كتبت Bélinda Ibrahim لـ “Ici Beyrouth“:
قبل البلاستيك والأجهزة المنزلية والأدوات المصنّعة على نطاق واسع، اعتمدت الحياة اليومية في لبنان على أدوات بسيطة، غالبًا ما صُنعت لتدوم. ورافقت الجرار، والمواقد، والصناديق، والهاونات، والمصابيح، تفاصيل الحياة المنزلية، من تخزين المؤن إلى إعداد الطعام. وتروي هذه السلسلة حكاية البلاد من خلال هذه الأدوات اليومية الّتي تحولت، مع مرور الوقت، إلى شهادات صامتة على نمط حياة اندثر.
تتناقل اليدان كرة من العجين، فتتسع وترقّ، حتى تكاد تغدو شفافة، ثم توضع بحركة واحدة على صفيحة معدنية محدّبة. وبعد لحظات قليلة، ينضج الخبز. يبدو كل شيء بسيطًا لأنّ المكونات كذلك. لكنّ جوهر العملية يكمن قبل الخَبز: في مرونة العجين، وتجانس سماكته، وسرعة الحركة، وتلك القدرة على الإحساس إلى أي حد يمكن مده من دون أن يتمزق.
والصاج، في الواقع، ليس الخبز بحد ذاته. فهو اسم الصفيحة المحدّبة التي تُسخّن من الأسفل، وكانت قديمًا تُسخّن بواسطة الحطب، أمّا اليوم فبالغاز أو الكهرباء أيضًا. أمّا المرقوق فهو الخبز الرقيق جدًّا الذي يُحضّر عليها. وقد يختلط اللفظان أحيانًا في الاستعمال اليومي، غير أنّهما يشيران إلى حقيقتين مختلفتين: الأداة من جهة، والمنتج من جهة أخرى. وتُعدّ صناعة خبز المرقوق من الممارسات الغذائية المدرجة في التراث الثقافي غير المادي اللبناني.
كل شيء يُحسم قبل الخَبز
يُترك العجين ليرتاح أولًا، ثم يُقسّم إلى كريات. وتُبسّط كل كرة قبل أن تُمدّ تدريجيًّا. وبحسب الممارسات المتبعة، تُفرد العجينة على “الطبليّة”، أو تُستخدم وسادة مستديرة تسند العجينة قبل نقلها إلى الصاج. والغاية هي الحصول على طبقة من العجين رقيقة جدًّا، ومتجانسة من الوسط إلى الأطراف، من دون ثقوب أو مناطق سميكة.
في هذه المرحلة، لا تعود الوصفة تفيد كثيرًا. فقد يعرف المرء بدقة كمية الطحين أو الماء أو الملح، من دون أن يعرف كيف يصنع مرقوقًا جيدًا. فالعجين يتغير بحسب نوع الطحين، والرطوبة، ومدة راحة العجين، وحرارة الجو. وعلى من يعمل به أن يكيّف ضغط الأصابع، والسرعة، ومدى الحركة.
لذلك تكمن المعرفة في اللمس بقدر ما تكمن في المقادير. فالعجينة المشدودة أكثر من اللازم تتمزق، والعجينة السميكة أكثر من اللازم لا تعطي القوام عينه، وإذا وُضعت بطريقة غير صحيحة فقد تنكمش. أمّا الخَبز، فشبه فوري. إذ لا تحتاج طبقة عجين رقيقة جدًّا، حين توضع على صفيحة لاهبة، سوى إلى لحظات لتنضج.
وهذا التناقض هو ما يميز هذه الحركة: فالخبز ينضج بسرعة، لكن اليد تحتاج إلى وقت طويل كي تتعلم.
صنع الخبز كي يكفي أيامًا
في الأرياف، كان إعداد الخبز جزءًا من تنظيم شؤون المنزل. ولم يقتصر الأمر على خبز رغيفين أو ثلاثة في وقت الوجبة، بل كان غالبًا يعني إنتاج كمية تكفي لأيام. والمرقوق ملائم جدًّا لهذا النمط: فهو شديد الرقة، ويمكن رصّه وحفظه، ثم تليينه عند الحاجة.
وتطلّب يوم الخبز، بالتالي، سلسلة من العمليات المتعاقبة: العجن، وترك العجين ليرتاح، وتقسيمه إلى كريات، ومدّه، وإدارة الحرارة، وخَبزه، وتكديسه، ثم تخزينه. وكان العمل في كثير من البيوت الريفية منوطًا بالنساء إلى حد كبير، شأنه شأن جزء كبير من إعداد الطعام المنزلي.
وارتبطت هذه الممارسة أيضًا باقتصاد الأسرة. فإنتاج الخبز في المنزل يعني تحويل الطحين المتاح مباشرة، بدل الاعتماد على شرائه يوميًّا. ويتميز الصاج، خلافًا لفرن مبني، بميزة إضافية تتمثل في بساطة تجهيزاته النسبية وسهولة نقله. وتفسر هذه الخاصية أيضًا انتشاره في البيئات الرعوية أو الريفية، حيث لم يكن وجود فرن ثابت عمليًّا دائمًا.
مع ذلك، لا ينبغي اختزال تلك الأيام في صورة مثالية من الألفة. فصنع الخبز كان أولًا عملًا منتظمًا ومتكررًا وضروريًّا. وكان يترافق بالتبادل، والتعاون، والأحاديث، غير أنّ هذه الأنشطة كانت تندرج ضمن مهمة لا غنى عنها في حياة الأسرة.
استمرار الممارسة رغم تغيّر السياق
تكمن أهمية الصاج أيضًا في أنّ هذه التقنية لم تختفِ مع التحديث. فقد تغيّر مصدر الحرارة: أضيف الغاز إلى نار الحطب، ثم جاءت الكهرباء. لكنّ الحركة الأساسية بقيت، على نحو لافت، قريبة ممّا كانت عليه. فما زال العجين يحتاج إلى التحضير، والترقيق، ووضعه بالشكل الصحيح على السطح الساخن.
وهذه صورة لافتة لاستمرارية الممارسة. فالحفاظ على مهارة تقليدية لا يستلزم بالضرورة إعادة إنتاج بيئتها المادية القديمة بكل تفاصيلها. إذ يمكن أن تتطور الأداة من دون أن تمحو المعرفة الجسدية التي تمنح هذه المهارة معناها.
أمّا السياق الاقتصادي، فقد تغيّر. فما كان يُحضّر في الماضي أساسًا للأسرة، يمكن اليوم بيعه في الأسواق، أو التعاونيات، أو المخابز، أو المبادرات المخصّصة للمنتجات الريفية. وهكذا حوّلت نساءٌ معرفةً تعلّمنها في المنزل إلى نشاط مدرّ للدخل.
وتخرج هذه الممارسة عندئذ من المجال المنزلي. فتصبح منتجًا حرفيًّا، أو عرضًا من عروض التراث، أو عنصرًا يُستند إليه في إبراز الجودة. وقد يسهم هذا الانتقال في بقائها، لكنّه يغيّر أيضًا طريقة تناقلها. فلم يعد التعلّم بالضرورة ينتقل من الأم إلى ابنتها في إطار الحياة اليومية في المنزل؛ إذ قد يحصل الآن في ورشة، أو تعاونية، أو إطار مهني.
ما لا تستبدله الآلة بالكامل
تستطيع الصناعة إنتاج الخبز المسطّح بسرعة وانتظام، وبكميات كبيرة، وتلبية احتياجات لا يستطيع الصاج الحرفي تلبيتها على النطاق عينه. غير أنّ توحيد الإنتاج لا يعني بالضرورة الوصول إلى النتيجة عينها تمامًا.
فالعمل اليدوي يترك فروقًا صغيرة في السماكة، أو اللون، أو درجة القرمشة. والأهم أنّه يحافظ على قدر من التكيّف الفوري: فالشخص الذي يُحضّر الخبز يصحّح باستمرار ما يشعر به تحت أصابعه.
وهذا الجانب هو ما يجعل من الصاج موضوعًا مناسبًا لافتتاح سلسلة مخصّصة للممارسات القديمة. فالمعرفة ليست استعراضية ولا جامدة في الماضي. وهي تمارَس حتى اليوم، لكنّ محيطها تغيّر. فقد تراجعت الضرورة المنزلية، فيما ازدادت أهمية القيمة الحرفية أو الثقافية أو التجارية.
وهكذا، يذكّرنا الصاج بأنّ الممارسة قد تستمر، حتى وإن تغيّرت وظيفتها. فقد تنتقل من المطبخ العائلي إلى السوق، ومن العمل اليومي إلى التراث، من دون أن تفقد ما يمنحها معناها الحقيقي: تلك المعرفة الدقيقة جدًّا بالعجين، التي لا الوصفة ولا الآلة تستطيع أن تحلّ محلّها تمامًا.
الصاج والخبز بين أطراف الأصابع هنا لبنان.
مشاهدة الصاج والخبز بين أطراف الأصابع
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الصاج والخبز بين أطراف الأصابع قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الصاج والخبز بين أطراف الأصابع.
في الموقع ايضا :
- سعر الذهب اليوم في اليمن.. كم سجل عيار 21 والجنيه الذهب في صنعاء وعدن؟
- الجيش الإسرائيلي استهدف بالمدفعية مناطق المنصوري ومجدل زون ووادي حسن كما نفّذ بعد منتصف الليل تفجيرات عنيفة في بلدتي برعشيت وحداثا
- "لبنان 24": تحليق للطيران الإسرائيلي المسيّر في أجواء سحمر ومشغرة وعين التينة وميدون ولبايا ويحمر وقليا وزلايا والقطراني
