«عدم التوافق الثقافي». ولم تعد الإسلاموفوبيا خطابًا هامشيًا، بل تسللت إلى الوعود الانتخابية للأحزاب السياسية، وقرارات الإدارات المحلية، وحتى الخطاب العام اليومي. وتُظهر الهجمات على المساجد، وأعمال العنف ذات الدوافع العنصرية، والزيادة في جرائم الكراهية، أن هذا المناخ ليس مجرد مصدر قلق مجرد، بل تحول إلى قضية أمنية ملموسة.
وهنا ينبغي التوقف وطرح السؤال التالي: هل يمثل هذا فعلًا «واحدة من أكبر نقاط التحول منذ الحرب العالمية الثانية»؟ ورغم ضرورة توخي الحذر في المقارنات التاريخية، فإن المؤشرات تبدو داعمة لهذا الادعاء. فقد بُنيت الهوية السياسية لألمانيا بعد الحرب على مبدأ مواجهة الماضي؛ وشُيدت حواجز مؤسسية ودستورية ومجتمعية لمنع الاشتراكية القومية من الظهور مجددًا كخيار سياسي مشروع. ويُظهر تصنيف جهاز حماية الدستور لبعض فروع حزب البديل من أجل ألمانيا في الولايات على أنها «متطرفة بشكل مؤكد»، ووجود شخصيات مرتبطة بالنازيين الجدد داخل الحزب، أن هذه الحواجز لا تزال قائمة على الورق. لكن دعم الناخبين يؤدي إلى تآكل هذه الحواجز؛ والفجوة بين إعلان حزب ما «موضع شبهة دستورية» وبين تصويت ربع الناخبين له، بل ونحو نصف الناخبين في بعض الولايات، تظهر مدى اتساع الهوة بين ردود الفعل المؤسسية والواقع المجتمعي.
ويفتح هذا المشهد أيضًا باب التساؤل حول قصة «القيم» التي يرويها الغرب لنفسه. ففي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، قدّم الغرب نفسه بوصفه حصنًا للتعددية وحقوق الإنسان واحترام حقوق الأقليات والديمقراطية الليبرالية، وكان ينصح بقية العالم بهذه القيم، غالبًا بأسلوب تعليمي مباشر. لكن اليوم، وفي قاطرة أوروبا، يوجد حزب يضع صراحة في برنامجه معاداة المهاجرين والمسلمين، ويطمح إلى الوصول إلى السلطة، فيما تفضل السياسة الوسطية التكيف مع هذا الصعود بدلًا من مقاومته. وعند النظر إلى ذلك بالتزامن مع صعود أوربان في المجر، وميلوني في إيطاليا، ولوبان في فرنسا، فإن هذا التحول في ألمانيا ليس حالة معزولة، بل النتيجة الأشد لمسار قائم على مستوى القارة. وهذا يعيد إشعال النقاش حول ما إذا كان خطاب «القيم الغربية» يمثل مجموعة من المبادئ العالمية، أم مجرد خطاب تفرضه الظروف والمرحلة.
وبالطبع، سيكون من المضلل اختزال هذا المشهد في سبب واحد. فمن بين العوامل التي تغذي صعود حزب البديل من أجل ألمانيا، تؤدي أيضًا دورًا مهمًا التفاوتات الاقتصادية في مناطق ألمانيا الشرقية السابقة، وضعف الخدمات العامة في المناطق الريفية، وضغوط تكاليف المعيشة الناجمة عن أزمة الطاقة، والمخاوف الأمنية التي خلفتها الحرب في أوكرانيا، وبوجه عام انعدام ثقة الناخبين في الأحزاب «التقليدية». ومع ذلك، فإن وجود مخاوف اقتصادية لا يضفي شرعية على العناصر العنصرية والمعادية للإسلام في الخطاب؛ وينبغي تناول القضيتين كل على حدة.
مشاهدة صدمة برلين صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ولحظة الانقسام في أوروبا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ صدمة برلين صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ولحظة الانقسام في أوروبا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، صدمة برلين: صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ولحظة الانقسام في أوروبا.
في الموقع ايضا :
- الرئيس سلام من الأمم المتحدة: لبنان يطلق ورشة إصلاح شاملة في الإدارة والقضاء والإعلام… والمطلوب ترجمة اتفاق الإطار إلى خطوات عملية ضمن جدول زمني واضح
- عاجل: واشنطن بوست: البيت الأبيض منع مراسلي سي إن إن من السفر مع ترامب على متن الطائرة الرئاسية إلى تينيسي
- بعد ساعات من اجتماع "اتفاقية مكة".. "التحالف" يعلن "اعتراض مسيرتين أطلقهما الحوثيون نحو الرياض"
