حين يصبح الذكاء الاصطناعي صديق المراهق ...مصر

جريده المساء - اخبار عربية

»» هل يمكن أن يحل الـ AI محل الحوار الإنساني؟

بقلم: د.ياسمين جمال

    (باحثة دكتوراة في الاعلام التربوي ،جامعة عين شمس)

    لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المراهق مجرد أداة تساعده في البحث عن معلومة أو إنجاز واجب مدرسي، وإنما بدأ يأخذ مساحة أكبر في حياته اليومية، فبعض المراهقين أصبحوا يلجأون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي للتحدث وطلب النصيحة والتعبير عن مشاعرهم، بل والبحث عن مساحة يشعرون فيها بأن هناك من يستمع إليهم دون أن يقاطعهم أو يحكم عليهم. ومع الانتشار السريع لهذه الأدوات، أصبح من الضروري أن نتوقف أمام هذا الاستخدام الجديد، ليس من زاوية الخوف من التكنولوجيا، وإنما من زاوية أكثر إنسانية تتعلق بعلاقة المراهق بأسرته وأصدقائه وبالمجتمع من حوله.

    فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجيب في ثوانٍ، ويمكنه أن يظل متاحًا في أي وقت، كما أنه لا يشعر بالملل من تكرار السؤال، ولا يطلب من المراهق أن يشرح نفسه في كل مرة، بل يستطيع أن يقدم ردودًا تبدو في أحيان كثيرة قريبة من طريقة الحوار الإنساني. ولذلك ليس من الصعب أن نفهم لماذا قد يشعر بعض المراهقين بالراحة عند الحديث معه، خاصة عندما يكون الموضوع حساسًا أو عندما يخشى المراهق أن يتعرض للسخرية أو الحكم من الآخرين.

    وتشير بيانات حديثة من مركز Pew Research إلى أن 12% من المراهقين في الولايات المتحدة الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم استخدموا روبوتات المحادثة للحصول على دعم عاطفي أو نصيحة، بينما قال 16% إنهم استخدموها في محادثات عادية. وهذه الأرقام لا تعني بالطبع أن جميع المراهقين يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره صديقًا، لكنها تكشف عن اتجاه جديد يستحق الانتباه.

    وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن السؤال لم يعد فقط: ماذا يفعل المراهق بالذكاء الاصطناعي؟ وإنما: لماذا أصبح يلجأ إليه في بعض الأمور التي كان من الطبيعي أن يتحدث فيها مع إنسان؟ قد يكون السبب أحيانًا هو سهولة الوصول، وقد يكون لأن المراهق يشعر أن الحديث مع آلة أقل إحراجًا من الحديث مع والديه، وربما لأنه يخشى أن يتم الحكم عليه إذا تحدث مع أحد أصدقائه. كذلك فإن بعض المراهقين يمرون بمرحلة عمرية يبحثون فيها عن هويتهم، ويحاولون فهم مشاعرهم وعلاقاتهم ومكانهم وسط الآخرين، ولذلك فإن وجود مساحة يستطيعون فيها طرح الأسئلة بحرية قد يكون جذابًا بالنسبة إليهم.

    لكن من جهة أخرى، يجب ألا نخلط بين قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج رد يبدو متعاطفًا وبين امتلاكه تجربة إنسانية حقيقية. فالآلة لا تعيش مشاعر المراهق، ولا تعرفه بالطريقة التي تعرفه بها أسرته، ولا تستطيع أن تحل محل العلاقة الإنسانية بكل ما تحمله من تاريخ وذكريات ومسؤولية ومشاركة حقيقية. قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم للمراهق كلمات تجعله يشعر بأنه مفهوم، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن الأسرة أو الصديق أو المتخصص عندما تصبح المشكلة أكبر من مجرد رغبة في الفضفضة.

    وهنا تظهر مسؤولية الأسرة المصرية بشكل مختلف؛ لأن التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا يجب منعه بالكامل قد يدفع المراهق إلى إخفاء استخدامه، بينما تركه دون أي متابعة قد يجعل الأسرة لا تعرف كيف يستخدم ابنها هذه الأدوات ولا ما الذي يبحث عنه من خلالها. ولذلك فإن المطلوب هو الحوار وليس المصادرة، والفهم وليس التخويف.

    ومن المهم كذلك أن تسأل الأسرة نفسها سؤالًا ربما يكون أصعب من مراقبة الهاتف: هل يجد ابننا شخصًا يستطيع أن يتحدث معه عندما يكون متضايقًا؟ وهل يشعر أنه يستطيع أن يحكي لنا ما يحدث في حياته دون أن يتحول كل حديث إلى محاضرة أو اتهام أو مقارنة؟ وهل عندما يأتي إلينا بمشكلة نسمعه فعلًا، أم أننا نبدأ في إعطائه الحلول قبل أن نفهم ما يشعر به؟ فالمراهق الذي يجد أذنًا تسمعه داخل البيت لن يحتاج بالضرورة إلى أن يجعل الآلة المكان الوحيد الذي يذهب إليه عندما يريد الكلام، أما إذا أصبح الحوار داخل الأسرة قائمًا فقط على الأوامر والمتابعة والدرجات والمذاكرة، فمن الطبيعي أن يبحث المراهق عن مساحة أخرى يستطيع فيها التعبير عن نفسه، وقد يجد هذه المساحة في تطبيق لا ينام ولا ينشغل ولا يرفض الاستماع.

    بالإضافة إلى ذلك، فإن علاقتنا بالذكاء الاصطناعي تحتاج إلى وعي جديد من جانب الأسرة والمدرسة. فنحن لا نستطيع أن نطلب من المراهق أن يتعامل مع التكنولوجيا بعقلية الماضي، في الوقت الذي أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا من التعليم والبحث والعمل. ولذلك فإن المطلوب ليس إبعاد الأبناء عن الذكاء الاصطناعي، وإنما تعليمهم كيف يستخدمونه بطريقة مسؤولة، وكيف يعرفون حدوده، ومتى يكون أداة للمساعدة، ومتى يصبح الاعتماد عليه مشكلة.

    ومن جهة أخرى، هناك فارق كبير بين أن يستخدم المراهق الذكاء الاصطناعي ليساعده في فهم درس أو ترتيب أفكاره، وبين أن يصبح أول شخص يلجأ إليه عند كل خلاف أو أزمة أو شعور بالوحدة. الاستخدام الأول يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من التطور التكنولوجي، أما الاستخدام الثاني فيحتاج إلى انتباه؛ ليس لأن الذكاء الاصطناعي شر في حد ذاته، وإنما لأن الاعتماد الزائد على أي وسيلة واحدة للتعامل مع المشاعر قد يأتي على حساب العلاقات الإنسانية التي يحتاج إليها المراهق في هذه المرحلة من حياته.

    وقد بدأت الدراسات الحديثة بالفعل في تناول هذه المسألة، حيث تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض المراهقين والشباب يستخدمون روبوتات المحادثة للحصول على الدعم أو النصيحة، وهو ما يثير أسئلة حول طبيعة العلاقة التي يمكن أن تتكون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ومدى إمكانية تحول الاستخدام من مجرد أداة مساعدة إلى نوع من الاعتماد العاطفي. ومع ذلك، فإن هذه الدراسات لا تسمح لنا بالقول إن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلًا عن العلاقات الإنسانية، وإنما تشير إلى ظاهرة جديدة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والفهم.

    كذلك فإن المدرسة مطالبة بأن تنتقل من مجرد تعليم الطالب كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تعليمه كيفية التفكير في هذه الأدوات. فليس كل رد ينتجه الذكاء الاصطناعي صحيحًا، وليس كل نصيحة مناسبة لكل شخص، وليس كل إجابة تبدو متعاطفة تعني أن النظام يفهم التجربة الإنسانية كما يفهمها الإنسان. ولذلك فإن التربية الإعلامية والرقمية تصبح أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن الطالب لم يعد يحتاج فقط إلى أن يعرف كيف يصل إلى المعلومة، وإنما يحتاج أيضًا إلى أن يعرف كيف يتحقق منها، وكيف يقيّمها، وكيف يعرف حدود الأداة التي استخدمها.

    كما أن الإعلام أمام مسؤولية مهمة في هذه القضية، لأن الطريقة التي نتحدث بها عن الذكاء الاصطناعي تؤثر في وعي الأسرة والمراهق معًا. فلا يجب أن نقدم التكنولوجيا باعتبارها خطرًا مطلقًا يهدد أبناءنا، كما لا يجب أن نقدمها باعتبارها الحل السحري لكل مشكلة. المطلوب هو خطاب إعلامي أكثر توازنًا يشرح إمكانات الذكاء الاصطناعي ومخاطره، ويساعد الأسرة على فهم ما يحدث بدلًا من تركها بين الخوف المبالغ فيه والثقة المبالغ فيها.

    وفي النهاية، فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكون أداة للتعلم والبحث والمساعدة، وقد يجد فيه بعض المراهقين مساحة أولية للتعبير عن أنفسهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى البديل الأساسي عن الأسرة أو الأصدقاء أو العلاقات الإنسانية الحقيقية. فالمراهق لا يحتاج فقط إلى إجابة، وإنما يحتاج إلى شخص يعرفه، ويفهم تاريخه، ويستطيع أن يلاحظ ما لا يقوله، ويظل إلى جواره عندما لا تكون الكلمات كافية. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الأسرة المصرية ليس أن تمنع أبناءها من التحدث إلى الذكاء الاصطناعي، وإنما أن تجعل الحوار الإنساني داخل البيت أقوى من أن تستبدله الآلة؛ لأن التكنولوجيا مهما تطورت تستطيع أن تحاكي الحوار، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان دفء العلاقة الإنسانية الحقيقية.

    ظهرت المقالة حين يصبح الذكاء الاصطناعي صديق المراهق أولاً على جريدة المساء.

    مشاهدة حين يصبح الذكاء الاصطناعي صديق المراهق

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين يصبح الذكاء الاصطناعي صديق المراهق قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين يصبح الذكاء الاصطناعي صديق المراهق.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية
    Lebanon 24 - قبل 10 ساعة و 45 دقيقة


    اخر الاخبار